* باب ما جاء في اللّو
_________________
(١) وله: "باب ما جاء في اللّو" لو: حرفٌ، يسمِّيه النُّحاة حرف امتناع لامتناع، تقول- مثلًا-: لو جاء زيدٌ لأكرمتُك، لو أطعتني لأكرمتُك، فامتنع الإكرام لامتناع المجيء أو امتناع الطّاعة. أما دُخول (ألـ) عليه فليس هو للتعريف، لأنّ الحرف لا يعرَّف، وإنّما التعريف من خواصّ الأسماء، فـ (ألـ) هنا زائدة، فقولُه: "باب ما جاء في اللو" يعني: من النّهي عن ذلك، وذلك: لأنّ الإيمان بالقدَر هو أحد أركان الإيمان الستة، قال ﷺ: "الإيمان: أنّ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيرِه وشرِّه"، فقوله: "تؤمن بالقدَر خيرِه وشرِّه"، دليلٌ على أنّ الإيمان بالقدَر من أركان الإيمان الستّة. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، كلُّ شيءٍ فإنّ الله خلقه بقدَر، مقدَّرٌ خلقُه ومقدَّرٌ إيجادُه، ومقدَّرٌ كلُّ تفاصيلِه، لا يوجد في هذا الكون شيء إلاّ وهو مقدَّر من خير أو شر، من ضرر أو نفع، من صلاح أو فساد، من كفر أو إيمان، كلُّه مقدّر من الله ﷾. وفي الحديث الصحيح: "إن الله كتب مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: أنّها مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها الله ﷿، وقبل أن تحدُث في وقتها، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ إذن الله الكوني القدري، يعني: بقدره ومشيئته ﷾، فكل شيء مقدّر من الله ﷾. فالإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستّة، وهو داخل في التّوحيد، وعدم الإيمان بالقدر يتنافى مع التّوحيد ويتنافى مع الإيمان، فمن كفر بالقدر فإنّه كافرٌ بالله ﷿ ولا توحيد له ولا دين له، لأنّه جحد القدر، وهذا سيأتي له بابٌ خاصٌّ سيعقده المصنِّف فيما بعد.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ .
_________________
(١) هذا وجه إيراد المصنف لهذا الباب في "كتاب التّوحيد"، أن جحود القدر ينافي التّوحيد، لأنه كفر بالله ﷾. وكلمة "لو إذا جاء بها الإنسان في سياق الجزع والسخط على ما يحصل له، فإن هذا نقص في التّوحيد، وجزع من القدر، لأن الواجب على المسلم: أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يجزع ولا يسخط، وأن يعلم أنه لابد أن يحصل له ذلك شاء أم أبى جزع أم لم يجزع، لابد أن يحصل ما قدره الله ﷾. قال: "وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ " ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني: المنافقين. وهذه الآية جاءت في سياق غزوة أحد في سورة آل عمران، وما حصل على المسلمين فيها من المصيبة التي حلت بهم من استشهاد كثير منهم وانتصار عدوهم عليهم بسبب أنهم خالفوا أمر الرسول ﷺ في تنظيم العسكر، فالرسول ﷺ نظم العسكر قبل القتال، وجعل جماعة من الرماة على جبل يحمون ظهور المسلمين، وقال لهم: "لا تتركوا الجبل سواءً انتصرنا أو هزمنا"، ثم بدأت المعركة فصار المسلمون يقاتلون الكفار وظهورهم محمية، فاندفعوا على الكفار وقتلوا منهم وفتكوا بهم، فكان النصر للمسلمين. ولما شرعوا في جمع الغنائم رءاهم الذين على الجبل فقالوا: ننزل نشارك في الغنائم، فنهاهم قائدهم عبد الله بن جبير وذكرهم بقول الرسول ﷺ: "لا تتركوا الجبل سواء انتصرنا أو هزمنا"، فأبوا ونزلوا. فلما نزلوا جاء الكفار من خلف المسلمين مع الجبل وانقضوا على المسلمين، وما شعر المسلمون إلاّ وهم بين الكفار من هنا وهنا، فدارت المعركة من جديد، وصارت على المسلمين المصيبة بسبب معصيتهم للرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ يعني: تقتُلونهم، ﴿بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾، يعني: الرُّماة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ من النّصر ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.
