* باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية.
_________________
(١) قوله ﵀: "بابٌ" هذا- كما سبق وتكرّر- أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ. "من الشرك" أي: من أنواع الشرك، والمراد: الشرك الأصغر. "إرادة الإنسان بعمله الدنيا" ومعناه: أن يعمل العمل الذي شرع للآخرة وهو لا يريد به إلاَّ طمع الدنيا، كأن يجاهد من أجل المغنم، أو يتعلم من أجل الرئاسة والوظيفة، أو يحج أو يعتمر من أجل أخذ المال، وهكذا. والفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الباب الذي قبله في الرياء وهذا في إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وهما يجتمعان في العمل لغير وجه الله، وفي أنهما شرك خفي، لأن الإرادة والقصد من أعمال القلوب، فهما يجتمعان في هذا، لكن يفترقان في أن الرياء يراد به الجاه والشهرة، وأما طلب الدنيا فيراد به الطمع والعرض العاجل، قالوا: والذي يعمل من أجل الطمع والعرض العاجل أعقل من الذي يعمل للرياء، لأن الذي يعمل للرياء لا يحصل له شيء، وأما الذي يعمل من أجل الدنيا فقد يحصل له طمع في الدنيا ومنفعة في الدنيا، ولكن كلاهما خاسر عند الله ﷾، حيث أن كلًا منهما أشرك في نيته وقصده، فهما يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه. قوله: "وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: من كان يقصد بعمل الآخرة عرض الدنيا. " ﴿وَزِينَتَهَا﴾ " زينة الدنيا وهي المال والولد، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ هذا جواب الشرط، أي: نعطه من الدّنيا ما أراد وما
[ ٢ / ٩٩ ]
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة؛ إنْ أُعطيَ رضي، وإن لم يُعْط سخِط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتَقش.
_________________
(١) قصد إذا شئنا ذلك، استدراجًا له، ومعاملةً له بما قصد، كما في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ . ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾: لا يُنقصون. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ بيان لعاقبتهم، حيث ذكر أنهم يُعطون في الدنيا ما أرادوا وما طلبوا، وأما في الآخرة فإنهم يُحْرَمون من الثواب، لأنهم لم يريدوا الآخرة، والآخرة إنما تحصُل لمن أرادها: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ . ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ أي: في الآخرة ما صنعوه في الدنيا. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البُطلان يكون في الدنيا، والحُبوط يكون في الآخرة، في الدنيا أعمالهم باطلة لأنها بدون قصدٍ خالصٍ لوجه الله، فإذا جاءت الآخرة حبطتْ أعمالهم. والحَبَط في اللغة: انتفاخ الشيء، ومنه: انتفاخ البعير، إذا أكل من أول الربيع فإنه ينتفخ ويموت. قال: "وفي الصحيح" أي: في "صحيح البخاري" في باب الجهاد. "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعِس" يعني: هلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ يعني: هلاكًا، فالتعس: الهلاك. "عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" الدينار هو: النَّقْد المضروب من الذهب، والدرهم هو: النقد المضروب من الفضة. "عبد الخميصة" الخميصة: كساءُ يُلبس، لونه أسود وفيه خطوط حُمُر. "عبد الخميلة" الخميلة: القطيفة، سُمِّيت خميلة لأنها ذات خُمُل يعني: ذات أهداب، سمّاهم عبيدًا لهذه الأشياء لأنهم يعملون لها، فصاروا عبيدًا لها، أما الذي يعمل من أجل وجه الله فهو عبدٌ لله ﷾.
[ ٢ / ١٠٠ ]
ثم ذكر علامتهم، فقال: "إنْ أُعطيَ رضي، وإن لم يُعط سخط" هذه علامة الذي يعمل من أجل الدنيا، أنه إنْ أُعطيَ منها رضي وإن لم يعط منها لم يرض، كما قال الله ﷾ في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ .
أما المؤمن فإنه إنْ أُعطي شكر، وإن لم يعطَ فإنه يصبر ولا يسخط، لأنه يعمل لله لا يعمل من أجل الدنيا، وبعضهم يحب أن يُعطى من الدنيا شيئًا، فقد كان بعض الصّحابة لا يرضى أن يُعطى من الدنيا شيئًا، ولا يطلب شيئًا، لأنه يريد الدار الآخرة، من باب حفظ أعمالهم ورجاء ثوابها في الدار الآخرة، فلا يحبون أن يتعجّلوا من حسناتهم شيئًا، ولكن من أُعطي من غير تشوُّف، ومن غير طمع، ومن غير طلب، فإنه يأخذ، كما في الحديث: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرِفٍ له فخذه، وما لا فلا تُتْبِعْهُ نفسك".
