* باب قول الله تعالى
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ .
_________________
(١) أراد الشيخ ﵀، بهذا الباب أن يبين أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من المِلة، كما كان عليه المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ . ولَمّا كانت المحبة من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وكان من أحب مع الله غيره مشركًا الشرك الأكبر؛ ناسب أن يذكر الشيخ ﵀، هذا الباب في "كتاب التّوحيد"؛ لينبه على هذه المسألة المهمّة. والمحبة- كما ذكر العلماء- تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة العبودية، وهذه يجب أن تكون خالصةً لله ﷿، ومحبة العبودية هي التي يكون معها ذل للمحبوب. وهذه لا يجوز صرفها لغير الله، كما لا يجوز السجود لغير الله والذبح لغير الله والنذر لغير الله فإنه لا تجوز محبة غير الله محبة عبودية يصحبها ذلٌّ وخضوع وطاعةٌ للمحبوب، وإنما هذه حقٌّ لله ﷾. ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀ في "النونية": وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذلُّ عابده هما قطبان وعليك فَلَك العبادة دائر وما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان ويقول العلماء في تعريف العبادة هي: غاية الذل مع غاية الحب. فالعبادة تترّكز على ثلاثة أشياء: على المحبة، وعلى الخوف، وعلى الرجاء. فالمحبة والخوف والرجاء هي ركائز العبادة وأساسها، فإذا اجتمعتْ تحقّقت العبادة ونفعت كالصلاة والحج وسائر العبادات، أما إذا اختلّتْ هذه الثلاثة فإن الإنسان وإن صام وإن صلى وإن حج فإنها لا تكون عبادته صحيحة. ويقول العلماء: "من عبد الله بالمحبة فقط فهو صوفي"، لأن الصوفية يزعمون
[ ٢ / ٣٦ ]
أنهم يعبدون الله لأنهم يحبونه فقط، ويقولون: لا نعبده نخاف من ناره ولا نرجو جنته، وإنما نعبده لأننا نحبه. وهذا ضلال.
"ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ" لأن المرجئة يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان.
"ومن عبد الله بالخوف فقط فهو خارجي" لأن الخوارج يكفرون المؤمنين بالمعاصي.
فالمرجئة أخذوا جانب الرجاء فقط، والصوفية أخذوا جانب المحبة فقط، والخوارج أخذوا جانب الخوف فقط.
وأهل السنّة والجماعة جمعوا بين الأمور الثلاثة -ولله الحمد-: المحبة مع الخوف والرجاء والذل والانقياد والطاعة، وبنوا على ذلك سائر أنواع التعبُّد والتقرُّب إلى الله ﷾.
النوع الثاني: محبة ليستْ محبة عبودية وهي أربعة أقسام:
القسم الأول: محبة طبيعية كمحبة الإنسان للطعام والشراب والمشتهيات المباحة، كالزوجة والملذات.
القسم الثاني: محبة إجلال، كمحبة الولد لوالده غير المشرك والكافر، فالولد يحب والده محبة إجلال وتكريم واحترام لأنه والده المحسن إليه والمربِّي له. وهذه محمودة ومأمور بها.
القسم الثالث: محبة إشفاق، كمحبة الوالد لولده، فالوالد يحب ولده محبة إشفاق.
القسم الرابع: محبة مصاحبة، كأن تحب شخصًا من أجل مصاحبتك له، إما لكونه زميلًا لك في العمل، أو شريكًا في تجارة، أو صاحبًا لك في سفر، فأحببته من أجل المشاركة في شيء من الأشياء.
هذه الأقسام ليستْ من أنواع العبادة، لأنها ليس معها ذلّ، وليس معها خضوع.
[ ٢ / ٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: المشركين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ﴾ أي: غير الله، ﴿أَنْدَادًا﴾ الند هو: الشبيه والنظير والعديل، سُمُّوا أندادًا لأنهم ساووهم بالله، فصاروا أندادًا لله بمعنى: شركاء مساوين له في اعتقاد المشركين.
