* باب ما جاء في قول الله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
_________________
(١) هذا الباب ختم به المؤلِّف ﵀ أبواب "كتاب التّوحيد"، لأنه يشتمل على الأسماء والصّفات، لأنّ "كتاب التّوحيد" كلُّه يدور على توحيد الأُلوهيّة، ومكملاته ومنقصاته ومناقضاته، وفي هذا الباب ذكرُ الأسماء والصّفات من أجل أن يتكامل هذا الكتاب فيحتوي على جميع أنواع التّوحيد، لأنّ توحيد الألوهيّة يتضمّن توحيد الربوبيّة، ومن جملة توحيد الربوبيّة: الإيمان بالأسماء والصّفات، ولكن فُصلت الأسماء والصّفات بقسم خاص لوُجود المخالفين فيها؛ من فرق الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة ومَن أخذ بمذهبهم، وقد أنكر عليهم الأئمّة مذهبهم هذا إنكارًا شديدًا، وألّفوا في ذلك المؤلَّفات والرُّدود الكثيرة، لأنّ هذا تعطيلٌ لأسماء الله وصفاته، وإلحادٌ في أسماء الله وصفاته، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ . فالله أثبت لنفسه الأسماء وأثبت له الصّفات، أثبت له السمع، والبصر، والقُدرة، والحياة، والعلم، والوجه، واليدين، وأثبت له ﷾ صفات الكمال، فمن نفى ذلك عن الله فقد ألحد في أسماء الله، فهو من الذين قال الله- تعالى فيهم: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أي: اتُركوهم ولا تلتفتوا إلى قولهم، لأنّه مخالف لكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ. وفي قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ تهديدٌ من الله ﷾ لِمَنْ خالف في أسماء الله وصفاته بأنّه سيعذِّبُه. ولذلكِّ عقد المصنف ﵀ هذا الباب في آخر "كتاب التّوحيد" من أجل تكامل الكلام على التّوحيد. قوله ﵀: "باب ما جاء" يعني: ما ورد عن النّبي ﷺ وعن السّلف الصالح في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ وهذه آية عظيمة فيها عبر
[ ٢ / ٣١٥ ]
وعِظات، وأنّ هذا الكون بسمائه وأرضه وجباله وشجره ومائه وثرائه وجميع المخلوقات يجعلها الله ﷾ يوم القيامة على أصابعه ويجمعها في كفيّه ﷾، كمَا صحت بذلك الأدلة، فهذا يدلّ على عظمة الله ﷾، وصغر هذه المخلوقات الهائلة بالنسبة إليه ﷾ ويدلّ عل عظمته وكبريائه وجَبَروته سبحانه، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظّموه حقّ تعظيمِه.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذا بيان لعظمته ﷾ وسيأتي بيان ذلك في الحديث الذي يسوقه المصنِّف ﵀.
﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ من كان يقدر على هذه الأمور فإنّه لا أعظم منه ﷾، كلُّ الكون- بمن فيه- كلُّه حقير وصغير بالنّسبة إلى خالقه ﷾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هذا يشمل كلّ من تنقّص الله تعالى فإنّه ما قدره حقّ قدره، فيدخل في ذلك الجاحدون المعطِّلون الذين ينفون وُجود الله تعالى، وهم الدهرية الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، يقولون: ليس لنا ربّ يتصرّف فينا، وإنّما هذا الوُجود إنّما هو نتيجة الطّبيعة والصُّدفة ليس له ربٌّ أوجده وخلقه، وإنّما يتفاعل هذا الوُجود بنفسه، فتتكوّن هذه الأشياء من تفاعُل هذا الكون، ويجحدون وُجود الخالق ﷾، وهؤلاء يقال لهم: المعطِّلة الدهريّة.
وقد ردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، وردّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، لأن القول لابد أن يكون مستندًا إلى بُرهان، وأين بُرهانهم؟ لأن البرهان إنما على أنّ هذا الخلْق له خالق، هذا هو البُرهان الذي تقرّه الفطر والعقول.
فلا يُتصوّر ولا يُعقل أن يوجَد مخلوق بدون خالق، فلا عاقل في الدّنيا يتصوّر أنّ هذا الكون وُجد بدون خالق، لأن هذا من باب العبث بالعُقول، هل تجدون - مثلًا- أنّ قصرًا تكوّن بدون عمال وبدون بانٍ؟، هذا محال هل تجدون- مثلًا- شجرة وُجدت بدون أسباب وبدون بِذار وبدون سقي؟، لابدّ من أسباب لوجودها.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وهذا يقال إنّ الإمام أبا حنيفة ﵀ جاءه جماعة من الملاحدة وقالوا: نريد المناظرة، فقال لهم ﵀: قبل المناظرة بلغني خبرٌ عجيب، قالوا: وما هو؟، قال: بلغني أنّ سفينةً تسير بنفسها في البحر، وتحمَّل نفسها بالبضائع، ثم تأتي وتُفرغ حَمولتها بنفسها بدون عُمّال وبدون قائد، قالوا: هذا مُحال، لا يُتصوّر أنّ سفينة تمشي في البحر وتحمّل نفسها وتُفرغ عن نفسها بدون عمّال وبدون قائد، قال: هكذا بلغني، قالوا: هذا مُحال، قال: يا سبحان الله! إذا كانت سفينة- وهي جزئيّة صغيرة في الكون- لا يُتصوّر فيها أنّها تعمل هذا الشّيء فكيف بهذا الكون كلّه ليس له خالق وليس له مدبِّر وليس له رب، فانخصموا واندحروا، وأفحمهم بهذه الحُجّة.