فالمؤمن سِيَّان عنده؛ يعطى من الدنيا أو لا يعطى، ولا ينقص ذلك من عمله لله شيئًا، لأنه يحب الله ورسوله، ولهذا كان النبي ﷺ يعطي بعض النّاس وهو يبغضهم من أجل تأليفهم، والخوف عليهم من النفاق والرِّدة، ويمنع ناسًا هم أحب النّاس إليه ويَكِلُهم إلى إيمانهم، لأنه واثقٌ من إيمانهم وعقيدتهم، وأنهم لا يتأثّرون إذا لم يُعطوا، وهذه علامة المؤمن: أنه باقٍ على إيمانه ويقينه أعطيَ من الدنيا أو لم يعط، أما صاحب الدنيا فهذا إنْ أُعطي منها رضي وإن لم يعط منها سخط، فهو يرضى لها ويغضب لها.
وهذا هو الشاهد من الحديث: أنه سمّاه عبدًا لهذه الأشياء مع أنه مسلم مؤمن، ولكن لَمّا كان يعمل ويريد هذه الأشياء صار عبدًا لها، وهذه عبودية شرك، لكنه شركٌ أصغر لا يُخرِجه من الإيمان، ولكنه ينقِّص توحيده وينقِّص إيمانه.
ثم أعاد الدعاء عليه مرّة ثانية فقال: "تعس وانْتَكَس" يعني: كلما تماثل للشفاء عاد إليه المرض وعاد عليه الهلاك.
"وإذا شيك فلا انتَقش" أي: أنه يصاب بالعجز حتى إذا ضربته الشوكة في رجله أو في يده لا يستطيع أخذها من العجز الذي أصابه، عقوبةً له في أنه إنما يعمل من أجل الدنيا.
[ ٢ / ١٠١ ]
طوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إنِ استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفَّع".
_________________
(١) ثم بيّن الفرق بين الذي يعمل للآخرة والذي يعمل للدنيا فقال ﷺ: "طوبى" قيل: إنها شجرة في الجنة ظلها مسيرة مائة عام منها ثياب أهل الجنة، وقيل: إنها الجنة نفسها، فالجنة يقال لها طوبى، فطوبى من أسماء الجنة أو شجرة فيها. وهذا دعاء من الرسول ﷺ لهذا الشخص بأن يكون من أهل الجنة. "لعبد آخذٍ بعِنان فرسه" العِنان: اللِّجام. "في سبيل لله" يعني: للجهاد في سبيل الله، دائمًا مُعِدٌّ نفسه ومُعِدٌّ فرسه للجهاد في سبيل الله، يترقّب الغزوات والسرايا، ويحب الجهاد في سبيل الله، ولا يحب الراحة والرفاهية، وإنما يحب الجهاد في سبيل الله، فهذا على أجر وإن لم يجاهد، لأن له ما نوى، ما دام أنه حبس نفسه وفرسه وأعدّ نفسه، فإنه في سبيل الله وإن لم يجاهد، لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيّات". "أشعث رأسه، مغبرة قدماه" هذه الصفة الأولى لهذا العبد المجاهد لم يتفرغ للرفاهية ويعتني بنفسه عليه آثار الجهاد في سبيل الله من الشعث والغبار. "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة" هذه صفة ثانية، أي: أنه لا يبالي بنوع العمل الذي يشتغل فيه، بل يطيع وليّ الأمر وقائد الجيش، سواءٌ أمره أن يكون في الحراسة أو أمره أن يكون في الساقة- يعني: في آخر الجيش-، لا يقول: أكون مع أول النّاس، بل يمتثل الأوامر، ويطيع وليّ أمر المسلمين في الجهاد، ولا ينظر إلى مكانه هل هو مكان مشقة أو مكان راحة، هل هو مكان بروز، أو مكان خُمول، لأنه يجاهد لأجل الله ﷾. "والحراسة": حماية الجيش من أن يهجم عليهم العدو، سواء بالليل أو في النهار يتطلّع إلى العدو، ويكون حارسًا للجيش أن يُهجم عليه من الجهة المَخُوفة. " "والساقة" آخر الجيش من أجل أن يتفقّد العاجز ويتفقّد من يحتاج إلى إعانة من المجاهدين، لأنه لا يريد لنفسه العز في الدنيا والظهور والبُروز أمام النّاس، ولا يريد لها الراحة والرفاهية، وإنما يريد الجهاد في سبيل الله على أيِّ سبيلٍ كان،
[ ٢ / ١٠٢ ]
لا يهمُّه في أيِّ موقع وقع ما دام أنّ هذا في الجهاد في سبيل الله وفي صالح المسلمين وفي طاعة وليّ الأمر.
