* بابُ ما جاء في الكهان ونحوهم
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لما قبله: أن ما قبله في بيان السحر وحكم الساحر، وبيان بعض أنواع السحر. وهذا في حكم الكُهّان، وذلك للتشابه بين الكُهّان والسحرة، لأن كلًاّ من السحر والكهانة عمل شيطاني يُنافي العقيدة ويضادّها. والشيخ ﵀ في هذا الكتاب يبيّن العقيدة الصحيحة، ويبيّن ما يضادّها من الشركيّات والكفريّات أو ينقصها من البدع والمحدثات. وهذه هي الطريقة الصحيحة المتمشِّية مع الكتاب والسنّة؛ أنه يبيّن الخير ويوضِّحه، ثمّ يبيّن ضدّه من الشر؛ من أجل أن يكون المسلم على حذر، لأنه لا يكفي أن الإنسان يعرف الخير فقط، بل لابد مع معرفته للخير أن يعرف الشر؛ من أجل أن يتجنّبه، وإلاَّ إذا لم يعرف الشر فإنه حريٌّ أن يقع فيه وهو لا يدري بل قد يظنه خيرًا. فقوله: "باب ما جاء في الكُهّان ونحوهم " يعني: ومن كان مثلهم من العرّافين والرّمّالين وغير ذلك، لأن هذا باب يشمل كل ما هو من نوع الكِهانة. والكِهانة معناها: ادّعاء علم الغيب، بطرق شيطانية. فالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيبّات من الأشياء المستقبَلَة، والأشياء المفقودة والضالّة، بسبب أنه يخضع للشياطين، لأن الشياطين عندهم مقدرة ليست عند الإنس، فهم يرتفعون في الجوّ ويحاولون استراق السمع من السماء، ثمّ يُخبرون بما يسمعون من يخضع لهم من الإنس، ثمّ هذا الإنسي يأخذ الكلمة التي سُمعت من السماء، ويكذب معها مائة كذبة، من أجل أن يلبِّس على النّاس. ولا تُخبره الشياطين إلاَّ إذا أطاعهم، وكفر بالله ﷾، وأشرك بالله، ونفّذ ما تمليه عليه الشياطين من الكفر والشرك، وإلاَّ فالشياطين لا تطيع المؤمن، الموحّد لأنه لا يطيعها، وإنما تطيع من يأتي على رغبتهم في الكفر بالله والشرك بالله. وكانت الكهانة سوقًا رائجة عند العرب في الجاهلية، وكان الكُهّان لهم شأن عند العرب، كل قبيلة لها كاهن يتحاكمون إليه، وكانت الشياطين تسترق السمع،
[ ١ / ٣٦٦ ]
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافًا فسأله عن شيء فصدّقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا".
_________________
(١) وتُخبر به هؤلاء الكُهّان، فلما أراد الله بعثة نبيه محمدًا ﷺ حُرست السماء بالشُّهب، ومنعوا من استراق السمع. كما قال تعالى حكاية عن الجن في أول سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ . فلما بعث الله نبيّه محمّدًا ﷺ قَلّت الكِهانة عمّا كانت عليه في الجاهلية، وذلك لظهور الإسلام، ومعرفة الحق من الباطل، لكن لهم وجود مستمرّ إلى يومنا هذا. وكلما فشا الجهل في الأمة ظهر الكُهّان، وكلما كثر العلم والتمسك بالدين والعقيدة الصحيحة قلّ الكُهّان، أو انقرضوا. فالجهات التي فيها توحيد، وفيها إسلام صحيح، لا يوجد فيها كُهّان، وإن وُجدوا فإنهم لا يظهرون، ولا يُعرفون إلاَّ نادرًا. أما المجتمعات الهمجيّة، والمجتمعات التي فشا فيها الجهل والخرافات، فإن الكُهّان يكثرون فيها، وتكون لهم سوق رائجة فيها، كما كانت لهم في الجاهلية. فمن أجل ذلك عقد الشَّيخ ﵀ هذا الباب في موضوع الكُهّان، وبيان حكمهم، وحكم من يأتي إليهم وحكم من يسألهم ويصدّقهم؛ من أجل أن يكون المسلمون على حذر منهم، وأن لا يغتروا بهم، ولو ظهروا للناس باسم أطبّاء أو معالجين أو أصحاب خِبرة، فإن هذه الأسماء أسماء خدّاعة، لا تغيّر الحقيقة، فالكاهن كاهن مهما تسمّى بالأسماء التي يستتر بها. قال: "روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ" ورد في رواية أخرى بأنها حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄. "عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرَّافًا" العرّاف قيل: هو الذي يُخبر عن الأمور الغائبة عن طريق الحَدْس والتّخمين والظّن. وقيل: هو الكاهن. فلا فرق بينهما -كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-؛ أن العرَّاف اسم عام يدخل فيه كلّ من أخبر عن المغيّبات، سواء عن طريق الشياطين، أو عن طريق الحَدْس والتّخمين،
[ ١ / ٣٦٧ ]
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ" رواه أبو داود.