وهذه الآية مفحمة لكل ملحد: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ هل يُعقل أنّ الخلق يوجد بدون خالق؟، لا، هذا لا يقولُه عاقل.
وإذا كان الكون لابدّ له من خالق فمن هو هذا الخالق؟، هل هو أنتم؟ ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ يعني: أنتم الذين خلقتم السماء، خلقتم الأرض، خلقتم الشجّر، خلقتم البحار، بيِّنوا لنا الذي خلق هذه الأشياء، وضِّحوا لنا، لا يستطيع أحد مهما بلغ من الكفر والإلحاد، لا يستطيع أن يدّعي أنّه خلق السماء، وخلق الأرض، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، فكلّ الكفرة والمشركين لا أحد منهم ادّعى أنّ معبوده من دون الله خلقَ شيئًا من هذا الكون، أبدًا، قال ﷾: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
فالله جل وعلا هو المنفرد بالخلْق، ولا أحد نازعَ الله في ذلك من الجبابرة والمتكبِّرين والكَفرة والملحدين، لا أحد ادّعى أنه خلق بعوضة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، هذا تحدٍّ من الله ﷾، تحدِّ لجميع الخلق بمن فيهم المَهَرة والمهندسون والخُبراء أن يخلُقوا ذبابًا، ولا يزال التحدِّي قائمًا إلى يوم القيامة، فهذا دليل على أنّ الخالق هو الله.
أوّلًا: الخلْق لابدّ له من خالق، هذه بداهة عقلية لا ينازع فيها إلاّ مكابر.
[ ٢ / ٣١٧ ]
ثانيًا: ما أحد ادّعى أنّه خلق شيئًا من السموات ولا من الأرض، والتحدِّي قائم إلى يوم القيامة.
فالملاحدة ما قدروا الله حقَّ قدره، الذين نفوا وُجود الله ووجود الخالق.
وكذلك المشركون الذي أقرّوا أن الخالق الرّازق المحيي المدبِّر هو الله ﷾، واعترفوا بتوحيد الرّبوبية، ولكنّهم خالفوا في العبادة، وخالفوا في توحيد الألوهيّة، فعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة، هؤلاء ما قدروا الله حقّ قدره، حيث إنّهم أشركوا معه غيرَه في عبادته، ممن لا يخلُق ولا يرزق ولا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، هؤلاء ما قدروا الله حقّ قدره، حيث سوّوا به خلقًا من خلقه، وجعلوهم معبودين معه، يذبحون لهم، وينذُرون لهم، ويتبرّكون بهم، ويطوفون بقبورهم، ويتبرّكون بالأحجار والأشجار، ويعبدون الأصنام، جعلوا هذه الأصنام والجمادات، وجعلوا هؤلاء الأموات الرُّفات في القبور جعلوهم شركاء لله في العبادة، هؤلاء ما قدَروا الله حقّ قدره ﷾.
وكذلك ما قدر الله حقّ قدره مَن جحد الأسماء والصّفات، فمن أنكر الأسماء والصّفات الّتي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسولُه ﷺ أو تأوّلها على غير معناها وألحد فيها؛ ما قدَر الله حقّ قدره، فالذي قال: "إنّ الله لا يوصف بصفات، ولا يسمّى بأسماء، وإنّما هذه مجازات لا حقيقة لها، فلا يوصف الله عنده بأنّ له يدين، ولا أنّ له وجهًا، ولا يوصف الله بأنّه في العلو عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه"، ثم راح يؤوِّل هذه الصّفات إلى معانٍ لا تحتملُها، فهذا ما قدَر الله حقّ قدره ﷾، حيث إنّه ألحد في أسمائه، وألحد في صفاته، ما قدر الله حقّ قدره، ويدخُل في ذلك الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة والماتوريديّة، وكلّ من ألحد في الأسماء والصّفات أو جحد بعضها أو شيئًا منها فإنّه ما قدَر الله حقّ قدره ولا عظّمه حقّ تعظيمه، ويدخل في ذلك كلّ من خالف في الأسماء والصّفات فإنّه ما قدَر الله حق قدره ولا عظّمه حق تعظيمه ولا تأدّب مع ربه ﷾، بل صار يكذِّب بما وصف الله به نفسه وسمّى به نفسه، فيقول: هذا غير صحيح، هذا مجاز، هذا ليس بحقيقة، إلى غير ذلك من مقالاتهم الباطلة، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
[ ٢ / ٣١٨ ]
كذلك ما قدر الله حقّ قدره من نفى القدر: فالقدريّة ما قدروا الله حقّ قدره، حيث نفوا القدر، وقالوا: "إنّ الأشياء توجد بدون قدر الله وأنّها أُنف- يعني: تحدُث بغير قدر الله، وإنّما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه دون أن يكون لله قدرٌ سابق وعلمٌ سابق بهذه الأشياء، ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
ويدخل في ذلك كلّ من ألحد في القدر من الجبرية ومن القدريّة، كلّهم ما قدروا الله حقّ قدره.
