* باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك
_________________
(١) قولُه ﵀: "بابُ احترام أسماء الله" أي: إكرامُها وإجلالُها، وعدم إهانتها، أو استعمالها في شيء يُمْتهن. والأسماء: جمع اسم، والاسم: ما يوضَع علامةً على الشيء مميِّزًا له عن غيره، مأخوذ من السُّمُو وهو الارتفاع، أو من السِّمَة وهي العلامة. والله ﷾ له أسماء سمّى بها نفسَه في كتابه، وسمّاهُ بها رسوله ﷺ في سنّته، وله أسماء لا يعلمها إلاَّ هو ﷾، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾، وقال ﷾: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال تعالى في آخر سورة الحشر: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ والنّبي ﷺ في دعائه يقول: "اللهم إنّي أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك "، فأسماء الله لا يعلمها إلاّ هو ﷾، وكلّها حسنى. وتعدُّد الأسماء يدلّ على عظم المسمّى، فهي أسماءٌ عظيمة، يجب على العباد: احترامُها، وإجلالُها، ودُعاء الله تعالى بها، والتوسّل إليه تعالى بأسمائه وصفاته، فيقول في الدّعاء: "يا رحمن يا رحيم، يا حيّ يا قيّوم، يا ذا الجلال والإكرام"، لأنّ ذلك من أسباب الإجابة، فدلّ على عظمها. فلا يجوز أن تُمْتَهَن وأن تُبْتَذَل، أو توضَع في أشياء تُستعمَل وتُهان، كأن تُكتب على أشياء تُداس بالأقدام، أو تقع في الشّوارع والقاذورات، ومَن وجد شيئًا من ذلك وجب عليه رفعُه أو إتلافه، أو إزالة اسم الله تعالى منه، فهذا من احترام أسماء الله ﷾. وقوله: "وتغيير الاسم" أي: إذا سُمّي شيء من المخلوقات باسم من أسماء الله الخاصّة به، كـ (الله) أو (الرحمن) أو ما أشبه ذلك من أسمائه الخاصّة به التي لا يُسمّى بها غيرُه؛ فإنّه يجب تغيير الاسم احترامًا لأسماء الله.
[ ٢ / ١٨٣ ]
عن أبي شُريح: أنّه كان يُكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ: "إنّ الله هو الحَكم وإليه الحُكم".
_________________
(١) "من أجل ذلك" أي: من أجل احترام أسماء الله تعالى. أما الأسماء التي يُسمّى بها المخلوق ويسمّى بها الخالق مثل: الملِك، والعزيز، وأشباه ذلك؛ فهذه ليست من هذا الباب، فالله له أسماء تختصّ به، والمخلوق له أسماء تختصّ به، فالله سمّى نفسه: (الرؤوف، الرحيم)، وقال عن نبيّه بأنّه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وسمّى نفسه بالعليم، ووصف وسمّى عبده ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وسمّى نفسه بالحليم، وسمّى عبده: ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، فهذه أشياء مشتركة يجوز أن يسمّى بها المخلوق، ولكن يُعلم أنّها ليست كأسماء الله ﷾. ثم ذكر ﵀ الدليل فقال: "عن أبي شريح" اسمه- على الراجح-: هانئ بن يزيد الكِنْدي، صحابي، له رواية عن الرّسول ﷺ. "أنه كان يُكنى" الكنية: ما صُدِّر بأبٍ أو أُم، كأبي عبد الله، وأمّ هانئ، وما أشبه ذلك، والكنية تكون للتشريف والتكريم، أما اللَّقب فإنه يكون للمدح وللذّمّ، والغالب أنّه للذمّ، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ . "أبا الحَكَم" الحكم هو: الذي يُحكم بين النّاس ويُفصِل النِّزاع، ومنه سُمِّي الحاكم حاكمًا لأنّه يفصل بين النّاس، فالحكم- بالألف واللاَّم- لا يُطلق إلاّ على الله ﷾، أما أن يُقال: (حكم) بدون تعريف فلا بأس، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ . وقوله: "إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْم" بمعنى: أنّه هو الذي يحكُم بين عباده، في الدُّنيا يحكُم بينهم بوحيه الذي أنزله على رسوله ﷺ من الكتاب والسنّة: قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والرّدّ إلى الله هو: الرّدّ إلى كتابه، والردّ إلى الرّسولِ ﷺ هو: الرّد إليه في حياته وإلى سنّته بعد وفاته ﷺ، وكذلك هو الحَكَم في الآخرة الذي يحكُم بين النّاس فيما كانوا فيه يختلفون، ففي الآخِرة ليس هناك حاكم سواه ﷾، هو الذي يتولَّى الفصل بين عباده،
[ ٢ / ١٨٤ ]
فقال: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضيَ كِلا الفريقين. فقال: "ما أحسن هذا!، فما لك من الولد؟ " قلت: شُريح، ومسلم، وعبد الله، قال: "فمن أكبرُهم؟ "، قلت: شُريح، قال: "فأنتَ أبو شُريح " رواه أبو داود وغيره.