_________________
(١) لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا تطمينٌ للمسلمين، بعد العتاب طمأنهم بأنّهم قد عفي عنهم لِمَا لهم من السّوابق والفضل، لكن هذه عقوبة على المعصية، ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله ﷾: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ كان المسلمون في حالة الخوف الشديد، وقد أنزل الله عليهم النّوم، لأنّ النّوم أمان، فصار النوم فارقًا بين المؤمنين وبين المنافقين، المؤمنون أصابهم النوم وهذا أمانٌ من الله ﷾، والمنافقون ما ذاقوا غَمْضًا من الفزع ومن الخوف والجُبُن. ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ هذا هو السّبب، المؤمن يظنّ بالله ظنّ الحقّ وأنّه قادمٌ على ربّه، وما عند الله خيرٌ له وأبقى، فهو يظنّ بربّه ظنّ الحق يحسِن الظنّ بالله ﷿، فلذلك لا يخاف من الموت، لأنّه يؤمن بالله ﷿، ويحسن الظنّ بالله وأنّه قادمٌ على ربٍّ كريم ووعدٍ من الله ﷾، فهو مطمئنّ، وأما المنافقون فإنهم يظنون بالله ظن السوء. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ هذا هو محلّ الشّاهد: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، أرجعوا سبب القتل إلى أنهم ليس لهم تدبير، ولو كان لهم تدبير ما قُتلوا. فردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ فالبقاء في البيوت لا يمنع من الموت، فالذي مكتوبٌ عليه الموت في أيّ مكان سيخرجُ ويذهب إلى مكانه الذي مكتوبٌ أنه يقتل أو يموت فيه. فهذا هو محل الشاهد: "لو"، لأنه قال هذه الكلمة من باب الجزع والتسخُّط لقضاء الله وقدره وعدم الرضى بقضاء الله وقدره. وإذا قيلت "لو" في مثل هذا الحال فإنَّها لا تجوز. قال: "وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ " هذه قالها عبد الله بن أُبيّ -رأس المنافقين-. ﴿قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ يعني: من المؤمنين الذين خرجوا وقُتلوا في أُحد، وكيف
[ ٢ / ٢٣١ ]
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعِن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قُل: قدّر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان".
_________________
(١) سمّاهم إخوانهم؟، هل يكون المؤمن أخًا للمنافق؟، هذا حسَب الظّاهر، لأنّ المنافق في الظّاهر مؤمن، فهي أُخوّة بحسَب الظّاهر، لأنّ المنافق يعامَل معاملة المؤمن في الظّاهر، وتوكَل سريرَته إلى الله ﷾، فهو سمّاهم إخوانهم بحسب ما أظهروا من الإيمان. وقيل: إخوانهم في النّسب؛ لأنّ عبد الله بن أُبيّ من قبيلة الأنصار ومن أهل المدينة فهم إخوانهم في النّسب، والله أعلم. وقد ردّ الله عليه بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إذا كنتم تزعمون أنكم تمنعون الموت من هؤلاء فامنعوه عن أنفسكم. ﴿قُلْ فَادْرَأُوا﴾ أي: امنعوا، ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ من أنهم لو كانوا عندكم ما ماتوا وما قتلوا. الشّاهد في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾، هذا فيه استعمال ﴿لَوْ﴾ في مقام الجزع والتسخُّط وعدم الإيمان بالقدر، فالموت الذي حصل عليهم- بزعمه- ليس هو بقضاء الله وقدره وإنّما هو بسبب الخُروج، وأنّ البقاء في المدينة سببٌ للسلامة، ولا يرجِع هذا إلى القضاء والقدر، والسلامة والقتل كلاهما راجع إلى القضاء والقدر سواء بقوا في المدينة أو خرجوا إلى أُحد، فمن كتب الله أنّه يموت فإنّه سيموت في المدينة أو في أُحد، ومن كتب الله أنّه يبقى فسيبقى سواءً في المعركة أو في المدينة، فالأمر راجع إلى قضاء الله وقدره. قال: "وفي الصحيح" يعني: في "صحيح مسلم". قوله: "المؤمن القويّ" المراد بالقويّ هنا: قوّة الإيمان أي: القويّ في إيمانه، وكذلك القويّ في بدنه ورأيِه وتدبيرِه، فالقوّة تشمل قوّة الإيمان، وهذا هو الأصل والأساس، وقوّة الرأي والتدبير، وقوّة البدن أيضًا، لأنّه ينفع بقوّته، ينفع نفسَه وينفع غيرَه، فنفعُهُ يكون متعدِّيًا، فهو "خيرٌ" أفعل تفضيل، يعني: أكثرُ خيرًا.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
"وأحبُّ إلى الله" هذا فيه: إثبات المحبّة لله ﷿، وأنّه يحبّ المؤمن القويّ. والمحبّة من صفات الله ﷾.