أيضًا: ما قدر الله حقّ قدره مَن عصى الله وارتكب ما حرّم الله من المعاصي وترك ما أوجب الله من الطّاعات، ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه خالف أمره ﷾، ولا شك أن من عصى مخلوقًا فقد تنقّصه فكيف بمن عصى الخالق، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ لو أنّ إنسانًا تمرّد على أوامر ملِك من الملوك وأبى أن ينفِّذ ما آمر به، فيكون ما قدر ذلك الملِك حق قدره، بل تنقّص هذا الملِك حيث إنّه لم يلتزم بأوامره ونواهيه، فكيف بالذي خالف أمرَ الله ﷾، وخالف نواهيه، وارتكب المنهي وترك الواجب؟، هل يكون هذا مقدِّرًا لله حقّ قدره؟.
إذًا فكلّ مخالف لأوامر الله ﷾ ونواهيه وأحكامه فإنّه ما قدر الله حقّ قدره، حيث لم يمتثل شرعَ الله، ومن لم يمتثل شرع الله فإنّه لم يقدُره حقّ قدره.
كذلك من حكم بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين الوضعيّة بديلًا عن الأحكام الشّرعية التي شرعها الله لعباده ما قدر الله حقّ قدره، يقول- بلسان الحال أو بلسان المقال-: إنّ شرعك لا يصلُح للبشر، وإنّما يصلُح للبشر القوانين البشرية التي وضعها المخلوق، هكذا، ما قدر الله حقّ قدره سبحانه.
والنّاس يتفاوتون في هذا، فمنهم من خالف مخالفة كبيرة ومنهم من هو دون ذلك بحسب مخالفتهم، كلّ من خالف الله أي نوع من المخالفة فإنّه ما قدر الله حقّ قدره، وإنّما قدر الله حقّ قدره من امتثل أوامره ونواهيه وحكم بكتابِه وعبد الله وحده ولم يُشرك به شيئًا، هذا هو الذي قدَر الله حق قدْره، امتثل أمره واجتنب نهيه وآمن به ﷾ ووصفه بما وصف به نفسَه وسمّاه بما سمّى به نفسه أو وصف وسمّى به رسولُه ﷺ، هذا هو الذي قدر الله حقّ قدره.
[ ٢ / ٣١٩ ]
عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمّد، إنّا نجد أنّ الله يجعل السماوات على إصبع، والأرَضِيْن على إصبع، والشجرَ على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك.
_________________
(١) كذلك من جحد الرّسالة وقال: إنّ الله لا يبعث رسولًا من البشر فهذا ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه اتهم الله ﷾ بأنّه ترك عباده بدون هداية ولا بيان، ولا بيّن لهم طريق الحقّ من طريق الباطل، ولا وضّح لهم، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾، فالذي يجحد الرّسالة ويقول: "لا يمكن أن يبعث الله بشرًا"، وإنّما يقترح على الله أن يبعث الملائكة إلى البشر؛ فهذا ما قدر الله حق قدره. وكذلك من جحد البعث، وزعم أن الله لا يبعث عبيده ليجازيهم بأعمالهم: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾، فهذا ما قدر الله حق قدره، ووصفه بالعبث، وأن الله خلق الخلق عبثًا، وتركهم سدىً، يعملون بلا نتيجة، لا فرق بين المحسن والمسيء والمطيع والعاصي، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. وكذلك من جحد كلام الله وقال: "إنّ الله لا يتكلّم، وهذا الكتاب الذي هو التوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور وغيرها من كتب الله ليس هو كلامُ الله، لأنّ الله لا يتكلم، وإنّما هو كلامُ البشر"، ومنهم من يقول: "المعنى من الله واللّفظ من البشر"، هذا ما قدَر الله حقّ قدره. الحاصل؛ أنّ هذا بابٌ واسع، وأنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يشمل كلّ من خالف في أمور العقائد وأمور الأحكام فإنّه ما قدَر الله حقّ قدره. فقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ تفسير هذه الآية في هذه الأحاديث والآثار التي ذكرها المصنِّف في هذا الباب. أولُها: "عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار" الحَبر- بفتح الحاء، ويجوز الكسر، هو: العالِم، وأغلب ما يُطلق ذلك على علماء اليهود قال تعالى:
[ ٢ / ٣٢٠ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار في اليهود والرُّهبان للنصارى.
