[الباب الرابع:] * باب الخوف من الشرك
_________________
(١) هذا الباب في غاية المناسبة للأبواب السابقة، وهذا من دقّة فقهه وفهمه ﵀، وحُسن تأليفه، فإنه لما ذكر في الباب الأول: معرفة حقيقة التّوحيد، وذكر في الباب الثاني: فضل التّوحيد وما يكفّر من الذنوب، وذكر في الباب الثالث: من حقّق التّوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب. لما ذكر هذه الأبواب ناسب أن يذكر ضدّ التّوحيد وهو الشرك، لأنه لا يكفي أنّ الإنسان يعرف التّوحيد ويعمل به، بل لابد أن يعرف ضدّه وهو الشرك، خشية أن يقع فيه، ويُفسد عليه توحيده، لأن من لا يعرف الشيَّء يوشك أن يقع فيه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك أن تُنْقَض عُرى الإسلام عُروة عُروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" لأنه لا يدري عن أمور الجاهلية أو يحسبها شيئًا طيّبًا وهي من أمور الجاهلية، فبجهله بحقيقتها الْتَبَسَتْ، فصار يفعلها وهي من الجاهلية، فكذلك وأخطر من ذلك من لا يعرف الشرك ومداخله، وأنواعه، وأخطاره، فإنه حَرِّيٌ أن يقع في الشرك من حيث لا يدري، لأن الجهل داء قاتل، والشاعر يقول: والضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء فلا يعرف قيمة الصحة إلاَّ من ذاق المرض، ولا يعرف قيمة النور إلاَّ من وقع في الظلام، ولا يعرف قيمة الماء إلاَّ من عطش، وهكذا، ولا يعرف قيمة الطعام إلاَّ من مسّه الجوع، ولا يعرف قيمة الأمن إلاَّ من أصابه الخوف، إذًا لا يعرف قيمة التّوحيد، وفضل التّوحيد، وتحقيق التّوحيد إلاَّ من عرف الشرك وأمور الجاهلية حتى يتجنّبها، ويحافظ على التّوحيد، ومِن هنا يظهر خطأ هؤلاء الذين يقولون: لا داعي أن نتعلم العقائد الباطلة ونعرف المذاهب الباطلة، ونرد على المعتزلة والجهمية، لأنهم بادوا وذهبوا، علموا الناس التّوحيد ويكفي، أو بعضهم يقول لا تعلّموهم التّوحيد لأنهم أولاد فطرة، ونشأوا في بلاد المسلمين، علّموهم أمور الدنيا: الصناعات والاختراعات والأمور الحديثة، أما التّوحيد فيحصلونه بفطرتهم وبيئتهم، نعم وجُد من يقول هذا، وبعض الناس يقول: الناس تجاوزوا مرحلة الخرافات،
[ ١ / ٩٣ ]
لأنهم تثقفوا وعرفوا، فلا يمكن أنهم يشركون تتعد ذلك، لأن الشرك كان في الجاهلية، يوم كان الناس سذج ويسمون الشرك في العبادة شركًا ساذجًا، والشرك عندهم ما يسمونه بالشرك السياسي أو شرك السلاطين أو شرك الحاكمية.
ولذلك لا يهتمون بإنكار هذا الشرك الذي بعثت الرسل لإنكاره، وإنما ينصبّ إنكارهم على الشرك في الحاكمية فقط.
