[الباب السابع:] * بابُ من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب: أن الشيخ ﵀ لما ذكر في الباب الذي قبله بيان معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وتفسير التّوحيد، وأن ذلك هو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ ناسب أن يذكر في هذا الباب وما بعده أشياء من الشرك الأكبر أو الأصغر، الذي هو ضدّ التّوحيد، وضدّ شهادة أن لا إله إلاَّ الله أو منقص لهما. وقوله رحمه الله تعالى: "بابٌ من الشرك" أي: من أنواع الشرك، "لبس الحلْقة والخيط ونحوهما" مما يعلّق على البدن أو على الدابة، أو على السيارة أو على الأبواب من الأشياء التي يعتقدون فيها أنها تدفع عين الحاسد، وأنّها تحرس البدن، أو تحرس الدابة، أو تحرس السيارة أو تحرس البيت أو المتجر من الشرور والمحاذير، وهذه عادة جاهلية لا تزال في بعض الناس إلى اليوم، بل تتزايد بسبب الجهل، فإنهم يعلّقون هذه الأشياء على أجسامهم، وعلى أجسام الأطفال، وعلى السيارات، والدكاكين، والبيوت، قصدهم من ذلك أن هذه الأشياء تدفع عنهم الشرور والمحاذير، وهذا من الشرك لأنه تعلق على غير الله ﷾، لأن الله جل وعلا وهو الذي يدفع الشر، وهو الذي إذا أراد بعبده شيئًا فلابد أن يقع إما في نفسه أو في ماله أو في أهله، فلا أحد يدفعه، وإذا منع شيئًا فلا أحد ينزله ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، الأمر كله بيد الله جلّ وعلا، فيجب أن تتعلق القلوب بالله ﷿، وأن تُخلص العبادة لله ﷿، وأن لا يخاف إلاَّ من الله ﷿، فمن تعلّق قلبه بالله ووحّد الله، فإنه لا يضره شيء إلاَّ بإذن الله ﷾، أما من تعلّق على غير الله، فإن الله يَكِلُه إلى ما تعلق عليه، ويبتليه- كما يأتي-.
[ ١ / ١٣٥ ]
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية.
_________________
(١) قال: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، تتمة الآية: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ". هذه الآية من سورة الزمر، السورة العظيمة التي قرّر الله فيها التّوحيد، وأبطل فيها أنواع الشرك، فالسورة من أولها إلى آخرها تعالج قضية العقيدة، وتعالج قضية أنواع الشرك التي كان المشركون يزاولونها، فأبطلتها هذه السورة ونقضتها، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. " ﴿قُلْ﴾ " يا محمد، الخطاب للنبي ﷺ، أي قل لهؤلاء المشركين: " ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " من الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة والأولياء والصالحين، وكل ما يُعبد من دون الله. فالسؤال موجّه إلى كل مشرك على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، هل يستطيع الإجابة عنه؟، لا. " ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ " أي: أخبروني " ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " " ﴿مَا﴾ " عامة لكل ما يُدعى من دون الله، لا يُستثنى منها شيء، سواء كان من البشر أو من الجماد أو غير ذلك. " ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ " يعني: بضرر، أو بفقر، أو بموت، أو أرادني بضياع مال، أو إصابة في قريب، أو غير ذلك مما يضرّني في بدني أو في مالي أو في أهلي. " ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ " هل هذه المعبودات التي تعبدونها تستطيع أن تكشف الضر عمّن دعاها؟، وهذا مثل ما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾، " ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ "؟، سؤال استنكار ونفي، أي. لا تكشف الضر عمن دعاها. ولذلك المشركون يمرضون، ويُقتلون، ويُصابون، وتذهب أموالهم، ولا تستطيع معبوداتهم أن تدفع عنهم شيئًا نزل من الله ﷾. " ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ " من صحة وغنىً وغير ذلك من أنواع الرحمة، هل أحد
[ ١ / ١٣٦ ]
من الخلق يستطيع أن يمنع نزول الرحمة على أحد من عباد الله؟، فظهر بذلك عجز آلهة المشركين.
والنبي ﷺ قال لهم هذا وتلا عليهم القرآن، وسألهم هذا السؤال، وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ولم يُجيبوه، ولن يجيبوه إلى أن تقوم الساعة.
هذه من جملة الأسئلة التي وجهها الله في القرآن إلى المشركين ولم يجيبوا عنها. فدلّ على بطلان الشرك.
" ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ " أي: هو كافيني، لأن الحَسْب معناه: الكافي، فهذا فيه تفويض الأمور إلى الله ﷾، وتعليق القلوب بالله ﷾ دون ما سواه، لما أبطل الشوك في أول الآية قرّر التّوحيد بقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي: هو كافيني ولن يستطيع أحد أن يضرني من دون الله أو ينفعني من دون الله، ولهذا يقول هود -﵊- لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ ثم قال ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ .
" ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ " ولا يتوكلون على الحلْقة والخيط والصنم والقبر والولي أو غير ذلك، بل الذي يُتوكّل عليه هو الله ﷾، لأنه بيده مقادير الأشياء.
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عباس: "واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف".
فالأمور كلها مرجعها إلى الله ﷾، فهو الذي يستحق أن يُعبد، وأن يُتوكّل عليه، وأن يُدعى، ويُرجى، ويُخاف ﷾، وما عداه فإنه خلق من خلق الله، مسخّر بيد الله ﷾، إن شاء سلّطه عليك وإن شاء منعه عنك، ما في الأرض من الأشرار من بني آدم ومن الشياطين ومن الجن ومن الإنس ومن الحيّات والسباع ومن سائر الأشياء الضارة، كلها بيد الله ﷾، إن شاء سلّطها عليك وإن شاء أمسكها عنك، فلا تخف من غير الله ﷿، وكذلك الخير بيد الله ﷾: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
[ ١ / ١٣٧ ]
عن عمران بن حُصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلْقة من صُفْر، فقال: "ما هذا؟ ".
_________________
(١) قَدِيرٌ﴾، بيده الخير فلا يملك أحد من الخلق أن يُعطيك شيئًا من الخير إلاَّ إذا أراده الله ﷾ لك، ويكون هذا الشيء سبب فقط أجرى الله على يده الخير لك، أو سبب أجرى الله على يده الضرر عليك فهي، مجرّد أسباب، وإلا فما من شك أن النار تُحرق، وأن السَّبُع يفترس، وأن العدو يَفْتِك بعدوه، ولا شك أن الله خلق أشياء فيها ضرر، ولكن هذه الأشياء جنود من جنود الله ﷾، نواصيها بيد الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، فإذا أراد الله سلّط عليك هذه الجنود، وإذا أراد الله حبس عنك هذه الجنود، إذًا فلا تعلق قلبك إلاَّ بالله ﷿، ولا تتوكل إلاَّ عليه، ولا تُفوِّض أمورك إلاَّ عليه ﷾، ولا يمنع هذا من أن تتخذ الأسباب- الجالبة للخير والأسباب الواقية من الشر، ولكن الاعتماد على الله ﷾. قوله: "عمران بن حُصين" بن عُبيد الخزاعي، هو وأبوه صحابيّان ﵄، ومن أفاضل الصحابة. "أن النبي ﷺ رأى رجلًا" الرجل مُبْهَم، ولكن جاءت الرّوايات أنه هو نفس عمران بن حُصين، دخل على النبي ﷺ. "وفي يده حلقة" الحلْقة هي: الشيء المستدير الذي يُدار على العضد، أو على الذِّراع، أو على الأصبع. فالشيء المستدير يسمى حلْقة، ومنه تحلّق القوم إذا استداروا في الجلوس. "من صُفر" الصفر نوع من المعدن معروف. "فقال النبي ﷺ: "ما هذا؟ " " الظاهر أنه سؤال إنكار، وقيل: إنه سؤال استفهام، فالنبي ﷺ سأله عن قصده في هذه الحلقة. ففيه دليل على وجوب إنكار المنكر، وفيه دليل على أن الإنسان لا ينكر شيئًا حتى يعرف مقصود صاحبه إذا كان الشيء محتمِلًا، فإن كان مقصود صاحبه شرًّا فإنه ينكره.
[ ١ / ١٣٨ ]
قال: من الواهِنَة. فقال: "انزعها، فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنًا، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا"، رواه أحمد بسند لا بأس به.