"فقال: يا محمد" اليهود يخاطبونه بهذا الخطاب، وأحيانًا يقولون: يا أبا القاسم، ولا يقولون: يا نبيَّ الله، أو يا رسول الله، لأنّهم يجحدون رسالته ويحسدونه﵊-، وإنْ كانوا يعترفون بأنّه رسول الله وأنّه نبيُّ الله في قَرارة أنفسهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾، فهم يعلمون أنّه رسول الله، وأنّه نبيُّ الله، ولكنّهم جحدوا هذا تكبُّرًا وحسدًا لرسول الله ﷺ، وحسدًا للعرب، لأنّهم يريدون أن تكون النبوّة في بني إسرائيل ولا يريدونها أن تكون في بني إسماعيل، ولكنّ الله يختصّ برحمته من يشاء.
قال الحبر: "إنا نجد" يجدون ذلك في التّوراة.
"أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إِصبع" الأرضين: جمع أرض.
"والشجر على إصبع"؛ شجر الدنيا، شجر البر والبحر، فالشجر اسم جنس يشمل كلّ الشجر الذي في الدنيا.
"والثرى على إصبع " الثرى يعني: التراب: قال ﷾: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ أي: تحت التُّراب.
"وسائر الخلْق على إصبع" يعني: باقي المخلوقات.
فهذه خمسة أصابع عليها جميع المخلوقات العلوية والسفلية، كلّ إصبع عليه خلْقٌ من خلقه ﷾.
"فيقول: أنا الملك" ولا أحد ينازع في هذا، فدلّ على انفراده سبحانه بالمُلْك يوم القيامة، يقول الله جل وعلا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، ولا أحد ينازع في هذا فيدّعي شيئًا من ملك السماوات والأرض، لأنّه لا أحد يملك السماوات والأرض إلاّ الله ﷾.
أمّا المُلك المؤقت في الدنيا والملك الذي يُعطى لبعض النّاس فهذا عارية، ليس مُلكًا حقيقيًّا وإنّما هو عاريّة وامتحان يزول؛ ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ
[ ٢ / ٣٢١ ]
فضحك النّبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية".
وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزّهنّ فيقول: أنا الملك أنا الله ".
_________________
(١) مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ . فالأملاك ترجع إلى الله ﷾، فهو الذي يرث الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ . قوله: "فضحك النّبي ﷺ" أي: لمّا سمع كلام هذا الحَبْر ضحك ﷺ سرورًا بهذا، لأنّ هذا إقرارٌ بما جاء في القرآن، وإقرارٌ بما جاء به الرّسول ﷺ. "حتى بَدَتْ نواجذُه" النواجذ هي: أوائل الأضراس، كان ﷺ إذا ضحك يتبسّم فقط، وإذا بالغ في التبسُّم بدت نواجذه ﷺ. "ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ " فهذا شيء جاء به القرآن كما جاءت به التّوراة، والقرآن والتوراة والإنجيل والزَّبور وصحف إبراهيم وموسى وكتب الأنبياء كلها من عند الله ﷾، وما دخل في التّوراة والإنجيل من التحريف فإنّما هو من اليهود والنصارى بعد الأنبياء. وقد بيّن الله تحريفهم في القرآن وفضح سرائرهم. قوله: "وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع" في هذه الرواية زيادة الجبال. "ثم يهزُّهن" يحرِّكهنُّ ﷾. "فيقول: أنا الملِك، أنا الله" هذا فيه: بيان عظمته، وربوبيّته ومُلكه ﷾، وعظيم قدْرته جل وعلا وتقرير انفراده بالملك.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وفي رواية للبخاري: "يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلْق على إصبع" أخرجاه.
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون؟، أين المتكبِّرون؟ .
ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، فيقول: أنا الملِك، أين الجبّارون؟، أين المتكبِّرون؟ ".
_________________
(١) قوله: "وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع" ذكر هنا أن أصابعه سبحانه استوعبت كلَّ الخلْق وأن يقبض السماوات والأرضين بيديه وهذا من عظمته ﷾. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف انتهى. قال الإمام ابن خزيمة الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء. قال: فالإمساك على الأصابع قبل تبديل الله الأرض غير الأرض. انتهى بمعناه. قال: "ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليُمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون؟ " هذا تحدٍّ منه ﷾ لهؤلاء الذين يتجبّرون في الدّنيا. والجبّارون: جمع جبّار، وهو المتعالي على النّاس بالقَهْر والغَلَبة والظُّلم والبَطْش بغير حق. أمّا الجبّار من أسمائه سبحانه، فمعناه: المتعالي بحقّ. "أين المتكبِّرون؟ " جمع متكبِّر، والمتكبِّر من الخلق هو: المتعالي، الذي يتعالى على النّاس بالظّلم والبَطْش، وكذلك يتعالى على الحق فلا يقبله. والمتكبر من أسماء الله الحسنى الكاملة يدل على العظمة والجلال والتنزه عن النقائص
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وروي عن ابن عبّاس قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلاّ كخردلة في يد أحدكم".
