* باب قول الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية.
_________________
(١) هذا الباب عقده الشيخ ﵀ في كتاب التّوحيد من أجل بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، ومن أجل أن يبيّن التوسُّل المشروع والتوسُّل الممنوع، لأن مسألة التوسُّل ضلَّ فيها خلقٌ كثير من قديم الزّمان، فالمشركون يعبُدون غيرَ الله ويسمّون معبوداتهم وسائل إلى الله، فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، فهم لا يعبدون هذه المعبودات لذاتها، لأنّهم يعلمون أنّها لا تخلُق ولا تَرزُق ولا تُحيي ولا تُميت، وإنّما زعموا أنّها تتوسّطُ لهم عند الله ﷾، من باب الوسيلة، فردّ الله تعالى عليهم في القرآن بأنّ هذا التوسُّل وهذا العمل كفرٌ وشركٌ، وأنّه لم يَشْرَعْهُ ﷾ لعباده. وجاء مِن بعدهم القبوريُّون والصوفيّة ومن قبلهم الرّافضة والباطنيّة كلُّهم نَحَوا هذا المنحى الذي نحاه المشركون، فصاروا يعبدون الموتى، ويستغيثون بهم، ويدعونهم من دون الله، ويذبحون لهم، وينذُرون لهم، ويقولون: نحن نعلم أنّهم مخلوقون، وأنهم لا يخلُقون ولا يرزُقون، ولكننّا اتّخذناهم وسائل بيننا وبين الله، وربّما يحتجّون بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾، فظنّوا أنّ الوسيلة التي أمر الله باتخاذها إليه أنّها جعل وسائط بينهم وبين الله. وهذا فهمٌ باطل، لم يُرِدْهُ الله ﷾، بل أنكره على المشركين، وحكم بأنّه كُفر، وأنّه شرك، ونزّه نفسَه عنه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، بيَّن أنّه كفر وأنه شرك، ونزّه نفسَه عنه، فهو لم يَشْرَع لعباده أبدًا أن يجعلوا بينه وبينهم وسائط من الخلْق يبلِّغونه حاجات عبادِه، وإنما أمر بدعائه مباشَرة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
[ ٢ / ٢٠٧ ]
"ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيَه؟، هل من داعٍ فأستجيب له؟، هل من مستغفرٍ فأغفر له".
فأمر بدعائه واستغفاره وسؤاله مباشرة، لأنه ﷾: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، ويعلم أحوال عبادِه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
إنّما تُتّخذ الوسائل والوسائط عند من لا يعلم أحوالَ النّاس ولا يعلم أحوال الرعيّة من المُلوك والرؤساء من البشر الذين تخفى عليهم أحوال الرعايا وأحوال النّاس وحاجات النّاس ويحتاجون إلى مَنْ يبلِّغُهم، أما الله جل وعلا فإنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم كلَّ شيء، ويسمع كلَّ شيء، يسمع السر، ويعلم ما في القلب، ولو لم يتكلّم الإنسان، فهو ليس بحاجة إلى اتّخاذ مبلِّغين ومتوسِّطين بينه وبين عباده.
أما استدلالُهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، فالآيتان لم يُرِد منها اتّخاذ وسائط بين الله وبين عباده.
وإنّما معنى التوسُّل في اللغة: التقرُّب، يقال: توسّل إليه: تقرَّب إليه، ووسَل إليه: قَرُب منه، والواسل: اسم فاعل من وسل، هو المتقرِّب، والوسيلة هي: السبب والطريق الذي يوصل إلى الله ﷾، والذي يوصل إلى الله طاعتُه ﷾، وعبادته، وما شرعه على أَلْسُن أنبيائه ورسله. هذه الوسيلة.
والمخلوق وإن كان له منزلة عند الله كالأنبياء والرُّسل- عليهم الصلاة والسلام- والصالحين والأولياء، لكنّ الله لم يَشْرَعْ لنا أن نسأل بمكانتهم ومنزلتهم عنده، وإنما أمرنا أن نتوسّل إليه بعملنا نحن لا بعمل غيرِنا، بأن نطيع الله ونتقرّب إليه، أما أنّ فلانًا له عند الله مكانة وله جاه، فهذا ليس من عملنا وليس لنا فيه شيء، هذا خاصٌ بهم، والله لم يشرع لنا أن نسأله بجاه أحد، ولا بذات أحد، ولا بمنزلة أحدٍ عنده ﷾، هذا كلُّه باطل.