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ أشركوهم مع الله في محبة العبودية، فعبدوا الأصنام والأوثان لأنهم يحبونها محبة ذل وانقياد وخضوع وطاعة فأشركوا في أعظم أنواع العبادة، وهو المحبة.
فالمشركون يحبون الله لأنهم يعترفون بربوبيته وخلقه لهم، فهم يحبونه، لكنهم لم يخلصوا محبتهم، بل أشركوا معه آلهةً أخرى يحبونها مع الله محبة عبودية وخضوع وذلُّ وتقرُّب إليها بالعبادة.
هذا هو الوجه الصحيح في تفسير الآية؛ أن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره من الأصنام والأوثان كما يحبُّون الله، فيعادِلون بين محبة الله ومحبة الأصنام ومحبة الأوثان.
ولا يزال المشركون على هذا، فالذين يعبدون القبور والأضرحة يحبُّونها، ولهذا يغارون ويغضبون إذا قيل لهم إن هذه المعبودات باطلة لا تُغني عنكم شيئًا، ولا تنفعكم بل تضركم فهم يغضبون، بل قد يقاتلون دونها، لأنهم يحبونها ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ أي: كما يحبون الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الذين أخلصوا المحبة لله وهم المؤمنون، هؤلاء أشدُّ حبًّا لله من محبة المشركين لله، لأن محبة المؤمنين خالصة ومحبة المشركين مشتركة، والمحبة الخالصة أشدُّ وأقوى من المحبة المشتركة، وهذه المحبة هي التي تنفع، أما محبة المشركين لله فإنها لا تنفعهم ما داموا يحبون مع الله غيره فلم يُخلصوا في محبتهم.
فدلت هذه الآية الكريمة على أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فيها فقد أشرك بالله الشرك الأكبر واتّخذ هذا المحبوب نِدًّا، أي: شريكًا مع الله ومعادِلًا لله ومساوِيًا لله، كما يقول أهل النار
[ ٢ / ٣٨ ]
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ .
_________________
(١) يوم القيامة لمن أشركوهم مع الله: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. هذه الآية فيها: أن من قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فإنه متوعّد بهذه الوعيد ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ حتى يأتيكم الله بالعقوبة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سمّاهم فاسقين، والفسق هو: الخروج عن طاعة الله جل وعلا، ومعنى ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لا يوفقهم للإيمان، مثل قوله: ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالمين﴾، ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ . فالهداية المنفية هنا: هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فهذه موجودة، فالله هدى كل النّاس، بمعنى: أنه بيّن لهم طريق الخير من طريق الشر، هدى الكفار وهدى المؤمنين بمعنى: بيّن لهم طريق الخير وطريق الشر. أما هداية التوفيق والإيمان فهي خاصة بالمؤمنين. أما الكافرون- إذا أصرُّوا على كفرهم وأصروا على طغيانهم- فإن الله يحرمهم هداية القلوب: ﴿حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، عقوبة من الله ﷾ أنّ من عاند وأصرّ بعد البيان وبعد الإرشاد وأصرّ على الباطل فإن الله يعاقبه بحرمانه من هداية قلبه، بل يزيغ ويبقى على زيغه وضلاله وعقوبة له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وأصروا على الكفر، ﴿َسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ لأنهم لم يقبلوا الهداية من أول الأمر، فلما لم يقبلوا الهداية من أول الأمر عاقبهم الله بالحرمان، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾، فالذي يتبيّن له الخير والهدى والإيمان ولم يقبل، بل يستمر على ما هو عليه من الطغيان والكفر والعناد فإنه يعاقب بفساد قلبه -والعياذ بالله- وعدم هداية قلبه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
[ ٢ / ٣٩ ]
وهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ يقول المفسِّرون: إنها نزلت في قوم من المسلمين كانوا في مكة، ولَمَّا هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة لم يهاجروا؛ لأنهم آثروا أن يبقوا في مكة محافظة على أموالهم وعلى مساكنهم وعلى أقاربهم، فهم قدّموا محبة هذه الأشياء على محبة الله ورسوله، فالله توعّدهم.