_________________
(١) أو عن طريق الخطّ في الرّمل، أو قراءة الكف والفِنْجَان، أو غير ذلك. "فصدَّقه بما يقول لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا" هذه اللَّفظة (فصدَّقه) ليست في صحيح مسلم، وإنما وردت في رواية الإمام أحمد في المسند، والذي في صحيح مسلم: "من أتى عرَّافًا لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا"، فالحكم مرتّب على مجيء العرَّاف فقط، لأن إتيان العرّاف والذهاب إليه جريمة ومحرم حتى ولو لم يصدِّقه. ولهذا لما سأل معاوية بن الحكم رسول الله ﷺ عن العرَّافين قال: "لا تأتهم" فالنبي ﷺ نهاه عن مجرّد إتيانهم. فهذا الحديث يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين، حتى ولو لم يصدِّقهم، ولو قال: أنا أذهب من باب الإطلاع، فهذا لا يجوز. "لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا" في رواية: "أربعين يومًا وليلة". فدلّ هذا على شدّة عقوبة من يأتي العرَّاف، وأن صلاته لا تُقبل عند الله، ولا ثواب له عند الله فيها، وإن كان لا يؤمر بالإعادة، لأنه صلّى في الظاهر، لكن فيما بينه وبين الله صلاته لا ثواب له فيها لأنها غير مقبولة. وهذا وعيد شديد يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين مجرّد الذهاب، ولو لم يصدِّق، أما إذا صدّقهم فسيأتي في الأحاديث ما عليه من الوعيد الشديد، والعياذ بالله. قال: "وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا إلخ" هذا الحديث فيه شيئًان: الشيء الأول: المجيء إلى الكاهن. والشيء الثاني: تصديقه بما يخبر به من أمر الكِهانة. وحكمه: أنه يكون كافرًا بما أنزل على محمَّد ﷺ، لأنه لا يجتمع التصديق بما أنزل على محمَّد والتصديق بما عند الكُهّان من عمل الشياطين. ضدّان لا يجتمعان، لا يمكن أن يصدِّق بالقرآن ويصدِّق بالكِهانة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وللأربعة والحاكم- وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: "من أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ".
ولأبي يعلى بسند جيّد عن ابن مسعود مثله موقوفًا.
_________________
(١) وظاهر هذا أنه يخرج من الملّة. وعن أحمد روايتان في نوع هذا الكفر: رواية أنه كفر أكبر يُخرج من الملّة. ورواية أنه دون ذلك. وفيه قول ثالث: وهو التوقّف، وأن يُقرأ الحديث كما جاء من غير أن يفسِّر بالكفر الأكبر أو الكفر الأصغر، فنقول ما قاله الرسول ﷺ ويكفي. ولكن الظاهر- والله أعلم- هو القول الأول؛ أنه كفر يُخرج من الملّة، لأنه لا يجتمع التصديق بالقرآن والتصديق بالكهانة، لأن الله أبطل الكِهانة، وأخبر أنها من عمل الشياطين، فمن صدّقها وصوّبها كان كافرًا بالله كفرًا أكبر. هذا هو الظاهر من الحديث. قال: "وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما- عن أبيص هريرة: من أتى عرَّافًا أو كاهنًا الخ" في هذا الحديث جمع بين الاثنين: العرَّاف والكاهن، فإذا جُمع بينهما فالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب ما تُلقيه عليه الشياطين. وأما العرّاف فهو الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب الحَدْس والتّخمين والخطّ في الأرض، وما أشبه ذلك. فإذا ذُكر الاثنان جميعًا صار لكل واحد معنى. أما إذا ذُكر الكاهن وحده دخل فيه العرّاف، وإذا ذُكر العراف وحده دخل فيه الكاهن. قال: "ولأبي يعلى" أبو يعلى هو: أبو يعلى الموصلي، الإمام الحافظ. "بسند جيّد عن ابن مسعود مثله" أي: مثل حديث أبي هريرة: "من أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ" إلاَّ أنه موقوف على ابن مسعود، ولم يُرفع إلى النبي ﷺ، والموقوف: ما كان من كلام الصحابي. فهذا يؤيّد ما سبق.