وكل هذه من حيَل الشيطان لبني آدم، والواجب أننا، كما نعرف الحق؛ يجب أن نعرف الباطل، من أجل أن نعمل بالحق، ونتجنّب الباطل، ولهذه المناسبة العظيمة ذكر الشيخ "باب الخوف من الشرك" بعدما ذكر أبواب التّوحيد وفضله، وما يكفر من الذنوب، وتحقيق التّوحيد وهذه نعمة عظيمة لكن إذا حازها الإنسان، فإنه يخشى من ضدها، فلابد أن يعرف ضدّها حتى يتجنّبه، فلنتنبّه لهذا الأمر، فإن هناك أناسًا الآن كثيرين يزهِّدون في تعلم هذه الأمور: تعلّم التّوحيد، تعلّم الشرك، معرفة الشُّبَه والضلال، يزهدون في هذه الأمور، وهذا إما من جهلهم، وعدم معرفتهم، وإما لأنهم يريدون الدّس على المسلمين، وإفساد عقيدة المسلمين، فلنحذر من هذا الأمر، سمعنا من يقول إن الذي يدرس عقائد المعتزلة والرد عليهم مثل الذي يرجم القبر، لأنهم ماتوا، يقولون كذا، نقول: يا سبحان الله هم ماتوا بأشخاصهم، لكن مذاهبهم باقية، وشبهاتهم باقية، وكتبهم، تطبع الآن وتحقق، وينفق عليها الأموال، وتُرَوّج، فكيف نقول نتركهم لأنهم ماتوا، والله تعالى ذكر شبهات المشركين من الأمم السابقة: فرعون وهامان وقارون وقوم ونوح وعاد وثمود، مع أنها أمم بائدة، ذكر شبهها ورد عليها، فالعبرة ليست بالأشخاص، العبرة بالمذاهب، والعبرة بالشُّبَه الباقية ولكل قوم وارث.
ولهذا قال الشيخ: "باب الخوف من الشرك" أي: أن الموحّد يجب أن يخاف من الشرك، ولا يقول أنا موحّد وأنا عرفت التّوحيد، ولا خطر علي من الشرك، هذا إغراء من الشيطان، لا أحد يزكي نفسه، ولا أحد لا يخاف من الفتنة ما دام على قيد الحياة، فالإنسان معرّض للفتنة، ضلّ علماء أحبار، وزلّت أقدامهم، وخُتم لهم بالسّوء، وهم علماء، فالخطر شديد، ولا يأمن الإنسان على نفسه أن تَنْزَلِق قدمه في
[ ١ / ٩٤ ]
وقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ .
_________________
(١) الضلال، وأن يقع في الشرك، إلاَّ إذا تعلم هذه الأمور من أجل أن يجتنبّها، واستعان بالله، وطلب منه العصمة والهداية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ خافوا من الزّيغ بعد الهداية، والمهتدي يكون أشد خوفًا أن يزيغ، وأن تزلّ قدمه، وأن تسوء خاتمته، وأن يكون من أهل النار، نسأل الله العافية. قال: "وقول الله ﷿: " ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " هذا خبر من الله عن نفسه ﷾ مؤكّد بـ "إنّ". أنه: " ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ " فهذا فيه خطورة الشرك، فالله لا يغفر للمشرك مع أن رحمته وسعت كل شيء، ولكن المشرك لا يدخل فيها، لعِظم جريمته- والعياذ بالله، فمن مات على الشرك فإنه لا يغفر له، وهذا يدلّ على خطورة الشرك، فإذا كان الشرك بهذه الخطورة، فإنه يجب الحذر منه غاية الحذر، كل الذنوب مَظِنّة المغفرة ورجاء المغفرة إلاَّ الشرك. والشرك لا يمكن تجنبه إلاَّ إذا عرف وعرف خطره. وفي الآية الأخرى أخبر سبحانه أنه حرم الجنة على المشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والحرام: الممنوع، فلا يمكن أنّ المشرك يذوق طعم الجنة، أو يشم رائحة الجنة. وفي الآية الثالثة: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، منعهم الله من دخول المسجد الحرام لأنهم نجس، ونجاسة الشرك نجاسة معنويّة، والمسجد الحرام لا يدخله إلاَّ أهل التّوحيد ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ كذلك المشرك حلال الدم والمال، قال ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ﷿". قوله.: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ الخليل هو إبراهيم ﵇، سمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليلًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ
[ ١ / ٩٥ ]
وفي الحديث قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه، فقال: "الرياء".