وقوله: "إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" أي: هو- أيضًا- غير معروف عند النّاس، لأنه لا يحب الظهور أمام النّاس، ولا يحب البُروز، لا يحب المدح، بل يحرص على الاختفاء، لأنه يعمل لله، ولكونه غير معروف إنِ استأذن للدخول على وُلاة الأمور، أو على السلاطين، أو على أصحاب الجاه، لم يُؤذن له، لأنه غير معروف، والنّاس إنما يأذنون للإنسان المعروف الذي له جاه وله مكانة. وهذا لا يضره عند الله سبحانه لأنه معروف عند الله ﷿ لأن الله يعلمه وبعلم مكانه.
"وإن شفع لم يشفع" إن توسط في قضاء حاجة أحد لم تقبل وساطته، وفي الحديث: "رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه "، فهو إنسان ما له هيئة عند النّاس، منظره ليس منظر صاحب هيئة، ومخبره أيضًا غير معروف عند النّاس، لكنه عند الله عزيز لأنه يعمل فيما بينه وبين الله بإخلاص، فلو أقسم على الله - يعني: لو حلف على الله- أن يُعطيه كذا وكذا لأبرّه- يعني: لأعطاه ما طلب مع أنه مدفوع بالأبواب عند النّاس.
هذه صفات هذا المؤمن، وهي باختصار:
أولًا: أنه مُعِدٌّ نفسه للجهاد، والجهاد دائمًا يرغب فيه.
ثانيًا: أنه لا يتفرغ لإصلاح هيئته من إصلاح شعره ودهنه وتجميل هيئته لأنه مشغول بالجهاد.
وثالثًا: أنه لا يبالي بالعمل الذي يتولاّه في الجهاد سواءً كان شاقًّا أو غير شاق، سواءً كان بارزًا أو غير بارز، لأنه يعمل لله، ولا يعمل من أجل الظهور، ومن أجل مراءاة النّاس.
رابعًا: أنه غير معروف عند النّاس وعند أصحاب الجاه، إنِ استأذن لم يُؤذن له في الدخول، وإن شفع لم يشفَّع، أي: إن توسَّط لأحد لم تُقبل وساطته، لأنه غير معروف.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فهذا فيه: فضل عدمُ الظهور، وفضل الاختفاء بالأعمال الصالحة.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض أجوبته لَمّا سُئل عن هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، أنها تشمل أنواعًا:
النوع الأول: المشرك والكافر الذي يعمل أعمالًا صالحة في هذه الدنيا من إطعام الطعام وإكرام الجار وبرِّ الوالدين والصدقات والتبرُّعات ووجوه الإحسان، ولا يُؤْجَر عليها في الآخرة لأنها لم تُبْنَ على التوحيد، فهو داخلٌ في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾، فالكافر إذا عمل حسنات فإنه قد يجازى بها في الدنيا، وأما الآخرة فليس له جزاء عليها عند الله لأنها لم تُبْنَ على التوحيد والإخلاص لله ﷿.
النوع الثاني: المؤمن الذي يعمل أعمالًا من أعمال الآخرة، لكنه لا يريد بها وجه الله، وإنما يريد بها طمع الدنيا، كالذي يحج ويعتمر، عن غيره، يريد أخذ العِوَض والمال، وكالذي يتعلّم ويطلب العلم الشرعي من أجل أن يحصل على وظيفة. فهذا عمله باطلٌ في الدنيا، وحابطٌ في الآخرة، وهو شركٌ أصغر.
النوع الثالث: مؤمن عمل العمل الصالح مخلصًا لله ﷿ لا يريد به مالًا أو متاعًا من متاع الدنيا ولا وظيفة، لكن يريد أن يجازيه الله به، بأن يشفيه الله من المرض، ويدفع عنه العين، ويدفع عنه الأعداء. فإذا كان هذا قصده فهذا قصد سيِّء، ويكون عمله هذا داخلًا في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ . والمفروض في المسلم: أن يرجو ثواب الآخرة، يرجو أعلى ممّا في الدنيا، وتكون همّته عالية. وإذا أراد الآخرة أعانه الله على أمور الدنيا، ويسّرها له: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
النوع الرابع: من يعمل أعمالًا صالحة ثم يفسدها بالشرك، كأن يدعو غير الله من الموتى وأصحاب الأضرحة، كما عليه كثير من المنتسبين للإسلام اليوم.
فيُستفاد من هاتين الآيتين ومن هذا الحديث الشريف فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: التحذير من إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وأنّ ذلك من الشرك
[ ٢ / ١٠٤ ]
في النيّات، وهو: الشرك الخفي، وهذا هو الذي عقد الشيخ ﵀ هذا الباب من أجله.
الفائدة الثانية: يؤخذ من الآيتين: أن إعطاء الله الدنيا لبعض الناس ليس دليلًا على ﵃، ولهذا قال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾، فهذا دليل على أن هذا العطاء عن غير رضى، وأنّ منع الدنيا عن العبد المؤمن ليس دليلًا على عدم ﵁، فالدنيا ليست مقياسًا لرضى الله وغضبه وجودًا وعدمًا.