[ ١ / ٣٦٩ ]
الأحاديث كلها تدل على تحريم الذهاب إلى الكهان والعرّافين، وتصديقهم بما يقولون.
فقد دلت هده الأحاديث على مسائل:
المسألة الأولى: بُطلان الكِهانة ومشتقّاتها من العِرافة وغير ذلك من دعاوى علم الغيب، وأن هذا كله باطل، لأن الغيب لا يعلمه إلاَّ الله ﷾، قال تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾، والنبي ﷺ يقول الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، فالرسول لا يعلم الغيب إلاَّ ما علمه الله، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾، فقد يطلع الله أنبياءه على شيء من الغيب من أجل إقامة الحجّة على الخلق، وتكون معجزة لهذا الرسول.
المسألة الثانية: في الحديث دليل على وجوب تكذيب الكُهّان ونحوهم، وأن لا يقع في نفس الإنسان أدنى شك في كذبهم، فمن صدّقهم، أو شك في كذبهم، أو توقّف؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ، لأنه يجب الجزم بكذبهم.
المسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم الذهاب إلى الكهّان ولو لم يصدِّقهم، وأنه إذا فعل ذلك لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا.
المسألة الرابعة: فيه دليل على أن تصديق خبر الكُهّان كفر بما أنزل الله على رسوله محمَّد ﷺ، والذي أنزل الله على رسوله هو الكتاب والسنّة.
المسألة الخامسة: تدلّ هذه الأحاديث على وجوب معاقبة الكهان ومن يذهب إليهم من قِبَل ولاة الأمور، لأجل إراحة المسلمين من شرّهم، ووقاية المجتمع من خطرهم، لأن خطر الكُهّان في المجتمع خطر شديد يقضي على عقيدة التّوحيد، وينشر الخوف والرّعب بين الناس، لأن هؤلاء الكُهّان يُرهبون النّاس بما يقولون لهم من الكذب والوعيد والترهيب حتى يخيفوهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، يعني: خوفًا.
فهؤلاء وجودهم في المجتمع يسبب الإرهاب، ويسبب التشويش على عقول الناس، والخوف، ويروِّجون الكذب والشر، حتى يُصبح النّاس في خوف وقلق
[ ١ / ٣٧٠ ]
عن عمران بن حصين مرفوعًا: "ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له، أو تَكَهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ" رواه البزار بإسناد جيد.
_________________
(١) بسبب الكهّان، يأتونهم ويقولون لأحدهم: إن فلانًا عمل لك سحرًا، أو ربطك، أو ربط فيك الجن، أو غير ذلك من أكاذيبهم وإرجافاتهم. قال: "وعن عمران بن حصبن مرفوعًا: "ليس منا من تطيّر أو تطيّر له" الطيرة: سيأتي لها باب خاص. وهذا الحديث كالذي سبقه، يدل على تحريم الكِهانة، والذهاب إلى الكهان، لأنهم يفسدون عقيدة من يذهب إليهم، وبعضهم ربما تظاهر بذكر اسم الله أو يصلي، أو غير ذلك، حتى يقول من رآه: رأيته يصلي، رأيته يذهب للمسجد. وما كل مَنْ يصلي يصير مسلمًا، قد يصلي الإنسان ويزكِّي ويصوم ويحج وهو كافر، إذا فعل ذلك نفاقًا أو ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فالكاهن لو صلى ولو صام ولو حج، ولو تصدّق ولو زكّى لا تُقبل أعماله لأنه مشرك كافر، وكذلك الساحر. وبعضهم يقول: أنا انتفعت من ذهابي إلى هؤلاء، أنا كنت مريضًا وانتفعت، وحصول الحاجة أو حصول الغرض ليس دليلًا على الجواز، فقد يُعطى الإنسان حاجته من باب الفتنة ومن باب الاستدراج والاختبار، والعبرة في كونه دلّ الدليل الشرعي على جواز هذا الشيء أو على تحريمه هذا هو الشأن. والنبي ﷺ يقول: "ليس منّا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو سحر أو سُحر له"، ويقول: "ومن أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ". ومعنى: "تكهّن" فعل الكهانة. ومعنى: "تُكُهِّن له" فعلت الكهانة من أجله بطلبه. فمن ذهب إلى الكهّان فله حالتان: الحالة الأولى: أن لا يصدِّقهم، ولكن يقول: أريد أن أرى ماذا عندهم؟. فهذا لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، لأن ذهابه إليهم محرّم، فعوقب بأنه لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا، إلاَّ إذا ذهب إليهم من أجل التثبت في شأنهم مي أجل منعهم والقضاء على فسادهم.