_________________
(١) والعيوب ويتضمن صفة الكبرياء قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ . قوله: "روي عن ابن عبّاس قال: ما السماوات السبع والأرَضون السبع في كفِّ الرحمن إلاّ كخردلة في يد أحدكم" تقدّم بيان معنى هذا من الآية والأحاديث، وأنّ الله ﷾ يطوِي السماوات فيأخذها بيده اليُمنى، ويطوي الأرضين السبع فيأخذهن بشمالِه، ثم يقول: "أنا الملِك " إلى آخره، وفي هذا الأثر ما يوافق ما سبق. فقوله: "ما السماوات السبع في كفِّ الرحمن إلاّ كخردلة" أي: أنّه ﷾ يطوي السماوات السبع ويقبضُها بيده اليُمنى، ويطوي الأرَضين السبع فيأخذهنّ بشماله، فتكون في كفِّه ﷾ كخردلة، والخردلة هي: أصغر شيء يُضرب المثل بصغيرِها. فهذه السماوات العظيمة في كَفِّ الرحمن والأرضون الواسعة وما فيها في كفِّ الرحمن كالخردلة في يد واحدٍ منّا، هذا تشبيه لصغر هذه المخلوقات بالنسبة إلى الله، كصغر حبّة الخردل في يد المخلوق، وليس هو من تشبيه الله ﷾ أو صفة من صفاتِه بصفات المخلوقين، وإنّما هو تشبيه لصغر المخلوقات بالنسبة إلى الله ﷾ بصغر حبّة الخردل بالنسبة ليد المخلوق. وهذا من باب ضرب الأمثال التي تقرب بها المعاني ويوضح المقصود. قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره: "أضواء البيان ": فيحصل من هذا البحث أن الصّفات من باب واحد وأن الحق فيها متركب من أمرين: الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق. والثاني: الإيمان بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يشكون في شيء من ذلك ولا كان يشكل عليهم. إلاّ ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط وأما من جهة العلم فهو عامي:
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: "ما السماوات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس ".
_________________
(١) وكيف أخاف النّاس والله قابض على النّاس والسبعين في راحة اليد ومراده بالسبعين: سبع سموات وسبع أرضين. فمن علم مثل هذا من كون السموات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل فإنه عالم بعظمة الله وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين، وهذا الذي ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به والإيمان بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ هو معنى قول الإمام مالك ﵀: الاستواء غير مجهول. والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة. ويروى نحو قول مالك عن شيخه ربيعة وأم سلمة ﵂ والعلم عند الله تعالى. انتهى كلامه ﵀. ثم قال: "وقال ابن جرير" هو الإمام المفسِّر: محمَّد بن جرير، صاحب التفسير المشهور الذي يُعتبر أُمّ التفاسير. "حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، قال: قال ابن زَيْد: حدثني أبي قال: قال رسولُ الله ﷺ: ما السماوات السّبع في الكُرْسي إلاَّ كدراهم سَبْعة أُلقِيَتْ في تُرس" السماوات السبع: السماء الدنيا والتي تليها إلى السماء السّابعة على عظمتها وسَعَتها كما قال ﷾: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، هذه السموات السبع العظيمة الواسعة بطِباقها وتباعُد ما بينها هناك مخلوقٌ أعظم منها وهو الكُرسي. والكُرسي مخلوق: قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فهو مخلوقٌ من مخلوقات الله ﷾. وهو فوق السماوات والسماوات بالنسبة إليه كسبعة دراهم أٌلْقِيَت في تُرْس. والتُّرْس هو: القاع المستدير من الأرض، فلو ألقيت سبعة دراهم في قاعٍ من الأرض ماذا تكون نسبة هذه الدراهم السّبعة إلى هذا القاع الواسع؟، تكونُ صغيرة جدًّا.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض".