_________________
(١) "قال: من الواهنة" يعني: لبستها من أجل دفع الواهنة، لتقيني منها، والواهنة مرض يصيب اليد، يُسَمَّى عند العرب بالواهنة، وكان من عادتهم لبس الحلْقة من أجل توقِّي هذا الوجع، يزعمون أن هذه الحلْقة تدفع هذا الوجع. "فقال النبي ﷺ: "انزعها" النزع معناه: الرفع بشدّة، أي: ارفعها مسرعًا بنزعها ونشيطًا في رفعها لا تتوانى، في تركها على جسمك، لأنها مظهر شرك- والعياذ بالله-. ففيه المبادرة بإزالة مظاهر الشرك، وأن الإنسان لا يتوانى في تركه. ثم علّل ﷺ ما في بقائها عليه من الضرر، قال: "فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنًا" إلا ضعفًا، فالوهن معناها: الضعف والمرض. فهذا فيه دليل على أن لبس هذه الأشياء فمن الحلْقة ونحوها بقصد دفع الضرر أنه يسبّب عكس المقصود، فإنه لبسها من أجل توقِّي المرض، والنبي ﷺ أخبر أنها تجلب المرض، وذلك ظاهر في الذين يتعاطون هذه الأشياء؛ تجدهم دائمًا في قَلَق وفي خوف، لكن الذي يتوكل على الله لا يهمّه شيء فتجده نشيطًا، قويّ العزيمة، مرتاح الضمير، منشرح الصدر، وتجد الذي يخاف من غير الله ويستعمل هذه، الرباطات ضعيف الجسم، منهك القوى، مهمومًا حزينًا، يتخوّف من كل شيء. "فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا" أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبدًا. فهذا فيه دليل على أن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركًا أصغر، يُعذّب به، وإن كان لا يعذّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلّد في النار، لكن يعذّب بها بقدره. قال الشيخ ﵀ في مسائله: "فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر"، فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، لأن المعاصي وإن كانت كبائر إذا لم تكن شركًا، فلا تخل بالعقيدة وأما الشرك الأصغر فإنه يخلّ بالعقيدة، وأيضًا لا يُغفر على الصحيح، والمعاصي الكبائر التي دونه مظِنّة المغفرة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
[ ١ / ١٣٩ ]
والشاهد من هذا الحديث ظاهر: لأن النبي ﷺ استنكر لبس الحلْقة التي يُقصد منها دفع الضرر، وأخبر أنها لا تزيد صاحبها إلاَّ مرضًا، وأنه لو مات وهي عليه ما أفلح أبدًا، وهذا فيه دليل على منع لبس الحلْقة ونحوها من أجل دفع الضرر، أو من أجل دفع العين، أو غير ذلك من المقاصد السيّئة.
ومثله: ربط الخيط على الساق، فبعض الناس يربطون خيوطًا على سيقانهم، أو على أذرعهم، أو على أصابعهم، ويقولون: إن هذا يمنع من المرض، وهذا هو نفسه فعل الجاهلية، وهو مثل الذي استنكره النبي ﷺ في هذا الحديث.
قال: "رواه أحمد" الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، الإمام الجليل، أحد الأئمة الأربعة، شيخ المحدّثين ﵀، وهو الإمام الذي امتُحن وصبر، امتُحن في العقيدة على يد المأمون والمعتصم والواثق من خلفاء بني العباس، لأن المأمون تأثّر بالمعتزلة، وأدخلوا عليه أشياء مستنكرة، منها: القول بخلق القرآن- والعياذ بالله-، ومنها: تعريب الكتب الرُّومية وكتب الأمم الكافرة، التي لما عُرِّبت دخل على عقائد المسلمين منها الشر الكثير، وهذا كله بسبب المعتزلة، لأنهم غرّروا بهذا الخليفة.
ففي هذا خطر الفِرق الضالة، وخطر مصاحبتها والقُرب منها، ولهذا كان السلف يُحذِّرون من مصاحبة المبتدعة ومن مجالستهم، لأنهم يُؤثِّرون على من صاحبهم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ .
فهؤلاء لما صاحبوا هذا الخليفة استمالوه معهم، فصار ضد أهل السنّة، ووقف الإمام أحمد في وجهه، وأبى أن يقول بخلق القرآن، حتى ضُرب وسُجن وعُذّب، ولكنه صبر ﵀ وصابر، وتعاقب عليه ثلاثة خلفاء، كلهم ضدّه: المأمون، والمعتصم، والواثق، ولكنه صبر ووقف بحزم وثبات، ولم يَخْضع لهم، وصبر على الضرب وعلى الحبس، وعلى الإهانة حتى نصره الله ﷿، وجاء المتوكِّل ورفع عنه المحنة، وناصره، وصارت العاقبة للمتقين- والحمد لله-، وأخزى الله المعتزلة ومن تابعهم.