_________________
(١) اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ من الخُلَّة، وهي أعلى درجات المحبة، أي: أن الله يحبه أعلى المحبة، وهذه مرتبة لم ينلها إلاَّ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. قوله: " ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ " أي أبعدني واجعلني في جانب بعيد " ﴿أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ " خاف من عبادتها. مع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم ﵇ من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولهذا قال بعض السلف: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ "، فإبراهيم خاف على نفسه الوقوع في الشرك لما رأى كثرة وقوعه في الناس، وقال عن الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ . وفي هذا أبلغ الرد على هؤلاء الذين يقولون: لا خوف على المسلمين من الوقوع في الشرك بعدما تعلموا وتثقفوا، لأن الشرك بعبادة الأصنام شرك ساذج يترفع عنه المثقف والفاهم، وإنما الخوف على الناس من الشرك في الحاكمية، ويركزون على هذا النوع خاصة، وأما الشرك في الألوهية والعبادة فلا يهتمون بإنكاره، وعلى هذا يكون الخليل ﵇ وغيره من الرسل إنما ينكرون شركًا ساذجًا!!، ويتركون الشرك الخطير وهو شرك الحاكمية كما يقول هؤلاء. قال: "وفي الحديث" أي الحديث الذي رواه أحمد والطبراني والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، الرسول ﷺ يقول لأبي بكر وعمر ولسادات المهاجرين والأنصار، الذين بلغوا القمّة في التّوحيد والإيمان والجهاد في سبيل الله، ومع هذا الرسول يخاف عليهم، فمن يأمن بعد هؤلاء؟: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال: "الرياء" هذا دليل على اهتمام الصحابة في الأمر، والرياء معناه: أن الإنسان يتصنّع أمام الناس بالتقوى، والعمل الصالح، وإتقان الصلاة، وغير ذلك، من أجل أن يمدحوه، فالرياء من الرؤية أن يحب الإنسان أن يراه الناس وهو يعمل العمل الصالح من أجل أن
[ ١ / ٩٦ ]
يمدحوه، والسُّمعة أن يحب الإنسان أن الناس يسمعون كلامه ويسمعون عمله ويمدحونه، فالرياء لما يُرى من الأعمال، والسُّمعة لما يسمع منها.
والرياء شرك خفي، لأن الشرك على نوعين: شرك ظاهر وشرك خفي، الشرك الظاهر: الذي يتمثل في الأعمال والأقوال، بأن يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، هذا ظاهر يراه الناس ويسمعونه، لكن هناك شرك خفي لا يدري عنه الناس، لأنه في القلب، لا يعلمه إلاَّ الله ﷾، وهو الشرك في النيّة والإرادة، فالإنسان إذا سَلِم من الشرك الأكبر فإنه قد لا يسلم من الشرك الأصغر الذي يكون في القلوب، وهذا مما يُعطي المؤمن الحذر الشديد.
والرياء من صفات المنافقين، يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ والله تعالى توعّد المرائين، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦)﴾ فوعدهم الله بالويل، وجاء في الحديث أن الله يقول للمرائين يوم القيامة: "اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا هل تجدون عندهم جزاءً".
فهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، لأن النبي ﷺ خافه على سادات المهاجرين والأنصار، وعلى أفضل هذه الأمة، فكيف بمن دونهم، وإذا كان هذا في الشرك الأصغر الذي لا يُخرج من الملّة فكيف بالشرك الأكبر- والعياذ بالله-.
وفيه دليل على وجوب إخلاص النية لله ﷿، وان الإنسان لا يقصد مدح الناس أو ثناء الناس أو مطامع دنيا بأعماله الصالحة، وإنما يخلص النيّة لله ﷿، يريد وجه الله، فإن عَمِل من أجل الرياء فعمله باطل.
فهذا الحديث يدل أولًا: على الخوف من الشرك.