_________________
(١) وقد يُراد بالتُّرْس: الصفحة من الفُولاذ التي يتّخذها المقاتِل وقايَةً بينَه وبين السّلاح يتترّس بها. ولكن الظّاهر المعنى الأوّل، وهو أنّ المراد به: القاع المستدير. فالسماوات السبع بالنسبة للكرسي تكون كالدراهم السبعة إذا أُلقيت في القاع الواسع المستدير، فتكون نسبتُها ضئيلة، ممّا يدلّ على أنّ الكرسيَّ أعظمُ من السموات، وأنّها بالنسبة إليه صغيرة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فمصداقُ هذا في كتاب الله ﷾. فدلّ على وُجود الكرسي، وأنّه مخلوق، أعظم من السماوات، وفي هذا ردٌّ على من فسّر الكرسي بالعلم، والصّواب: أنّ الكرسي غير العلم. وفيه ردٌّ- أيضًا- على من فسّر الكرسي بالعرش، لأنّه سيأتي أنّ العرش غير الكرسي. وقد جاء في الحديث: أن الكرسيَّ موضعُ القدمين، فهو مخلوقٌ مستقل، عظيم، أكبر من السموات على سعتها، وأعظم من السموات على عظمتِها. قال: "وقال أبو ذرّ" الصحابي الجليل، الزاهد، التّقي، الورع، العالِم، العابِد، الذي له سَبْق في الإسلام فهو من السّابقين الأوّلين، ومن المهاجرين- رضي الله تعالى عنه-. "سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة أُلْقِيَتْ بين ظهراني فلاةٍ من الأرض" الكرسي سبق لنا أنّه مخلوق مستقلّ، وأنّه أعظم من السموات، لكن هناك مخلوق أعظمُ منه وهو العَرْش. والعرش هو: شَقْفُ المخلوقات، وأعلى المخلوقات، وأعظمُها. والكرسي بالنسبة إلى العرْش كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهراني فلاةٍ من الأرض، والفلاة هي: المكان المتّسع من الأرض، لو ألقيتَ فيها حَلْقة من حديد، فماذا تكون نسبة الحلْقة إلى هذه الفلاة الواسعة؟، قد لا تُرى أو تكون شيئًا ضئيلًا، فكذلك الكرسي
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" أخرجه ابن مهدي عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله.
_________________
(١) بالنسبة لعرش الرّحمن كحلقة من حديد أُلْقِيَت في فلاةٍ واسعة من الأرض. فهذا يدلّ على وُجود العرْش، وأنّه مخلوق من مخلوقات الله، وأنّه أكبر من الكُرْسي، وأنّ الكرسي أكبر من السماوات، فهذا يدلّ على عظمة الخالق ﷾ الذي هذه مخلوقاتُه العظيمة الهائلة. وفي هذا رد على من فسّر العرش بالملك أو غير ذلك من التفاسير الباطلة. ثم قال: "وعن ابن مسعود" حديث ابن مسعود هذا يبيِّن المسافات التي بين السماوات والأرض والمسافة التي بين السماوات والكُرْسي، والمسافة التي بين الكرسي وبين العرش. "قال: " بين السمّاء الدنيا" يعني: القريبة من الأرض، الموالية للأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ . فبين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السّابعة والكُرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام وكثف كل سماء من السماوات السبع خمسمائة عام. إذًا تكون المخلوقات: أوّلًا: الأرض، ثم فوقها السماوات السّبع، ثم فوق السموات السّبع الكرسي، ثم فوق الكرسي بحر ما بين أعلاه وأسفلِه خمسمائة عام، وفوق الماء عرْش الرّحمن ﷾، والله جل وعلا فوق العرش، هذا ترتيب هذه المخلوقات حسبما جاءت به النصوص، وهي متباعِدة فيما بينها، فبين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء والتي تليها- يعني: السماء الثّانية والسماء الثّالثة والرّابعة والخامسة والسّادسة والسّابعة- بين كلِّ سماء وسماء خمسمائة عام. وكثف كل سماء خمسمائة عام.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم بن أبي وائل، عن عبد الله.
قاله الحافظ الذهبي- رحمه الله تعالى- قال: (وله طرق) .
_________________
(١) وبين السماء السّابعة والكرسي- الذي مرَّ بنا أنّه أعظم من السموات، وأنّها بالنسبة إليه كالدّراهم في التُّرْس- بينهما خمسمائة عام، ثم فوق الكرسي بحر ما بين أسفلِه وأعلاه خمسمائة عامّ، ثم فوق الماء عرشُ الرّحمن ﷾: قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فكما أن في الأرض بحرًا يغمرها فكذلك في السماء بحر آخر غير البحر الذي في الأرض، وهذا البحر الذي في السماء بحر هائل عمقه خمسمائة عام، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . فالعرش فوق هذا البَحْر، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . إذًا يكون العرش هو أعظم المخلوقات، أعظم من هذا البَحْر، وأعظم من الكُرْسي، وأعظم من السموات، وأعظم من كلِّ المخلوقات، فالعرش هو أعظم المخلوقات، وأوسعُها، وأعظمُها، والله ﷾ أضافه إلى نفسه فقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فتمدح ﷾ به وذلك لأنّه خلْقٌ عظيم، وخَلْقٌ فيه عبرٌ عظيمة يدل على عظمة خالقه. ثم قال: "وبين السماء السّابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء" أي فوق هذا البحْر. "والله فوق العرش" فهو ﷾ فوق مخلوقاتِه، عالٍ على خَلْقِه ﷾، العليُّ الأعلى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وأدلّة علوّ الله جل وعلا على خلْقه كثيرة في الكتاب والسنّة والعقْل والفطرة حتى قال بعضُهم: "إنّها بلغت ألف دليل"، وقد ألّف الحافظ الذهبي ﵀ كتابًا مستقلًا في العلو سمّاه: "العلوُّ للعليِّ الغفّار"، وهو مطبوع ومتداوَل، ذكر فيه النّصوص الدالّة على علوّ الله على خلْقه، وقد أجمع أهلُ السنّة والجماعة على علوّ الله ﷾ بذاتِه على خلقه، ولهذا قال: "والله فوق العرش"، يعني: إذا كان العرش فوق المخلوقات والله فوق العرش، فدلّ على أنّ الله جلا وعلا هو العليُّ الأعلى فوق مخلوقاته جل وعلا، وأنّ المخلوقات كلُّها بالنسبة إلى كف الرحمن سبحانه كالخرْدَلة في يد أحدِنا كما سبق فيما ورد عن ابن عبّاس ﵄.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وعن العبّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هل تدرون كم ما بين السماء والأرض؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم.