فهذا الإمام يجب أن نعرف موقفه من أجل أن نقتدي به، وأن نعرف- أيضًا-
[ ١ / ١٤٠ ]
وله عن عُقبة بن عامر مرفوعًا: "من تَعَلّق تَمِيمَة؛ فلا أتم الله له، ومن تَعَلَّق وَدَعَة؛ فلا وَدَعَ الله له".
_________________
(١) موقفنا من الفِرق الضالة والفِرق المخالفة لأهل السنة والجماعة حتى لا نتساهل معها، ونعمل عمليّة تجميع، ونقول: نحن نجمِّع ولا نفرّق كما تقوله بعض الجماعات!. بل يجب أن نفرّق بين أهل الحق وأهل الباطل، نحن مع أهل الحق وإن قَلُّوا، ولسنا مع أهل الباطل وإن كثروا، هذا هو الموقف الصحيح. فالإمام أحمد وحده وقف في وجه أمة، ونصره الله عليهم، ولا بد أن الإنسان يناله أذى في مقابل موقفه وصبره وثباته، لكن ما دام على الحق لا يهمه ذلك، وهذا في موازينه وفي حسناته عند الله ﷾. فهذا الحديث: "رواه أحمد" في مسنده "بسند لا بأس به"، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الإمام الذهبي ﵀. قال: "وله" أي: للإمام أحمد ﵀ "من تعلق تميمة فلا أتم الله له" إلخ. قوله: "من تَعَلَّق" أي: من علّق هذا الشيء على جسمه، أو علّق قلبه به، واعتقد فيه أنه ينفعه أو يضره من دون الله ﷿. "تميمية" التَمِيمَة: خرزات تعلّق على الأولاد يتّقون بها العين، وكذلك ما شابهها من كل ما يُعلّق من الخرزات وغيرها من الحُرُوز والحُجُب، فهذا ليس بخاص بالخرز، وإنما هذا التفسير لبيان نوع من أنواع المعلّقات، ومنهم من يعلّق النعل على الباب، ويجعل وجه النعل مقابلًا للشخص الآتي، أو على السيارة، ويظنون أن هذه الأشياء تدفع عنهم شر الحسد، وكل هذا من أمور الجاهلية. وقوله: "فلا أتم الله له" هذا دعاء من النبي ﷺ بأن الله لا يتمّ له أموره، ويعكس مقصوده عليه؛ والرسول ﷺ مجاب الدعوة، فهذه الدعوة تتناول كل من علّق على نفسه أو على غيره شيئًا من الحُجُب والحُرُوز والتمائم يريد بها كفّ الشر عنه إلى يوم القيامة، إلاَّ أن يتوب إلى الله ﷿، فمن تاب تاب الله عليه، ومن لم يتب "فلا أتمّ الله له" يعني: لا أتم الله له أمره ومقصوده، بل أصابه بعكس ما يريد من الضرر والشر والخوف والقلق، ولهذا تجدون من يعلِّقون هذه الأشياء من أكثر الناس
[ ١ / ١٤١ ]
وفي رواية: "من تَعَلَّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك".
_________________
(١) خوفًا وهمًّا وحزنًا وضعفًا وخورًا، بعكس الموحّدين المعتمدين على الله، فتجدونهم أقوى الناس عزيمة وأقوى الناس عملًا، وتجدونهم لأن أيضًا- في أمن واستقرار وانشراح الصدور، لأنهم يؤمنون بالله ﷿ وحده، ويعلّقون آمالهم بالله ﷿، والله يكفيهم ﷾: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . وقوله: "ومن تعلق وَدْعَة؛ فلا وَدَع الله له" الوَدْع: شيء يُستخرج من البحر، يشبه الصّدف، يعلقونه على صدورهم أو على أعناقهم أو على دوابهم يتقون به العين. "فلا وَدَعَ الله له" أي: لا تركه في دَعَة وسُكُون وراحة، بل سلّط عليه الهموم والأحزان والوساوس والأعداء حتى يُصبح في قلق وهمّ وغمّ دائم، وهذا دعاء من الرسول ﷺ بأن يسلب الله راحته واستقراره وأمنه، ويصبح في خوف وهمّ وقلق دائم، يخاف من كل شيء، إلى أن يتوب إلى الله ﷾، وهذا ظاهر في كل من يتعاطون هذه الأشياء، تجدونهم من أشد الناس قلقًا وهمًّا وخوفًا وتوقُّعًا للمكروه في كل لحظة ومن كل شخص. قال: "وفي رواية" يعني: للإمام أحمد ﵀. "من تعلّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك" هذه فيها زيادة على دعاء الرسول ﷺ عليه بأنه قد أشرك، فهذا تصيبه مصيبتان: مصيبة دعوة الرسول ﷺ عليه، والمصيبة الثانية في عقيدته، وهي أنه قد أشرك بالله ﷿ باتخاذ هذا الشيء، وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، لان الباب: "باب من الشرك تعليق الحلْقة والخيط ونحوهما". فإن قلت: ما نوع هذا الشرك؟، هل هو الشرك الأكبر، نقول: فيه تفصيل إن كان يرى أنها تقيه من دون الله فهذا شرك أكبر. وإن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله ﷾ فهذا شرك أصغر لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سببًا.