ويُروى: أنهم لَمّا أرادوا الهجرة تعلّق بهم أقاربهم وقالوا: كيف تدعوننا؟، ولمن تدعوننا؟ ولما تعلّقوا بهم، رقّوا لهم ورحموهم، فأقاموا في مكة وتركوا الهجرة إيثارًا لهذه الأشياء، فالله وبَّخهم وتوعّدهم، لأن الواجب عليهم أن يهاجروا، وأن يقدّموا الهجرة إلى الله ورسوله على هذه الأشياء كما فعل ذلك المهاجرون الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، فالمهاجرون تركوا هذه المحبوبات طاعة لله ورسوله ومحبة لله ورسوله، وإن كانوا يحبون هذه الأشياء، يحبون أولادهم، ويحبون بلدهم، ويحبون أموالهم، ولكنهم قدّموا عليها محبة الله ﷾ فهاجروا، تركوا أموالهم، تركوا ديارهم وأوطانهم، تركوا أولادهم وذرّيتهم، تركوا مساكنهم، تركوا التجارات التي لهم في مكة، كل هذا تركوه لله جل وعلا، أما هؤلاء من المؤمنين فإنهم بقوا في مكة وآثروا أن يبقوا عند أقاربهم، وأن ينمُّوا أموالهم وتجاراتهم، وأن يبقوا في مساكنهم في مكة، فتوعّدهم الله، كما قال في الآية الأخرى في الذين لم يهاجروا من المسلمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ يعني: لِمَ تركتم الهجرة؟، ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾، فالهجرة من أفضل خصال الإيمان، والمهاجر لا يهاجر للنُّزهة أو يهاجر للبلد الذي فيه سعة ورفاهية من أجل الدنيا، ولكنه يهاجر من أرض يحبها ومن بلد يحبها، وقد يترك أمواله وأولاده ويخرج محبة لله ولرسوله، هذا هو المؤمن الصادق في إيمانه.
[ ٢ / ٤٠ ]
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" أخرجاه.
_________________
(١) فقوله في هذه الأشياء إذا كانت ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿أَحَبَّ﴾ يدل على أن محبة هذه الأشياء في الأصل لا حرج فيها، فالإنسان يحب والده، ويحب ولده، ويحب أخاه، ويحب قبيلته، ويحب ماله، ويحب تجارته، ويحب مسكنه. فأصل المحبة لهذه الأشياء مباح لأنه من المحبة الطبيعية، لكن إنما يأتي اللوم إذا قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فأخّرته هذه الأشياء عن طاعة الله ورسوله، وعن الهجرة إلى الله ورسوله. قوله: "وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى كون أحبَّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" " وذلك أنه بعد محبة الله تأتي محبة الرسول ﷺ، فالأولى: محبة الله ﷿، وهي محبة عبادة، وهي الأصل والقاعدة. أما محبة الرسول ﷺ فهي تابعةٌ لمحبة الله ﷿، تأتي بعد محبة الله وكذا محبة كل ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال وهذه محبة في الله ولله فالمحبة المشروعة محبة الله والمحبة في الله، والمحبة الممنوعة هي المحبة مع الله. وتقديم ما تحبه النفس على ما يحبه الله. وقوله: "لا يؤمن أحدكم" ليس نفيًا لأصل الإيمان، وإنما هو نفيٌ لكمال الإيمان، أي: لا يكمُل إيمان أحدكم هذا إذا كان يحب الرسول ﷺ ولكن لا يقدم محبته على محبة غيره من الخلق. أما إذا كان الإنسان لا يحب الرسول ﷺ أصلًا، بل يبِغض الرسول، فهذا كافر، أما الذي يحب الرسول ﷺ، ولكنه يقدِّم محبة ولده ووالده على محبة الرسول ﷺ، فهذا ناقصُ الإيمان، بل لا يكمُل إيمان العبد ولا يتم حتى يكون الرسول ﷺ أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، وأحب إليه من ولده الذي هو بضْعَةٌ منه وجزءٌ منه، وأحب إليه من والده الذي هو أصله والمحسِن إليه، وأحب إليه من النّاس أجمعين أيًّا كانوا. وهذا يقتضي أن الإنسان يقدِّم طاعة الرسول ﷺ على طاعة غيره: فإذا أمرك الرسول ﷺ بأمر وأمرك والدك أو ولدك أو أحد من النّاس بأمر يخالف أمر
[ ٢ / ٤١ ]
الرسول ﷺ فإنه يجب عليك معصية هذا الآمر وطاعة الرسول ﷺ، وهذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ، أن لا تقدّم على محبته شيئًا، ولا تقدّم على طاعة الرسول شيئًا، فإذا أمرك أحد بمخالفة الرسول ﷺ فلا تطعه ولو كان أقرب النّاس إليك ولو كان أحب النّاس إليك، فطاعة الرسول ﷺ مقدَّمة، وهي ثمرة محبته ومن علامات محبة الرسول ﷺ ترك ما لم يشرعه الرسول من البدع والمحدثات لقول النبي ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود عليه عمله هذا.