وإذا تبيَّن أنّ الوسيلة المذكورة في القرآن هي الطّاعة، وهي التي تقرِّب إلى الله ﷿ وتُدني من الله ﷿، وأن اتّخاذ الوسائط من الخلْق بين الله وبين عبادِه لم
[ ٢ / ٢٠٨ ]
يَشْرَعْهُ الله ولا رسولُه؛ وجب علينا التقرّب إلى الله بطاعته. والتوسّل بالخلق إن صحِبَه شيءٌ من التقرُّب إلى المخلوق كالذبح له والنّذر له؛ صار شركًا أكبر، وإن لم يصحبه شيءٌ من التقرُّب إلى المخلوق، وإنما هو مجرّد توسُّط بالجاه ونحوه؛ فهذا بدعة ووسيلة إلى الشرك، كالسؤال بالجاه، والسؤال بحقّ النّبي، أو بمنزلة النّبي، أو بالنّبي ذاته.
فهذا يُعتَبر بدعة في الدعاء لم يشرعها الله، وهي وسيلة من وسائل الشرك، لأنّه إذا بدأ يتوسّل بجاه المخلوق أو بمنزلته أو بحقِّه عند الله؛ فإنّه يتدرّج إلى أن يعبُد هذا المخلوق، مثل ما حصل للمشركين قديمًا وحديثًا، حيث بدأتْ مسألتهم من مجرّد التوسُّل، وانتهت بالشّرك الأكبر المخرج من المِلّة، نسأل الله العافية والسلامة.
وقد تعلّق بعض المغالطين بكلمة جاءت في بعض رسائل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀، أنه قال: "إن التوسل من مسائل الفقه والاجتهاد التي لا إنكار فيها"، هكذا قالوا!!، ونسبوه إلى الشيخ!!
والواقع أن الشيخ ﵀ فصّل فقال: "إن التوسّل الخالي من عبادة المتوسِّل به، وإنما هو توسل بحق الشخص، أو جاهه؛ فهذا بدعة، وليس بشرك. وأما التوسل الذي معناه التقرب إلى المتوسِّل به بالذبح له، والنذر له، وغير ذلك من أنواع العبادة؛ فهذا شرك أكبر".
هذا معنى ما قاله الشيخ، وهو ما قرّره المحققون من أهل العلم، وليس المراد: أن التوسل كله من مسائل الفقه؛ لأن منه ما هو شرك أكبر.
وهذا بابٌ عظيم، لأنّ هذه الشبهة ضلّ بها أكثرُ الخلق قديمًا وحديثًا، لأنّهم لم يفرقوا بين الوسيلة الممنوعة والوسيلة المشروعة.
فالتوسُّل على قسمين:
توسُّل ممنوع، وهو: التوسُّل بجاه المخلوق، أو بحق المخلوق ومنزلته، أو بذاته وهو إمّا شركٌ، وإما بدعة ووسيلة إلى الشرك.
أما التوسُّل المشروع فهو: الذي جاء في الكتاب والسنّة ذكرُه والأمرُ به، ومن
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ذلك: هذه الآيةُ الكريمة التي صدّر بها الشيخ هذا الباب: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
والتوسُّل المشروع أنواع:
النوع الأول: التوسُّل بأسماء الله وصفاته، تقول: (يا رحمن ارحمني)، (يا غفور اغفر لي)، (يا توّاب تُبْ عليّ)، (يا غنيّ اغنني)، وهكذا، تذكُر في دعائك كلَّ اسم يناسِب حاجتك.
ولا يناسِب أنك تأتي باسم غير مناسب لحاجتك: فلا تقل: اللهم اغفر لي إنّك شديد العقاب.
النوع الثاني: التوسُّل إلى الله جل وعلا بدعاء الصالحين: إذا كان هناك صالحٌ من الصالحين، حيٌّ موجود تأتي إليه وتقول: (ادعُ الله لي أن يغفر لي)، (أن يرزقني)، (أن يشفِيَني)، أو إذا قَحِطّ النّاس طلبوا من الصالحين أن يدعوا الله تعالى لهم بالغيث، فهذا مشروع.
وقد استسقى عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- بدعاء العبّاس عمّ الرسول ﷺ، وقال: "اللهم إنّا كُنّا نستسقي بنبينا فتسقينا، وإنا نستسقي بعمّ رسولك، قم يا عبّاس فادعو"، فيدعو العبّاس والنّاس يؤمنِّون.
وهذا توسُّل بدعاء الصالحين، وكما توسّل معاوية ﵁ بيزيد الجُرْشي، وغيرُهم.