_________________
(١) قوله: "لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" أي: مع علوِّه على خلْقه لا يَتصوّر أحدٌ أنّه بعيدٌ عن عبادِه، بل له هذا العلوّ، ومع هذا لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم، فهو ﷾ فوق العرْش وعلمُه في كلِّ مكان، لا يخفى عليه شيء: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾ أي: بعلمه ﷾ وإحاطته، لا تخفون عليه، ولا تخفى عليه أعمالُكم خيرُها وشرُّها، وكلُّ ما يصدر من عباده فإنّه يعلمُه ﷾ من الطّاعات والمعاصي والخير والشّرّ، كلّه يعلمه ﷾، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالهم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ . فلا يتصوّر أحدٌ أنّ الله إذا كان في العلوّ أنّه يكون بعيدًا عن عبادِه، وأنّه لا يعلم أعمالهم، فيتصوّر أنّ الخالق مثل المخلوق، إذا كان في مكان مرتفع فإنّه لا يعلم ما تحتَه، ولا يدري ما يحدُث بما تحته، هذا في حق المخلوق، أما الله جل وعلا فإنّه لا يخفى عليه شيء، والمخلوقات كلها على عظمها وسعتها ما هي بالنسبة إليه بشيء ﷾ فهو محيطٌ بها، يعلمُها ويراها، ويسمع ما يحدُث فيها، ويرى ما يحدُث فيها، هو بكلِّ شيء عليم سبحانه. ولا يحدث فيها شيء إلاَّ بقضائه وقدره وأمره. فهذا فيه: الجمع بين العلوّ والعلم والإحاطة. "وعن العبّاس" عمّ النّبي ﷺ. قوله ﷺ: "أتدرون كم بين السماء والأرْض؟ " هذا فيه: السؤال يراد به التعليم والإرشاد، وليس هو من السؤال الذي يطلُب السّائل من المسؤول أن يُخبره عن شيء لا يعلمُه، وإنّما هو من باب التقريب وإحضار الذّهن، لأنّ التعليم إذا جاء عن طريق السؤال والجواب كان أثبت.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، يين أسفله وأعلاه كما بين السماء الأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" أخرجه أبو داود وغيره.
_________________
(١) قال ﷺ: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة" أي: بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام. "وبين كلِّ سماء إلى سماء خمسمائة عام، وكثف كلِّ سماء" هذه هي الزيادة التي جاء بها هذا الحديث عما قبله، أي: غِلَظ كلّ سماء وسمكها. "وبين السماء السّابعة والعرْش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض" هذا بيان عمق البحْر. والعرش فوق الماء، وهذا سبق، وهو في الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . "والله تعالى فوقَ ذلك، وليس يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم" هذا كما سبق أنّ الله ﷾ مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه بذاته ﷾، ومع علوِّه سبحانه- على مخلوقاته فإنّه يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ ممّا يحدُث في هذا الكون في أعلاه وفي أسفله، وجميع أعمال بني آدم على كثرة بني آدم وتفرُّقهم في الأرض واختلاف أمكنتهم فإنّ الله يعلم جميع ما يصدُر منهم: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء على كثرة العباد، وتفرُّقهم في الأرض، واختلاف أمكنتهم، وتبايُن ما بينهم وخفاء أعمالِهم فإنّ الله جل وعلا يعلمُها: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أي أخفى من السّرّ، بل يعلم ما في النّفس وما في القلب قبل أن يتكلّم الإنسان فالله يعلم ما يختلج في نفسك وما يدور في فِكْرك قبل أن تتكلّم وقبل أن تعمل، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، وهو العليُّ الأعلى فوقَ مخلوقاتِه سبحانه. يُستفاد من هذه النصوص فوائد عظيمة جليلة: أوّلًا: فيه قَبُول الحقِّ مِمَّن جاء به، فإنّ النّبي ﷺ قبِل الحق من هذا اليهودي وفرح به - ﵊-.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ثانيًا: في هذه النّصوص مشروعيّة التحدُّث عن آيات الله الكونيّة، من أجل الاعتبار والاتّعاظ، وتعظيم الله ﷾ وإفرادِه بالعبادة، وليس التحدُّث بهذه الأمور هو من باب الاستطلاع أو زيادة المعلومات فقط، وإنّما هو من أجل الاعتبار والاتّعاظ والاستدلال على استحقاق الله جل وعلا للعبادة دونما سواه، هذا هو المطلوب.