أما الذي يدّعي أنه يحب الرسول ﷺ ويُقيم الموالد والاحتفالات المبتدعة، والرسول ﷺ ينهاه عن البدع والمحدثات، فلا يطيعه، وإنما يطيع المخرِّفين والدجَّالين في هذا، فهذا كاذبٌ في محبّته للرسول ﷺ، لأن الرسول ﷺ نهى عن البدع والمحدَثات والخُرافات ولو كان النّاس عليها ولو كان عليها أبوك أو ابنك أو أقرب النّاس إليك، فمن كان عنده بدعة ومخالفة للرسول ﷺ وجب عليك معصيته، فإذا أطعته فإن هذا دليل على عدم صدق محبتك للرسول ﷺ.
فالحاصل؛ أنه ليس الدليل على محبة الرسول ﷺ دعوى تُقال، أو احتفال يُقام، لأن الدليل على محبة الرسول ﷺ: متابعته، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع ﵊. هذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ، ونحن لا نقبل الدعوى، وإنما نقبل الدليل على الدعوى.
فالذين يعملون بالسنّة ويتركون البدع فهذا دليلٌ على محبتهم للرسول ﷺ، أما الذين يدّعون أنهم يحبُّون الرسول ﷺ ولكنهم يخالفونه فيرتكبون ما نهى عنه ويتركون ما أمر به طاعةً لأنفسهم أو طاعة لغيرهم فإن هذا دليل على عدم صدقهم في محبتهم للرسول ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" بل ومن نفسه.
فإذا أراد أحدٌ منّا أن يختبر إيمانه فلينظر إلى موقع هذا الحديث منه ويطبِّقه على نفسه، هل هو يحب الرسول، أحب إليه من نفسه، هل يحب الرسول أحب إليه من والده وولده والنّاس أجمعين؟، فإن كان كذلك فهو يحبُّ الرسول ﷺ، والدليل
[ ٢ / ٤٢ ]
ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار".