[ ١ / ٣٧١ ]
ورواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن من حديث ابن عباس، دون قوله: "ومن أتى " إلى آخره.
قال البغوي: "العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك".
_________________
(١) أما إذا صدّقهم فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ، فهو لا يرجع سالمًا أبدًا، ممّا يدل على تحريم الذهاب إلى الكُهّان والمشعوذين والمدجِّلين. وقوله "رواه البزّار بإسناد جيِّد" البزّار هو: أبو بكر أحمد البزّار،: صاحب "المسند" المعروف بـ "مسند البزّار"، وهو إمامٌ جليل، توفي على رأس القرن الثالث ﵀، ومسنده يعرف عند العلماء بـ "مسند البزّار". وقوله: "ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عبّاس" أي: روى الطبراني هذا الحديث الذي رواه عمران بن حُصين من حديث ابن عباس. "دون قوله: ومن أتى" إلى آخره" يعني: روى منه أوله: "ليس منا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو تطيّر أو تُطيِّر له، أو سحر أو سُحر له"، وبإسناد حسن، فهو يؤيِّد رواية البزّار عن عمران بن حُصين. ثم ذكر الشَّيخ ﵀ تفسير هذه الألفاظ التي وردتْ في الباب نقلًا عن "البغوي" وهو: الإمام الحافظ الجليل، محيي السنّة، الحسين بن مسعود البغوي، نسبة إلى "بَغْ" من بلاد المشرق، لأنها من حرفين، فإذا نُسب إلى اسم من حرفين تُزاد فيه (واو) فيقال: (بغوي) مثلًا. وهو: إمام جليل، سلفي العقيدة، وله مؤلَّفات جليلة، منها: "تفسير البغوي" المطبوع المعروف المتداوَل، وهو يشبه "تفسير ابن كثير" في التحقيق والأصالة وسلامة العقيدة، إلاَّ أنه أخصر من "تفسير ابن كثير"، ومنها: "شرح السنّة" الذي يتكوّن من حوالي أربعة عشر مجلّد، وقد طُبع والحمد لله، ومنها: "مصابيح السنّة" التي رتّبها وزاد عليها التِّبْريزي في كتاب "مِشْكاة المصابيح". فهو إمامٌ جليل ﵀، وهو من أئمة الشافعية ويُلقّب بمحيي السنّة، لأنه إمامٌ مجدِّد ﵀.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: العرّاف: اسم للكاهن والمنجّم والرمّال ونحوهم؛ ممن يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق".