أما الميِّت فلا يجوز أن تطلُب منه شيئًا، فلا يجوز أن تذهب إلى قبر الرُسول ﷺ أو قبر غيره من الصالحين وتقول: (ادعُ الله لنا)، لأنّ الصّحابة ما كانوا يذهبون إلى قبر الرّسول ﷺ، بل إنّهم لَمّا أجدبوا وما بينهم وبين قبر الرّسول إلاّ أمتار ما ذهبوا إليه، إنّما طلبوا من العبّاس، لأنّ العبّاس حيٌّ حاضر يستطيع أن يدعو، أما الرسول ﷺ فإنّه ميِّت، ولا يجوز أن يُطلب من الميِّت شيء لا دُعاء ولا غيره.
النوع الثالث: التوسُّل إلى الله بالأعمال الصالحة، مثل حديث أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة وسدّت عليهم المَخْرَجْ فكلٌّ منهم توسّل إلى الله
[ ٢ / ٢١٠ ]
بالعمل الذي قدّمه لله ﷿: هذا توسَّل بعِفّته عن الحرام، وهذا توسّل ببرِّه بوالديه، وهذا توسَّل بأمانته وحِفظه لحقّ الأجير حتى جاء وأعطَاه إيَّاه، ففرّج الله عنهم، وكما قال الله ﷾: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ توسّلوا إلى الله بإيمانِهم بالرّسول ﷺ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ توسّلوا إلى الله بإيمانهم وإتّباعهم للرّسول ﷺ. والتوسُّل بالتّوحيد: (أسألك بأنّك أنت الله لا إله إلاَّ أنت)، وكما توسّل ذو النون - ﵊- وهو في بطن الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
قال: وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ إخبارٌ من الله جلا وعلا أنّ له الأسماء وأنّها حُسنى.
والحسنى: أي: البالغة في الحُسن أعلاه، لا شيء أحسن منها، فالحسنى هي: المتناهِيّة في الحُسن، فكلُّ أسماء الله حسنى.
ولا يعلم عددها إلاّ الله ﷾ كما قال النّبي ﷺ: "أسألُك بكلّ اسمٍ هو لك سمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرْتَ به في علم الغيب عندك"، فالله جل وعلا له أسماء كثيرة، منها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علّمه بعضَ خلْقه ولم يُنزله في كتابه.
وأمّا قولُه ﷺ: "إنّ الله تسعةً وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخل الجنّة" فليس المراد الحصر، وإنّما هذه التسعة والتسعين موصوفة بأنّ مَن أحصاها دخل الجنّة، وليس المعنى: أنّها منتهى أسماء الله تعالى، وأن أسماء الله محصورة فيها.
ومعنى إحصائها: عدها، ومعرفة معناها، والعمل بمقتضاها. أما مجرّد أنه يكتُبها، أو يعدّها عدًّا فقط، وهو لا يعرف معانيها، أو أنّه يعرف معانيها لكنّه لا يعمَلُ بها فإنَّه لا يحصُل على هذا الوعد الكريم.
أما ما جاء في رواية التّرمذي من عدّ هذه الأسماء، فهذا لم يَثْبُت عن النّبي ﷺ، وإنّما هو مُدْرَجٌ في الحديث من عمل بعض الرواة.
[ ٢ / ٢١١ ]
فهذه الآية تدلُّ: على إثْبات الأسماء لله تعالى رَدًّا على المشركين وعلى الجهميّة ومَن نفى أسماءَ الله ﷾.
وفي الآية: أنها كلُّها حسنى.
وفيها: مشروعيَّة التوسُّل إلى الله تعالى بها، ودعائه بها: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ يعني: توسّلوا إلى الله بها، بأن تقول: يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا كريم أكرِمني، يا توّاب تُبْ عليّ. إلى آخره، بأنْ تأتي بكل اسمٍ يناسب حاجتك.
ثم قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ﴿وَذَرُوا﴾ يعني: اترُكوا.
والإلحاد في اللغة: المَيْل عن الشيء، ومنه سُمي اللحد في القبر لحدًا لأنّه مائل عن سَمْت القبر.
أما الإلحاد في أسماء الله: فذكروا له عدّة معانٍ:
النوع الأول: جُحودها ونفيُها كما نفتْها الجهميّة.
وهذا أعظم الإلحاد فيها، فالذي يقول: "إن الله ليس له أسماء، لأنّ الأسماء موجودة في المخلوقين، فإذا أثبتناها صار تشبيهًا".