_________________
(١) على ذلك- كما ذكرنا-: الموافقة للرسول ﷺ بتنفيذ أوامره وترك نواهيه واجتناب البدع والمحدثات التي نهى عنها رسول الله ﷺ ولو كان عليها أقرب النّاس إليه أو أحب النّاس إليه، يتركها طاعةً لله وطاعةً لرسوله، ومحبةً لله ومحبةً لرسوله ﷺ. فدل هذا الحديث: على وجوب محبة الرسول بعد محبة الله ﷿، وأن محبة الله ومحبة رسوله تقتضيان المتابعة للرسول ﷺ وعدم المخالفة، وأنه لو أمرك أيُّ أحدٍ من الناس بأمر يخالف أمر الرسول ﷺ وجب عليك معصيته ورفض ما يأمرك به، والأخذ بأمر الرسول ﷺ، فكما تجب محبة الله ﷿ تجب محبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . قوله: "أخرجاه" يعني: أخرجه البخاري ومسلم. "ولهما" أي: البخاري ومسلم. "عنه" أي: عن أنس ﵁. "قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث" " أي: ثلاث خصال. "مَنْ كُنّ فيه" اجتمعن فيه، ووُجدن فيه. "وجد بهنَّ حلاوة الإيمان" هذا من ثمرات محبة الله ورسوله. و"حلاوة الإيمان" أي: لذّته، لأن الإيمان الصادق له لذّة في النفوس، وله طُمأنينة في القلوب، هذا هو الإيمان الصادق: تجد المؤمن يتلذّذ بالإيمان، ويَطْعَم الإيمان أكثر ممّا يَطْعَم أيَّ أنواع الملذّات. الخصلة الأولى: "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما" أي: أحب إليه من نفسه، وأحبّ إليه من كل شيء، ومن الوالدين والأولاد والأقارب والأصدقاء وسائر النّاس. وهذا يقتضي تقديم قولهما على قول كل أحد. الخصلة الثانية: "وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله" أي: يحب الإنسانَ من بني
[ ٢ / ٤٣ ]
آدم "لا يحبه إلاَّ لله"، لا يحبه من أجل طمع دنيا أو عَرض عاجل، هانما يحبه لله لأنه مطيعٌ لله، لأنه مؤمن، لأنه تقي. أما الذي يحب الشخص من أجل الدنيا أو من أجل الأطماع أو الشهوات أو الأغراض، فهذه محبة لا تنفعه عند الله شيئًا.
وهذا فيه فضل المحبة في الله بين المؤمنين، والمحبة في الله أوثق عُرى الإيمان- كما في الحديث: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله"، ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلاَّ ظله: "رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه"، وفي الحديث الصحيح: "أن رجلًا خرج إلى قرية ليزور أخًا له في الله فأرصد الله على مَدْرَجته" أي: طريقه "ملكًا" ليختبره، فلما مرّ عليه "قال له الملَك: أين تُريد؟، قال: أُريد قرية كذا وكذا، قال: وما غرضك فيها وما شأنك؟، قال: لأن فيها أخًا لي في الله أحبْبتُ زيارته، فقال له الملَك: هل له عليك نعمة تربُّها؟ " يعني: هل هو قد أحسن إليك وأنت تحبُّه من أجل صنيعه معك ومعروفه معك، "قال: لا، إلاَّ أني أحببته في الله "يعني: ما زرته ولا خرجتُ إليه إلاَّ لأني أحبه في الله، لا من أجل أنه أحسن إليَّ أو من أجل أنه أعطاني شيئًا أو منّ عليَّ بشيء، "فقال له الملك: إني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحبَبْته فيه".
كثيرٌ من الناس يتحابُّون ويتآلفون من أجل أمور الدنيا، من أجل الرجاء والطمع وغير ذلك، إن أحسن إليه وأعطاه شيئًا أحبه، وإلاَّ فإنه لا يحبه وهذا موجود في البهائم والكلاب والقطط إذا أحسنت إليها فإنها تألفك وتحبك جِبِلّة وطبيعة، فقد جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، لكن هذا ليس فيه مزيّة، إنما المَزيّة أن تحبه لا من أجل شيء أعطاك، وإنما تحبه من أجل الله ﷿، هذه هي الدرجة العالية الرفيعة من المحبة في الله.
الخصلة الثالثة: التي يجد بهن العبد حلاوة الإيمان: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يُقذف في النار" كل النّاس ينفرون من النار - والعياذ بالله- لأنها مؤلمة، ولا أحد يصبر على حرها، فكلٌّ يفرُّ من النار ويبتعد عنها، والكفر نار، والمسلم الذي منّ الله عليه بالإسلام يكره أن يعود إلى الكفر، ويكره الرِّدّة عن دين الإسلام، كما يكره أن يُلقى في النار، هذا هو المؤمن حقًّا،
[ ٢ / ٤٤ ]
الذي تمكَّن الإيمان من قلبه فلا يساوِم عليه، ولا يتنازل عن شيء منه أبدًا مهما كلّفه الأمر، بل يتمسّك بدينه. لأنه وجد حلاوة الإيمان ولذته.