ثانيًا: أن الرياء شرك، ومعناه- كما ذكرنا-: أن يحب الإنسان أن يراه الناس على الطاعة فيُثنوا عليه بها.
وثالثًا: أن الرياء شرك خفي، لا يعلمه الناس، وإنما الله جل وعلا هو الذي يعلمه، لأنه في القلوب.
[ ١ / ٩٧ ]
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار" رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار".
_________________
(١) قال: "وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار" هذا خبر من الرسول ﷺ أنّ من مات على الشرك فهو من أهل النار، ولا يُغفر له. ولاحظوا كلمة "شيئًا" تعم الشرك كله، ما أشرك مع الله من نبي أو ولي أو ملك، لأن الشرك لا يقبله الله أبدًا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . ومن يدري متى يموت؟، ومن يدري ماذا يموت عليه؟، فالإنسان يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، وأن يموت وهو يشرك بالله، فيكون من أهل النار، فالإنسان يجب عليه أن يحذر من الشرك طول حياته لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، فيكون من أهل النار. فهذا فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يُختم له بالشرك فيكون من أهل النار، ولو كان من أهل التّوحيد قبل ذلك، وعارف به، ومستقيم، لكن يخاف على نفسه من أنه يتنكس بعد ذلك، ويشرك بالله، ويموت على ذلك فيكون من أهل النار، فنسأل الله الثبات، فيكون عنده حذر دائمًا وأبدًا من الشرك. قال: "ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة" هذا فيه فضل التّوحيد، وأن من مات عليه دخل الجنة، وهذا وعد من الله ﷾، والله لا يخلف وعده، حتى ولو كان عنده ذنوب ومعاص دون الشرك، فقد يغفرها الله له ويدخله الجنة من غير عذاب، وقد يعذبه الله بها ثم يدخله الجنة، فمآل الموحّد إلى الجنة، إما ابتداءً وإما في النهاية. فقوله: "من لقي الله " يعني: مات. "ومن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار" هذا مثل حديث ابن مسعود، من مات على الشرك، فإنه من أهل النار،- نسأل الله العافية-. فهذا فيه الحذر من سوء الخاتمة.
[ ١ / ٩٨ ]
وفيه- كما ذكر الشيخ ﵀ قرب الجنة والنار من الإنسان، فما بينه وبين الجنة والنار إلاَّ أن يموت، ولا يدري، ربما يموت في الحال، ربما يموت بعد دقائق، أو بعد شهر، أو بعد سنة، ما بينه وبين النار والجنة إلاَّ الموت، فإذا مات دخل النار أو دخل الجنة، ففيه قُرب الجنة والنار من الإنسان، والنبي ﷺ يقول: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك"، والشاعر يقول:
كل امرئ مُصَبِّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
تصبح في الدنيا وتمسي في الجنة، أو بالعكس-.
فهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان يخشى أن يلقى الله وهو على الشرك فيكون من أهل النار، والعياذ بالله.
وفي نصوص الباب أن الإنسان لا يغتر بنفسه مهما بلغ من العلم والإيمان والمعرفة، بل يعترف بعجزه وفقره إلى الله ﷾، وأنه إن لم يعصمه الله فإنه على خطر.
كما أن في الباب - أيضًا- بيان معنى لا إله إلاَّ الله- كما يقول الشيخ في مسائله-: "في الباب معنى لا إله إلاَّ الله، وذلك في الحديث الأخير: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار"، هذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، لأن في هذا الحديث التّوحيد والشرك، ولا إله إلاَّ الله أثبتت التّوحيد ونفت الشرك، فـ (لا إله) نفي للشرك، و(إلاَّ الله) إثبات للتّوحيد.
نسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا وإياكم الثبات على دينه، وأن يُرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن لا يجعله ملتبسًا علينا فنضل، ونعوذ بالله من الغرور، ونعوذ بالله من الإعجاب، ونعوذ بالله من تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
[ ١ / ٩٩ ]