[ ١ / ١٤٢ ]
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحُمّى، فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ .
_________________
(١) قوله: "ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاُ في يدّه خيط من الحُمّى" يعني: اتخذه أن يقيه من الحُمّى، والحُمّى: ارتفاع الحرارة في الجسم. فالرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحُمّى، فحذيفة بن اليمان ﵁ قطع هذا الخيط من هذا الرجل، فهذا فيه إزالة المنكر، كما أن النبي ﷺ لما رأى الحلْقة قال: "انزعها". قوله: "وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ "، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس " ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " قيل معناه أنهم لا يؤمنون بالربوبية إلاَّ وهم مشركون في الألوهية، لأن المشركين كلهم يقرُّون بالربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية، إما الشرك الأكبر وإما الشرك الأصغر، وربط الخيط حسب ما فصّلنا من أنه إذا كان يرى أن النفع والضرر بيد الله، وإنما الخيط سبب؛ فهذا شرك أصغر، لأن الله لم يجعل ربط الخيط سببًا من الأسباب الواقية. أما إذا كان يعتمد على هذا الخيط من دون الله في دفع الضرر؛ فهذا شرك أكبر. فدلّ على أن الشرك قد يقع ويكثر وقوعه حتى من أهل الإيمان، إن كان المراد الشرك الأصغر، فالشرك الأصغر قد يصدر من المؤمن، كما قد يصدر منه النفاق لا العملي، ويصدر منه الرياء. أما إذا كان القصد الاعتماد عليه فإنه يكون من الشرك الأكبر المنافي للإيمان، فالشرك الأصغر ينقّص الإيمان، وينقّص التّوحيد، أما الشرك الأكبر فإنه ينافي الإيمان وينافي التّوحيد. قال الشيخ ﵀ في مسائله فيه: "أن الصحابة يستدلُّون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر"، لأن حذيفة بن اليمان استدل بالآية النازلة في الشرّك الأكبر على الشرك الأصغر، هذا إذا فُسِّرت الآية بأن المراد بها أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية يقرّون بتوحيد الربوبية ويشركون في توحيد الألوهية، ولكن إقرارهم بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام، فيكون حذيفة ﵁ استدل بالآية النازلة على الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأنها تتناوله بعمومها، مثل ما استدل ابن عباس بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: "هو قول الرجل: ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت، لولا كُليبة هذا لأتانا اللصوص وما أشبه ذلك"، فسّرها بالشرك
[ ١ / ١٤٣ ]
الأصغر، لأن الآية شاملة للشرك الأكبر والشرك الأصغر، فهو استدل بها على بعض ما دلّت عليه، كذلك حذيفة استدل بهذه الآية على بعض ما دلت عليه، لأنها تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبعض المسلمين يؤمنون بالله في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولكن يصدر منهم بعض الشرك الأصغر الذي لا ينافي الإيمان، فدلّ على الحذر من الشرك، وأنه إذا كان هذا يحصل من بعض المؤمنين، فإن الإنسان لا يأمنه على نفسه، ويستعيذ بالله من الشرك الأكبر والأصغر ويقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم"، وفي الدعاء المشهور: "أعوذ بك من الشك والشرك والكفر والنفاق وسوء الأخلاق"، فالمسلم يخاف على نفسه، ويدعو الله ﷿ بالعافية من هذه الأمور، ولا يزكي نفسه، ولا يأمن على نفسه.
[ ١ / ١٤٤ ]