_________________
(١) "العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدِّمات يستدلُّ بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك" وهذا من الشيطان، فالشياطين تأتيه بذلك، لكن يتظاهر بعمل أشياء يظن النّاس أنّ هذه الأشياء من الأمور المباحة، لكن هذه رموز فقط، وإلاَّ في الحقيقة هو يتعامل مع الشيطان، وإلاَّ ما الذي يدريه عن مكان المسروق، وما الذي يدريه عن مكان الضالّة لولا أنه يتعامل مع الجن ومع الشياطين. قال: "وقيل: هو: الكاهن" أي: العرَّاف والكاهن سواء، لأنّ كلًاّ منهما يخبر عن الأمور الغائبة بواسطة الشياطين، فكلهم عملاء للشياطين، وإنِ اختلفوا في الاسم، هذا عرّاف، وهذا كاهن، فالمعنى واحد، والمهنة واحدة، وهي ادّعاء علم الغيب، وإن اختلف اللفظ. "والكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيِّبات في المستقبل" بسبب أن الشياطين تُخبره بما تعلَم ممّا لا يعلمه الإنسان، لأن الشياطين تدري عن أشياء لا يعرفها الناس، فيخبرون النّاس في مقابل إن النّاس يخضعون لهم، ويفعلون ما يطلبونه منهم من الشرك والكفر بالله ﷿، ويتقرّبون إليهم، فإذا تقرّب الإنسي إلى الجنيّ بما يريد خدمه الجني بما يطلبه منه من الأمور الغائبة. "وقيل: هو الذي يُخبر عمّا في الضمير"يعني: عمّا في النفس، ولا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله ﷾، لكن الشيطان قد يعرف شيئًا من هواجس الإنسان، لأنه هو الذي يوسوس للإنسان، ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيعرف الشيطان من الإنسان ما لا يعرفه الإنسان عن الإنسان. هذا تفسير البغوي ﵀. قال: "وقال أبو العبّاس ابن تيمية" أبو العبّاس هذه كنيته، وليس له ابن اسمه
[ ١ / ٣٧٣ ]
العباس، لأنه لم يتزوّج ﵀، ولكن يجوز أنّ الإنسان يُكَنَّى بأبي فلان ولو لم يكن له ابن.
وهو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، شيخ الإسلام، الإمام المجدِّد المشهور، الذي نفع الله بعلومه، ولا يزال نفعه مستمرًَّا ولله الحمد، وكتبه لا تزال موضع تنافُس طلاب العلم للحصول عليها والإطلاع عليها، وهذا ممّا كتبه الله من الكرامة لهذا العالم الجليل؛ لصدْق نيّته، وإخلاصه وجهاده في سبيل الله ﷿، وصبره واحتسابه.
قال: "العرّاف: اسم للكاهن والمنجِّم والرمّال ونحوهم " لأن كلمة العرّاف عامّة، يدخل تحتها كل من يدّعي معرفة المستقبل، سواءٌ بِكِهانة أو بتنجيم، أو بخط في الرمل، فكلهم يتعاملون مع الشياطين ويتقربون إليهم. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾، وهذا يدخل فيه الكاهن والمنجِّم والرمّال والعرّاف، كلهم يدخلون تحت كلمة ﴿أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وتتنزّل عليهم الشياطين، بخلاف الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فإنهم تتنزّل عليهم الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾، يعني: القرآن، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾، فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- تتنزّل عليهم الملائكة من الرحمن، وأما الكهّان فتتنزّل عليهم الشياطين.
فهذا يشمل كل من يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق ممّن يُخبر عن هذه الأشياء بتلك الأمور التي يسمونها خطًّا في الرمل، إلى آخره.
فهذا تفسير جامع.
وأما اختلاف الوسائل؛ هذا يستعمل كذا، وذا يستعمل كذا فلا عبرة بها، لأن النتيجة وهي ادّعاء علم الغيب؛ نتيجة واحدة.
والذي يهمنا النتيجة والحكم، فالنتيجة: الإخبار بعلم الغيب، وادعاء مشاركة الله ﷾ في علم الغيب.
والحكم: أن كل هؤلاء كفرة، لأنهم يدّعون مشاركة الله تعالى في صفة من أعظم صفاته وهي علم الغيب.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أبا جاد)، وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق".