أما الذي يدّعي الإيمان ولكنه يتنازل عن الإيمان- أو عن شيء منه- من أجل الخوف أو الطمع أو غير ذلك فهذا دليل إما على عدم إيمانه أو على نقصان إيمانه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾، أما المؤمن فإنه يصبر ولو ناله شيء من المكاره، ولو حاول النّاس أن يصرفوه عن دينه، أعطوه أموالًا، وأعطوه ما يعطونه، أو حاولوا صرفه عن دينه، أو التنازل عن دينه بالتخويف والتهديد بالقتل، والتهديد بالتعذيب، فإنه يصبر، ولا يتنازل عن دينه حتى يلقى الله سبحانه متمسِّكًا بدينه، هذا هو المؤمن حقًّا.
وقوله: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار" قالوا: هذا فيه دليل على أن المكره إذا صبر على الإكراه وصبر على القتل أنه يكون من هذا النوع- ممّن وجد حلاوة الإيمان، ولَمّا وجد حلاوة الإيمان ما رضيَ أن يتنازل عنها أبدًا.
ولهذا جاء في قصة الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحدٌ حتى يقرِّب إليه شيئًا، "فقالوا لأحدهما: قرِّب"، يعني: اذبح للصنم حتى نتركك تَمُر، "فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه. فدخل الجنة"، وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ليس عندي شيء أقَرِّب. قالوا: قرِّب ولو ذبابًا، فقرّب ذبابًا فدخل النار". الأول أبى أنْ يذبح لغير الله، والثاني استجاب. فالأول قُتل ودخل الجنة، والثاني ذبح لغير الله، فمر مع الطريق ودخل النار، لأنه رجع إلى الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه، أما الأول فأبى أن يرجع إلى الكفر وصبر على القتل فدخل الجنة، وهذا الإيمان إذا باشر القلب ووجد حلاوته.
فهذا الحديث ميزان يزن العبد به إيمانه:
"أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما" فإذا عرض شيءٌ من العوارض فإنه يقدِّم محبة الله ورسوله على محبة ذلك العارض.
"وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله" لا يحبه من أجل طمع الدنيا ومرغِّباتها.
[ ٢ / ٤٥ ]
وفي رواية: "لا يجد أحدٌ حلاوة الإيمان حتى " إلى آخره.
وعن ابن عبّاس قال: "من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك.
_________________
(١) "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" قال العلماء: هذا فيه تكميل المحبة وتفريعها ودفع ضدها. فتكميل المحبة: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما. وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله. ودفع ما يضادها: يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار. فهذا حديثٌ عظيم. قوله: وفي رواية: "لا يجد أحدٌ طعم الإيمان" هذه الرواية في "صحيح البخاري" وفائدتها: أنها نَفَتْ بمنظومها وجود طعم الإيمان عمن لم يتّصف بهذه الصفات الثلاث: "أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه"، أما الرواية الأولى فهي دلّت بالمفهوم -مفهوم المخالفة- على أنّ من لم تكن فيه هذه الخصال فإنه لا يجد طعم الإيمان، وإنْ كان فيه إيمان، لكنه لا يتلذّذ به ويجد طعمه فالرواية الثانية دلّت بالمنطوق، والأولى بالمفهوم، ولهذا ساقها الشيخ ﵀، بعد الحديث. قال ﵀: "وعن ابن عباس قال: "من أحب في الله" يعني: من أجل الله، فأحب المؤمنين لأنهم أولياء الله، لا يحبهم من أجل طمع دنيا أو رغبة عاجلة، وإنما يحبهم في الله. "وأبغض في الله" أبغض الكفّار والمنافقين والعصاة من أجل الله لا من أجل أنهم ضربوه أو أنهم حرموه من شيء، أو أنهم تعدّوا عليه، أو ظلموه، لا يبغضهم من أجل هذه الأمور، لأن هذا بغض طبيعي ليس بعضًا يتعلّق بأمور العبادة. "ووالى في الله" أي: أحب وناصر. فالموالاة: المحبة والمناصرة والمعاونة. "وعادى في الله" أي: أبغض الكفار والمنافقين والفاسقين من أجل الله، لأن الله يبغضهم.