"من المؤمن الضّعيف" الضعيف في إيمانه، وكذلك الضعيف في إرادتِه وتدبيرِه وبدنه، لأنّ نفعَه يكون قليلًا لنفسه ولغيره.
قال: "وفي كلٍّ خير" المؤمن كلُّه خير، المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف، كلّهم فيه خير، لكن المؤمن القويّ خيرهُ متعدٍّ إلى غيره، والمؤمن الضعيف خيرهُ قاصرٌ على نفسه لا يتعدّاه.
وقوله: "احرص" بكسر الرّاء، ويجوز الفتح، والحرص معناه: المبالَغة في طلب الشيء.
ومعنى قوله: "احرص على ما ينفعك" يعني: بالغ في طلبهِ، وابذل الوُسع في تحصيلِه، فإنّ النفع مطلوب.
وفي ضمن ذلك النّهي عن الحرص على الشيء الذي لا ينفع.
ثم قال: "واستعن بالله" يعني: لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله ﷾، لأنّه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلْت من الأسباب فإنّها لا تنفع إلاّ بإذن الله ﷾، فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله ﷿.
ثم قال: "ولا تعجَزن" بفتح الزاي، ويجوز الكسر، والنون: نون التوكيد الثّقيلة. هذا نهي، نهيٌ عن العجز.
والعجز معناه: الكسل والإهمال، وليس العجز الجسمي، فالإنسان إذا عجز عجزًا جسميًّا لا يؤاخَذ لأنّه لشيء باختيارِه، لكن المراد: عجز الكسل وعجز الإهمال وإيثار الرّاحة هذا هو المنهيّ عنه، لأنّه يفوِّت على المسلم خيرًا كثيرًا، ولهذا: كان النّبي ﷺ يستعيذ بالله من العجز والكسل ومن الجُبُن والبُخل ومن غلبة الدَّيْن وقهر الرجال.
ثم قال ﷺ: "وإنْ أصابك شيءٌ" يعني: ممّا تكره، بعدما تحرص على ما ينفعك وتستعين بالله وتترُك العجز، بعدما تعمل هذه الأسباب إذا أصابك شيء عكس ما تُريد وعكس ما تطلُب فلا تجزع واعلم أنّ هذا بقضاء الله وقدره، وأنّ الله لو قدّر
[ ٢ / ٢٣٣ ]
لك شيئًا لحصل ولكنّه لم يقدِّر لك، ولا تدري ما الخيرة فيه، لعلّ الله حبسه عنك لخير أرادَه بك، ربّما أن الإنسان يحرص على شيء لو حصل له لأهلَكه، فالله يمنعه عنه رحمةً به: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
"فلا تقل: لو أنّي فعلتُ كذا لكان كذا وكذا" لا ترجع هذا إلى تقصيرِك، ولكن أرجِعه إلى قضاء الله وقدرِه.
"ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل" يعني: أرجِع هذا إلى قضاء الله وقدره، فالذي منعه عنك ليس هو فعلُك أو تركك، وإنّما الذي منعه عنك هو الله ﷾، ولا تدري لعلّ الله أراد بك خيرًا وصرف عنك شرًّا، فارْض بقضاء الله وقدره.