ثالثًا: فيها إثبات اليدين لله جل وعلا، والكف، والأصابع، ووصف يديه باليمين والشِّمال، وفي حديثٍ آخر: "وكلتا يديه يمين"، فهي شِمال لكنّها ليست كشِمال المخلوق، فشِماله يمين، خلاف المخلوق فإنّ شِماله لا تكون يمينًا، وإنّما هذا خاصٌّ بالله تعالى بأن "كلتا يديه يمين"، فله يد يمين وله شِمال كما في هذه الأحاديث، فهي يمين لا تُشبه يمين المخلوقين وشمالٌ لا تشبه شمال المخلوقين، وله أصابع سبحانه لا تُشبه أصابع المخلوقين، بل تليق به ﷾.
رابعًا: في هذه النّصوص بيانُ المسافات التي بين هذه المخلوقات: المسافات بين السماء والأرض، المسافات بين السموات، المسافات بين السموات والكرسيّ، المسافات بين الكرسي والماء، وهذه مسافات عظيمة متباعِدة، ممّا يدلّ على عظمة هذا الكون، وعظمة هذا الكون يدلّ على عظمة خالقِه ﷾.
وفيها: الردُّ على أصحاب النظريّات الحديثة الذين لا يؤمنون بوجود السموات، ولا بوجود هذه المخلوقات العُلْويّة، وإنّما يظنّون أنّ هذا فضاء خارجي، وعندهم: أن الكون هو المجموعة الشمسيّة، ويعتبرون أنّ الشمس هي المركز لهذه المجموعة، وأنّ هذه الأفلاك بكواكبها تدور عليها -بما فيها الأرض، وهذا من الكذب على الله ﷾، والقول على الله بلا علم، والتحرُّص الذي ما أنزل الله به من سلطان، والنّبي ﷺ بيَّن هذه المخلوقات في هذه الأحاديث: أوّلًا: الأرض، ثم فوقها السموات السّبع، ثم فوق السموات السّبع الكرسي، ثم فوق الكرسي البحر، ثم فوق البحر العرش، والله جل وعلا فوق العرْش، فيجب الإيمان بذلك، وتكذيب هذه النظريّات الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان. فالله أخبر أن الأرض قرار وأن الشمس تجري وأصحاب النظريات يقولون بالعكس.
خامسًا: في هذه النّصوص إثبات أنّ الأرضين سبع كالسموات، والله جل
[ ٢ / ٣٣١ ]
وعلا لم يذكر في القرآن عدد الأرضين، ولكنّه أشار إلى هذا في قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، يدلّ على أنّ الأرضين سبع، وجاء مصرَّحًا بذلك في السنّة كما في الأثر الأوّل، وقوله ﷺ: "من اقتطع شِبْرًا من الأرض طُوِّقَه يومَ القيامة من سبع أَرَضين"، فدلّ هذا على أنّ الأَرَضين سبع.
سادسًا: فيها بيان كيفيّة هذه المخلوقات، وأنّ بعضَها فوق بعض، فالأرض أوّلًا ثم السموات، ثم الكرسيّ، ثم البَحْر، ثم العَرْش، وأنّ العرش هو أعظم هذه المخلوقات وفيها رد على من يقول إن العرش هو الملك وأن معنى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى على الملك.
سابعًا: فيها أنّ الكرسي غير العرش، وأنّه مخلوق مستقل، ردًّا على من زعم أنّه العرْش، أو أنّ المراد به العلم.
ثامنًا: في هذه النّصوص إثبات علوّ الله على عرشِه، ردًّا على الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة ونُفاة العلوّ الذين ينفون علوَّ الله على عرشِه.
تاسعًا: فيها إثبات إحاطة علمِ الله- جلّ وعلا بكلِّ شيء-، وأنّه لا تخفى عليه أعمال عباده صغيرُها وكبيرُها.
عاشرًا: فيها وُجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنّه إذا كانت هذه المخلوقات العظيمة حقيرةٌ بالنسبة إليه ﷾، وصغيرة بالنسبة إليه، وأنّه يتصرّف فيها جل وعلا، ويعلم ما يجري فيها وما يكونُ فيها؛ فهو المستحقُّ للعبادة، وبُطلان عبادة ما سواه ممّن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.
وبهذا انتهى شرح هذا الكتاب المبارَك: "كتاب التّوحيد الذي هو حقُّ الله على العبيد".
والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٣٣٢ ]