الفائدة الثالثة: يؤخذ من الآيتين الكريمتين: أن العبرة ليستْ في صورة العمل، وإنما العبرة في نية العامل، فإنْ كانت نيّة العامل خالصة لله ﷿ فهذا العمل عملٌ صالح، وإن كانت نية العامل غير خالصة لوجه الله ﷿ فهذا عملٌ فاسد وإن كانت صورته صورة عمل صالح، فلا تنظر إلى كثرة الإنفاق والتبرُّعات والمشاريع، فربما يكون من يتصدّق بشيء قليل مع نيّة صالحة ينال به أجرًا عظيمًا، كما قال ﷺ: "اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبة"، فالعمل القليل مع الإخلاص يكون كثيرًا، وربما يكون العمل كثيرًا لكن فائدته قليلة أو ليس فيه فائدة أصلًا نظرًا لنيّة عامله، ولهذا يقول ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، فمحل نظر الله ﷾ إلى القلوب والأعمال؛ أعمال القلوب من المقاصد والنيّات، وأعمال الجوارح أيضًا، فالعبرة ليست بصورة العمل وإنما هي بنية العامل.
الفائدة الرابعة: في الحديث دليل على الفرق بين العبد الذي يعمل لوجه الله والعبد الذي يعمل لأجل الدنيا، لأنه ذكر عبدين: واحدًا يعمل لأجل الدنيا وواحدًا يعمل لأجل الآخرة، فالذي يعمل لأجل الدنيا إن أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ لم يرضَ، هذه علامته، بخلاف المؤمن فإنه لا يؤثِّر عليه العطاء وعدم العطاء للإيمان الذي في قلبه، فالحديث فيه: الفرق بين من يعمل من أجل الله ومن يعمل لأجل الدنيا.
الفائدة الخامسة: أن النبي ﷺ سمّى العبد الذي يعمل من أجل مطامع الدنيا
[ ٢ / ١٠٥ ]
عبدًا لها، وهذا يقتضي الشرك، ولكنه في حق المؤمن يكون شركًا أصغر ينقِّص توحيده ويبطل أعماله التي خالطها هذا القصد السيء.
الفائدة السادسة: في الحديث: بيان علامات الذي يعمل من أجل الآخرة، وهي كما يلي:
أولًا: أنه مُعِدٌّ نفسه للجهاد دائمًا وأبدًا، ينتظر الجهاد، ويرغب فيه "آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله" في أيّة ساعة تدعو الحاجة فإنه يبادِر بالجهاد في سبيل الله.
ثانيًا: أنه لا يتفرّغ للعناية بنفسه والرفاهية بحيث يرجِّل شعره ويدهن شعره، بل هو أشعث: "مغبرة قدماه"، فالغبار عنده مرغوب لأنه في سبيل الله، وهذا يدل على أن هذا العبد ليس مُتْرَفًا في هذه الدنيا.
الصفة الثالثة: أنه لا يبالي بنوع العمل الذي يؤذِّيه في الجهاد سواء كان شاقًّا أو سهلًا، سواءً كان فيه ظهور أمام الناس أو ليس فيه ظهور أمام الناس، "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة" يعني: يعمل حيثُ وُضع، لا يتبرّم ولا يتكرّه لذلك ولا يقول للقائد: أنت تهينني، وأنت، وأنت، لأنه لا يعمل من أجل القائد، ولا من أجل الناس، وإنما يعمل من أجل الله ﷾.
الصفة الرابعة: أنه غير معروف عند الناس، لأنه يخفي نفسه، ولا يريد الظهور، وإنما يريد إخفاء نفسه وإخفاء عمله. وليس معناه: أنه يَنْزَوي ويقعُد في داره في زاوية من الزوايا، بل هو يشتغل ويعمل، ولكنه لا يحب أن يظهر عمله، ولا أن تظهر شجاعته، ولا أن يظهر إقدامه، ولا أن يُعرف جهاده، ولا يرغب هذا، لأنه يعمل من أجل الآخرة، لا يريد مَحْمَدة عند الناس أو مدحًا عند الناس، وإنما يريد ثواب الله ﷾ بحيث إنه إذا استأذن في الدخول على العظماء لا يُؤذن له لأنه غير معروف، والناس عادة لا يأذنون في الدخول إلاّ لمن كان معروفًا عندهم، وإن شفع لأحدٍ لا تُقبل شفاعته، لأن الناس لا يشفِّعون إلا أصحاب الجاه، وهذا ليس له جاه، لكن هذا لا يضرُّه عند الله ﷾.
هذه صفات الذي يعمل من أجل الآخرة، ويعمل لوجه الله ﷾.
[ ٢ / ١٠٦ ]