هذا هو شأن المؤمن الذي يؤمن بالقضاء والقدر، أما المنافق وضعيف الإيمان فإنّه إذا أصابَه شيء يكرهُه جزع وتسخّط وقال: هذا بسبب فلان أو هذا بسبب أنّي ما علمت كذا أو كذا. هذا جُحودٌ للقدر، أو عدم إيمان بالقدر، أو ضعف إيمان بالقدر، وما هكذا المؤمن.
فقول: "قدر الله وما شاء فعل" يحلّ عن المسلم مشاكل كثيرة.
ثم قال ﷺ: "فإنّ لو" أي: قول: "لو".
"تفتح عمل الشيطان" إذا أرجعتَ هذا إلى غير القضاء والقدر دخل الشيطان، وصار يوسوس لك ويلقي عليك الأوهام ويُلقي عليك القلق النفسي، وتُصبح في همٍّ وغم وحزن، أما إذا أغلقتَ هذا الباب وقلتَ: "قضاءُ الله وقدرُه"، أو "قدَّر الله وما شاء فعل" فإنّك تُغلق باب الشيطان.
فـ "لو" مفتاح لباب الشيطان، و"قدّر الله وما شاء فعل" إغلاق لباب الشيطان، تستريح من شرِّه ومن هُمومه وأحزانِه ووساوسه.
يبقى إشكالٌ وهو: أنّ الرسول ﷺ قال لأصحابهِ في حجّة الوداع: "لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرت لَمَا سُقت الهدي ولأحللتُ معكم وجعلتها عمرة" أليس في هذا استعمال "لو" في شيء تبيّن للرّسول ﷺ أنّه فاته وهو فضيلة التمتُّع بالعْمرة إلى الحج؟، ألاَ يتعارض مع قوله: "وإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا وكذا"؟.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الجواب: لا تعارض، لأنّ "لو أني فعلتُ كذا وكذا لكان كذا وكذا" هذا من باب الجزع على شيءٍ حصل وانتهى، أما "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت" فهو إخبارٌ عن المستقبَل لا عن الماضي، وأنّ الرّسول ﷺ لو تبيّن له فضل العُمرة والتّمتّع بها إلى الحج لتمتّع ﷺ ولَمَا ساق الهدي، فهو إخبارٌ عمّا يفعله في المستقبَل.
فهذا هو الجمع بين الأحاديث؛ فالرّسول ﷺ يُخبر عن مستقبَل، وأيضًا هو يتمنّى عمل طاعة وعمل قُربة إلى الله ﷾، وليس يتجزّع على شيء فات أو شيء مضى، فلا تعارُض بين هذا وهذا.
وفي الباب مسائل:
المسألة الأولى: وُجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وأنّه الركن السّادس من أركان الإيمان، وهو من علامات التّوحيد. وعدم الإيمان بالقضاء والقدر يتنافى مع التّوحيد وهو من علامات النفاق.
المسألة الثانية: يُستفاد من الآيتين والحديث: وُجوب ترك "لو" عند نُزول المصائب والمكروهات، لا يقول: "لو أنّي فعلتُ كذا وكذا ما حصلت هذه المصائب"، بل يقول: هذه المصائب مقدَّرةٌ من الله ﷾، فيرضى بقضاء الله وقدره.
المسألة الثالثة: فيه الحثّ على فعل الأسباب، لقوله ﷺ: "احرص على ما ينفعُك".
المسألة الرابعة: فيه النّهي عن الاعتماد على الأسباب ووُجوب الاستعانة بالله تعالى: "واستعن بالله".
المسألة الخامسة: فيه النّهي عن الإهمال والكسل وتعطيل الأسباب.
المسألة السادسة: فيه علة النّهي عن قول "لو" وهو لأنّها تفتح عمل الشّيطان، وأمّا الاستعانة بالله والحرص على ما ينفع وترك التلوُّم بقول "لو" فإنّ هذا يُغلق باب الشّيطان عن الإنسان.
المسألة السابعة: فيه فضل المؤمن عمومًا، وأن المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف.
المسألة الثامنة: فيه إثبات محبة الله للمؤمنين وأنها تتفاضل بحسب قوتهم وضعفهم في الإيمان وغيره.
[ ٢ / ٢٣٥ ]