_________________
(١) قال الشَّيخ ﵀ "وقال ابن عبّاس في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم" (أبا جاد) المراد بها: حروف الجُمَّل، التي هي: (أبْجَدْ، هَوِّزْ، حُطِّيْ، كَلِمَنْ) إلى آخره، وهي حروف مقطّعة يكتبونها لتمييز الجمل، والمشعوذ إذا كتب هذه الحروف قال: يحدث كذا ويكون كذا. وهذه في الحقيقة طلاسِم. وهؤلاء هم الذين قال فيهم عبد الله بن عباس ﵁: "ما أرى مَنْ فعَل ذلك" أي: كتب هذه الحروف، ونظر في النجوم، وأخبر أنه سيحدث كذا وكذا. "له عند الله من خَلاق" أي: ليس له نصييبٌ من الجنّة عند الله ﷿، ومعناه: أنه كافر، لأن الذي ليس له عند الله مِنْ خلاق هو الكافر، كما قال تعالى في السَّحَرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . فهذا حكم عبد الله بن عبّاس ﵁ على أصحاب الطلاسم الذين يكتبون الحروف المقطّعة، وينظرون في النجوم، ويقولون: سيحدث كذا. فهذا من ادّعاء علم الغيب، وهو طريقة من طرق الكِهانة أو العِرافة أو التنجيم أو السحر، سمِّها ما شئت، لا يهمّنا الأسماء، الذي يهمّنا النتيجة والحكم الشرعي. أما الذي يكتب (حروف الجُمل) لتمييز الجُمَل فقط وهو تمييز الفقرات؛ فهذا لا بأس به، مثلًا يقول: الفقرة (أ)، الفقرة (ب)، الفقرة (ج)، الفقرة (د) لا يدّعي به علم الغيب، وإنما يريد ترتيب الجمل فقط. والحاصل؛ أن هذا بابٌ عظيم؛ لأنه يعالج أمراضًا واقعة في العالم اليوم، لا أقول في العالم الكافر، لأنه ليس بعد الكفر ذنب، لكن في العالم الإسلامي، وربما يسمونه أعمالًا رياضية وفنونًا تشكيلية، ووُجود هذا الوباء؛ وباء السحرة والمشعوذين والدّجالين والكَهَنة والمنجِّمين، ويسمون هذا من باب الفنون، أو يسمونهم بأسماء تدلُّ على تبجيلهم، وعلى أنهم أصحاب علم، وأصحاب خبرة، أو أشد من ذلك يدّعون أنهم أولياء الله، وأنّ هذه كرامات تدلُّ على أنهم من أولياء الله، وهذه ليستْ كرامات، وإنما هي خوارق شيطانية، لأن الكرامات هي التي تجري على أيدي الصالحين، وليس لهم فيها تصرُّف منهم، وإنما هي من الله ﷾.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فالكرامات تجري على أيدي رجال صالحين مستقيمين على الكتاب والسنّة. والخوارق الشيطانية تجري على أيدي كفرة مشعوذين.
وأيضًا الكرامات لا صنع للآدمي فيها، وإنما يجريها الله ﷾، بخلاف هذه الخوارق الشيطانية، فهي حِيَل ومِهَن وحِرَف وتدجيل يعملونه هم، ويتظاهرون أمام النّاس أنه بسبب هذه الأشياء حصل ما حصل. وهو في الحقيقة إنما هو من عمل الشياطين الذين لا يراهم الناس.
فالحاصل؛ أنّ هذا بابٌ عظيم، ويشتمل على علاج لمرض خطير يتفشّى الآن في العالم الإسلامي، وهو مرض الكهنة والسحرة والمنجِّمين والعرّافين؛ الذين صار لهم صوْلة وجولة في العالم، وأشدّ من ذلك إذا ادُّعِي أن هؤلاء من أولياء الله، وأنّ هؤلاء لهم كرامات، مع أنهم كفرة لا يصلون ولا يصومون ولا يتطهّرون من الجنابة!، وربما يقولون: هذا دليل على كرامتهم، وكونه لا يصلي لأنه وُضِعَتْ عنه التكاليف، ووصل إلى الله، والتكاليف هذه على النّاس العوام!!
فالحاصل؛ أن هذا الباب إذا تأمّلته وجدت أن الشَّيخ ﵀ لم يكتبه من فراغ، وإنما كتبه ليعالِج به أمراضًا متفشِّية، وازدادت الآن بحكم تأخر الزمان، وبحكم فُشُوُّ الجهل، وبحكم تقارب العالم وارتباط بعضه ببعض، وسريان الشرور في العالم بسرعة.
فيجب على طلبة العلم أن يتنبّهوا لهذه الأمور ويقوموا بالتحذير منها وإنكارها، لأن أكثر النّاس سُذَّج لا يعرفون هذه الأمور، فيغرِّرون بهم.
وأيضًا هم محتاجون للعلاج من الأمراض، فيقولون: هذه فيها منافع، وفيها علاج، ولا يدرون أن المضار التي فيها أكبر من المنافع، إن كان فيها منافع أو يدخلونها في قسم الفنون والمهارات.
فيجب على طلبة العلم أن يهتمُّوا بهذا الأمر وأن يتفهّموا هذا الأمر، ويتفقهوا فيه، ويعالجوا هذه الأمراض المتفشيِّة التي تقضي على العقيدة، وتقضي على دين الإسلام، والعياذ بالله.
[ ١ / ٣٧٦ ]