* بابٌ لا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنة
_________________
(١) هذا الباب عقده الشيخ ﵀ في "كتاب التّوحيد" لأنّ تعظيم صفات الله ﷾ من تعظيم الله، وتعظيمُها من التّوحيد، لأنه تعظيمٌ لله ﷾، وأمّا عدمُ تعظيمِها فإنّه تنقُّصٌ للتّوحيد، لأنّه تنقُّصٌ لله ﷿. "ووجهُ الله" صفةٌ من صفاتِه ﷾ الذّاتيّة، تواتَرتْ بإثباتِه الأدلّة في كتاب الله وفي سنّة رسوله ﷺ، وأجمع عليه علماء السنّة والجماعة: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ (٢٧)﴾ فأثبت له وجهًا ووصفه بالجلال ووصفه بالإكرام. كذلك قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ (٢٧)﴾ . والسنّة: فيها أحاديث كثيرة في إثبات الوجه لله ﷿، مثل الحديث الذي ساقَه المصنِّف: "لا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنة"، ومثل حديث: "أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُّلُمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة". ومثل أحاديث في هذا الباب كثيرة، ذكرها علماء السنّة والمصنِّفون في العقائد، الذين يسوقون الآيات والأحاديث، مثل كتاب "التّوحيد" لابن خُزيمة و"كتاب السنّة" للآجري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وغيرها من الكتب المؤلَّفة في التّوحيد، كلُّهم يذكُرون النُّصوص الدّالة على صفاتِ الله ﷾، الصّفات الذّاتية كالوجه واليدين، والصّفات الفعليّة كالاستواء والنُّزول إلى سماء الدُّنيا، وغير ذلك من صفات الأفعال. فالوجه من الصّفات الذّاتيّة وهو أعظمُها، ولكن مع العلم واليقين والقطع بأنّ صفاتِ الله ليست كصفات خلْقِه، فالله له وجه والمخلوق له وجه، والله له يدان والمخلوق له يدان، والله جل وعلا له سمع وله بصر، والمخلوق له سمع وله بصر، ولكن صفات الله جل وعلا لائقةٌ به وبعظمتِه، وصفات المخلوقين تليقُ بهم وبخلقتهم، فلا تُشبه صفات المخلوقين صفات الخالق جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
[ ٢ / ٢٢٦ ]
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يسأل بوجه الله إلاّ الجنة" رواه أبو داود.
_________________
(١) شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، كلّ هذا ينفي المماثَلة والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فلا تشابُه وإن اشتركَتْ في المعنى، فإنّها لا تشترك في الكيفيّة والحقيقة. ومَن شَبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسَه فقد كفَر، كما قال نُعيم بن حماد -شيخ البخاري- وغيرُه علماء السلف: من شبّه الله بخلقه فقد كَفر، لأنّ الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ومَن جحد ما وصف الله به نفسَه فقد كفَر، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ويقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ (٢٧)﴾، فأثبت له الوجه، فمن نفى ما أثبته الله لنفسه فهو مكذِّبٌ لله، ويكون كافرًا بالله ﷿، لأنّ الإيمان أنْ تؤمن بالله ﷿ وملائكته، وكُتبه، ورُسله، واليوم الآخِر، وبالقدَر خيرِه وشرِّه، ومن الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاتِه ﷾ على الوجه اللائق به. فالله جل وعلا له وجهٌ كما أثبته لنفسه، ولكنه لا يشبه وجه المخلوق، ولا يدور بخلَد المؤمن- أو في ظنّ المؤمن- هذا الظنّ السيّء وهو المشابهة بين الله وبين خلقه، فمن دار بخلده ذلك فإنّه يكون ناقصَ الإيمان، فإنْ نفى ما وصف الله به نفسَه فإنّه يكون عديم الإيمان، نسأل الله العافية. ولذلك يقولون: المشبّه يعبُد صنمًا، والمعطِّل يعبُد عدمًا، والموحِّد يعبُد ربًا فَرْدًا صمَدًا. فقوله ﷺ: "لا يُسأل بوجه الله" يثبت أنّ لله وجهًا، لكن هذا الوجه عظيم يعظَّم، ولا يُسأل به الأشياء الحقيرة كمتاع الدنيا وأطماع الدنيا، وإنّما يُسأل به شيءٌ عظيم يليق بعظمتِه وهو الجنّة، لأنّ الجنة هي أعظم المطالِب، وهي غاية المطالب، فهي شيءٌ عظيم، أو ما يوصِّلُ إلى الجنة من الأعمال الصالحة، وفي الحديث: "أسألُك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فلا يُسأل بوجه الله إلاَّ الجنّة تعظيمًا له أن يُسأل به شيءٌ من المحقَّرات.
وكلُّ ما دون الجنّة فإنّه حقير، إلاَّ إذا كان يوصِّل إلى الجنّة من الأعمال الصّالحة، فإنّه يُسأل بوجه الله.
ففي هذا الحديث مسألتان:
المسألة الأولى: فيه إثبات الوجه لله ﷾.
المسألة الثانية: فيه النّهي عن سؤال الأشياء الحقيرة بوجه الله ﷿، وكلّ ما عدا الجنّة فإنّه حقير، فلا يُسأل بوجه الله ﷿.
بقي أنّ هذا الحديث رواه أبو داود، وفي إسناده: سليمان بن معاذ، وهو ضعيف، فهو حديث ضعيف فكيف أورده المصنِّف هنا؟.
فنقول: المصنِّف ﵀ في هذا الكتاب يستدل بالأحاديث الصحيحة أو الأحاديث الحسنة، أو الأحاديث الضعيفة التي لها شواهد تؤيدها، وهذا الحديث له شواهد في إثبات الوجه لله ﷿ من الكتاب والسنّة.
[ ٢ / ٢٢٨ ]