_________________
(١) ويحكم للمظلومين على الظَّلَمة، ويردّ المظالِم إلى المظلومين، فلا يُنهي النّزاع بين العالَم إلاّ الله سبحانه، أما الحكم الذي في الدّنيا يحكُم به الحُكّام من القُضاة؛ فهذا يُخطئ ويُصيب، والنّبي ﷺ يقول: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد"، أما إذا لم يجتهد أو اجتهد وهو ليس أهلًا للاجتهاد وحكم فإنه على كل حال مخطئ وآثم، لأنه ليس من حقّه أن يحكم وهو ليس أهلًا للاجتهاد، إلاَّ في مسألة الصُّلْحِ. والنّبي قال: "إنّ الله هو الحكَم، وإليه الحُكم " على سبيل الإنكار على أبي شريح. ثم إنّ ابا شريح أراد أن يبيِّن السبب للرّسول ﷺ، وأنّه لم يسمِّ نفسَه بذلك، وإنّما النّاس هم الذين سمّوه به، والسبب في هذا: أنّه إذا اختلف قومُه في شيء رجعوا إليه فحكم بينهم فرضيَ كلاَ الفريقين، بمعنى: أنّه يُصْلِح بينهم برضاهم، وليس في هذا ظلمٌ لأحد، وإنّما فيه إنهاء للنّزاع وقطع للخُصومة وإرضاء لكلا الطَّرَفين، وهذا عملُ خير، ولهذا قال النّبي ﷺ: "ما أحسن هذا"، والله جل وعلا يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقال النّبي ﷺ: "الصلح جائز بين المسلمين، إلاّ صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا". فالإصلاح بين النّاس أمرٌ مرغَّبٌ فيه، وعملٌ صالح، وصدقة من الإنسان على نفسه أن يعدِل بين النّاس ويسوِّي الخلافات بين النّاس، بعكس الذي يُثير النّزاع ويُحدث الفتنة بين النّاس، ويحرِّش بعضهم على بعض، فهذا مفسد- والعياذ بالله-، خلاف الذي إذا وجد النّاس مختلفين فإنّه يصلح بينهم ويقارِب بين وجهات نظرهم، ويُذهِب ما في نفوسهم من الكراهية بعضهم لبعض، فهذا مصلِح وله أجرٌ عند الله ﷾، ولهذا قال النّبيُّ ﷾: "ما أحسن هذا! "، تعجُّبًا وثناءً على عمل هذا الرّجل،
[ ٢ / ١٨٥ ]
وتشجيعًا له على ذلك، وإنما أنكر التكنّي بأبي الحكم، وأراد تغييره، حيث قال ﷺ: "فما لَك من الولد؟ "، ليجعل له بديلًا صالحًا.
قال أبو شريح: "قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله ".
قال النّبي ﷺ: "من أكبرُهم؟ ".
قال: شُريح.
فقال النّبي ﷺ: "أنت أبو شريح" بَدَّل "أبا الحَكَ م"، وكنّاه بأكبر أولاده، فدلّ على أنّ الكنية تكون بأكبر الأولاد.
فهذا الحديث يدلّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: فيه: احترامُ أسماء الله ﷾، وإجلالُها، وتغيير الاسم من أجل إجلالها، لأنّ النّبي ﷺ غيّر اسم (أبي الحَكَم) إلى (أبي شُريح) احترامًا لأسماء الله ﷾.
المسألة الثانية: في الحديث دليلٌ على تعليم الجاهل، فإنّ النّبي ﷺ علّم أبا شُريح، وبيّن له أنّ هذه الكُنْيَة خطأ.
المسألة الثالثة: في الحديث دليل على أنَّ مَن مَنع من شيء سيّء وله بديلٌ صالح فإنّه يأتي بالبديل، فإنّ النّبي ﷺ لَمّا مَنع من التكنِّي بـ (أبي الحكَم) جعل بديلًا له وهو (أبو شريح) .
وهذه قاعدة للمعلِّمين والدُّعاة أنَّهم إذا نهوا النّاس عن شيء محرّم وهناك ما يحلُّ محلَّه من الطيِّب الحلال؛ فإنُّهم يأتون به ويبيِّنونه للنّاس.
المسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على مشروعيّة الصلح بين النّاس فيما يختلفون فيه، وأنّ الصلح مبنيٌّ على التراضي ليس إلزاميًّا فإنَّ أبا شُريح قال: (فرضيَ كلاَ الفريقين،، فالمصلح لا يُلْزم وإنّما يَعْرِض الحلّ النافع، فإن قُبل فالحمد لله، وإلاَّ فإنّ المَرَاد إلى كتاب الله وسَنّة رسوله ﷺ لحسم النّزاع.
أمّا الذي يُلْزِم النّاس بغير حكم الله؛ فهذا طاغوت، كالذي يُلزم النّاس بحكم الأعراف القَبَليّة التي يتحاكم إليها بعض القبائل، فهذا من حكم الجاهلية.
المسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنّ الكنية تكون بأكبر الأولاد.
[ ٢ / ١٨٦ ]