[ ٢ / ٤٦ ]
ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان- وإن كثُرت صلاته وصومه- حتى يكون كذلك.
وقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئًا" رواه ابن جرير.
_________________
(١) "فإنما تُنَال ولاية الله" ولاية الله محبته ونصرته. أما الوِلاية- بالكسر-: فهي الإمارة والوظيفة، وِلاية القضاء، وِلاية الملك، وِلاية حسبة، وولاية الله تعني: محبة الله. فمن اتصف بهذه الصفات أحبه الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، فإنما تنال محبة الله بطاعة رسوله كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾، فمن اتّبع الرسول ﷺ أحبه الله، ومن عصى الرسول ﷺ أبغضه الله. فقوله: "فإنما تُنال ولاية الله بذلك" أي لا يحصل الإنسان على محبة الله ونُصرته إلا بهذه الأمور: المحبة في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. أما الذي يتّخذ الدنيا هي المقياس عليها يعادي وعليها يوالي، من أحسن إليه أحبه ولو كان عدوًّا لله ﷿. ومن أساء إليه أبغضه ولو كان وليًا لله فهذا لا ينال ولاية الله، ولهذا قال ابن عباس في آخر الحديث: "وقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا". فابن عباس يستنكر في وقته أن الناس صاروا يوالون ويعادون من أجل الدنيا فكيف بوقتنا هذا؟، لا شك أن الأمر قد زاد، فكثير من الناس فقدوا هذه الصفات: المعاداة في الله، والموالاة في الله، والمحبة في الله، والبُغض في الله، إلا من شاء الله ﷾، ولكن قلّ هذا في الناس اليوم، لا نقول إنه مفقود، بل هو موجود -ولله الحمد، ولكنه قلّ، وما دام أنه قليلٌ فليفتّش كل واحد منا عن نفسه بأن لا يكون مع الكثرة التي ضيّعتْ هذا الأصل العظيم كالذين لا يوالون، إلا على الحزبية والمنهجية فمن وافقهم على حزبيتهم ومنهجيتهم أحبوه ولو كان عدو الله ورسوله ومن خالفهم أبغضوه ولو كان وليًا لله ورسوله.
[ ٢ / ٤٧ ]
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودّة".
_________________
(١) قال ﵀: "وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة""هذه نهاية من عبد غير الله يوم القيامة، فعبدة غير الله في الدنيا يحبون ما عبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾، وكذلك التابعون في الدنيا يحبون المتبوعين على الضلالة، فتوجد المحبة بين الكفار بعضهم مع بعض، وبين المشركين ومعبوداتهم في الدنيا، لكن يوم القيامة تنعكس الأمور، وتصير هذه المحبة عدواة كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فلا يبقى إلاَّ المحبة التي كانت في الله والله هي التي تبقى يوم القيامة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، ويقول إبراهيم - ﵊- للمشركين يحذِّرهم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فهم يوم القيامة يتلاعنون ويتباغضون، لأنهم يقولون لمن أضلوهم أنتم السبب في إضلالنا وإغوائنا وصرفنا عن دين الله. أما محبة المؤمنين بعضهم لبعض من أجل الإيمان والموالاة في الله والمعاداة في الله فإنها تبقى، بل تزيد يوم القيامة، وتستمرُّ إلى أبد الآباد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ . فدلّت هذه الآية على أن المحبة التي لغير الله أنها تزول يوم القيامة، وتنقلب عداوة، وأن محبة التابعين على الضلال لأتباعهم وقادتهم ورؤسائهم تنقلب عداوة يوم القيامة فيما بينهم ويتلاعنون ويتلاومون فيما بينهم، من باب التحسُّر- والعياذ بالله- والتألُّم. فهذا الباب بابٌ عظيم، يجب على المسلم أن يَزِن نفسه به، ولهذا يسمى بباب الامتحان، فكلٍّ يَدّعي الإيمان، وكلٌّ يَدّعي الإسلام، وكلٌّ يدّعي الزهد والورع ولكن الميزان ما ذكر في هذا الباب.
[ ٢ / ٤٨ ]