الرسالة الثانية من عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للتمسك بدينه والثبات عليه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان عما يفعله بعض الجهال من دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات، كدعاء الجن والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم وشبه ذلك، ومن ذلك قول بعضهم: (يا سبعة خذوه) يعني بذلك سبعة من رؤساء الجن، (يا سبعة افعلوا به كذا)، (اكسروا عظامه اشربوا دمه مثلوا به)، ومن ذلك قول بعضهم: (خذوه يا جن الظهيرة يا جن العصر) وهذا يوجد كثيرا في بعض الجهات الجنوبية، ومما يلتحق بهذا الأمر دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين
_________________
(١) سورة الفرقان الآية ٦٨- ٧٠.
(٢) سورة الشورى الآية ٢٥.
[ ٢٠ ]
وغيرهم، ودعاء الملائكة والاستغاثة بهم، فهذا كله وأشباهه واقع من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام جهلا منه وتقليدا لمن قبله، وربما سهل بعضهم في ذلك بقوله: هذا شيء يجري على اللسان لا نقصده ولا نعتقده. وسألني أيضا عن حكم مناكحة من عرف بهذه الأعمال وذبائحهم والصلاة عليهم وخلفهم، وعن تصديق المشعوذين والعرافين، كمن يدعي معرفة المرض وأسبابه بمجرد إشرافه على شيء مما مس جسد المريض كالعمامة والسراويل والخمار وأشباه ذلك.
والجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله ﷾ قد خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء
[ ٢٢ ]
والاستغاثة والذبح والنذر وسائر العبادات، وقد بعث الرسل بذلك وأمرهم به وأنزل الكتب السماوية التي أعظمها القرآن الكريم ببيان ذلك والدعوة إليه وتحذير الناس من الشرك بالله وعبادة غيره، وهذا هو أصل الأصول وأساس الملة والدين وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله لأن معناها لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي الألوهية - وهي العبادة - عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده دون ما سواه من سائر المخلوقات، والأدلة على هذا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كثيرة جدا، منها قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (٣) وقوله:
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣.
(٣) سورة البينة الآية ٥.
[ ٢٣ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) فبين سبحانه في هذه الآيات أنه خلق الثقلين لعبادته، وأنه قضى أن لا يعبد إلا هو ﷾، ومعنى قضى: أمر وأوصى، فهو سبحانه أمر عباده وأوصاهم في محكم القرآن وعلى لسان الرسول ﵊ ألا يعبدوا إلا ربهم، وأوضح جل وعلا أن الدعاء عبادة عظيمة من استكبر عنها دخل النار، وأمر عباده أن يدعوه وحده، وأخبر أنه قريب يجيب دعوتهم، فوجب على جميع العباد أن يخصوا ربهم بالدعاء لأنه نوع من العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها، وقال ﷿:
_________________
(١) سورة غافر ٦٠.
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٦.
[ ٢٤ ]
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (١) أمر الله نبيه - ﷺ - أن يخبر الناس أن صلاته ونسكه- وهو الذبح- ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله كما لو صلى لغير الله لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم يتقرب إليهم بذلك فهو كمن صلى لغير الله.