فهذا جاحدٌ لأسماء الله، ملحِدٌ فيها- والعياذُ بالله- أعظم الإلحاد، وهذا كُفرٌ بالله ﷿.
النوع الثاني: تأويلُها عما دلّت عليه، كما فعلت المعتزلة فإنهم يُثبتون الأسماء ولكنّهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصّفات، لأنّ هذه الأسماء كلُّ اسم منها يدلّ على صفة؛ ﴿الرحمن﴾ يدلّ على الرحمة، ﴿الغفور﴾ يدلّ على المغفرة، ﴿العزيز﴾ يدلّ على العزّة والقوة والمَنَعة والغَلَبة، وهكذا، كلُّ اسم يُشتَقُّ منه صفة من صفات الله تعالى: ﴿السميع﴾ يدلّ على السمع، ﴿البصير﴾ يدلّ على البصر، ﴿العليم﴾ يدلّ على العلم، ﴿القدير﴾ يدلّ على القدرة، وهكذا، كلُّ اسم منها يدلُّ على صفة. فالذي لا يُثْبِتُ الصّفات مُلحدٌ في أسماء الله، لأنّه جحد معانيها، وجعلها ألفاظًا مجرَّدة لا تدلّ على شيء.
النوع الثالث: تسمية المخلوقين بأسماء الله، مثل ما فعل المشركون من تسمية اللات من اسم الإله، والعُزّى من اسم العزيز، فجعلوا أسماء الله أسماءً لمعبودات المشركين، وهذا من الإلحاد في أسماء الله ﷾.
[ ٢ / ٢١٢ ]
ذكر ابنُ أبي حاتم عن ابن عبّاس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: "يُشركون ".
وعنه: "سموا اللآت من الإله، والعُزّى من العزيز".
وعن الأعمش: "يُدخلون فيها ما ليس منها".
_________________
(١) النوع الرابع: أن يدخل فيها ما ليس منها. فدلّ على أنّ الذي يُنكر أسماء الله، أو يؤوِّلها بغير معانيها الصحيحة، أو يدخل فيها ما ليس منها أو يحرِّفها إلى مسمّيات الأصنام؛ أنّه ملحدٌ متوعَّدٌ بأشدّ الوعيد. ثم ذكر عن ابن أبي حاتم ﵀، عن ابن عبّاس: " ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يُشركون " أي: يُشركون في أسماء الله. "وعنه" أي: ابن عبّاس. " سَمُّوا اللآت من الإله، والعُزّى من العزيز" أي: أنهم سمّوا الأصنام الكبار المعروفة عند العرب (اللات) و(العُزّى) اشتقّوا لها من أسماء الله. "وعن الأعمش" هو: سُليمان بن مَهْران، الإمام الجليل في الحديث والفقه والتفسير. "يدخلون فيها ما ليس منها" لأنّ القاعدة في أسماء الله: أن لا يُسمّى إلاّ بما سمّى به نفسَه، أو سمّاه به رسولُه ﷺ، فما لم يسمِّ الله به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه ﷺ فلا يجوز أن يُطلَق على الله، لكن المشركون سمّوا الله بما لم يسمِّ به نفسَه، وهذا من الإلحاد في أسماء الله، كما سمّت النصارى الله ﷿ بالأَبْ. فهذه الآية الكريمة وما جاء في تفسيرها عن ابن عبّاس وعن الأعمش تدلّ على مسائل: المسألة الأولى: بيان التوسُّل المشروع، وهو التوسُّل بأسماء الله وصفاته. المسألة الثانية: بيان التوسُّل الممنوع، وهو التوسُّل إلى الله بجعل واسطة في
[ ٢ / ٢١٣ ]
الدعاء بين الداعي وبين الله ﷿، كأنه يقول: أسألُك بنبيِّك، أو بجاه نبيِّك، أو بمنزلة نبيِّك، أو ما أشبه ذلك.
المسألة الثالثة: فيه إثبات الأسماء الله ﷾.
المسألة الرابعة: أن أسماء الله كلها حسنى، قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فليس فيها اسمٌ غير حسن.
المسألة الخامسة: فيه: النّهي عن الإلحاد في أسماء الله ﷿.
المسألة السادسة: أن أسماء الله توقيفيّة، لا يجوز أن يُذكر فيها ما ليس ثابتًا في كتاب الله ولا سنّة رسوله ﷺ، لأنّ هذا من الإلحاد في أسماء الله، كما قال الأعمش: "يدخلون فيها ما ليس منها".
[ ٢ / ٢١٤ ]