وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﵊: «لعن الله من ذبح لغير الله» وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن طارق بن شهاب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا؟ قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار،
_________________
(١) سورة الأنعام ١٦٢-١٦٣.
[ ٢٥ ]
وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة» فإذا كان من تقرب إلى الصنم ونحوه بالذباب ونحوه يكون شركا يستحق دخول النار، فكيف بمن يدعو الجن والملائكة والأولياء ويستغيث بهم وينذر لهم ويتقرب إليهم بالذبائح يرجو بذلك حفظ ماله، أو شفاء مريضه، أو سلامة دوابه وزرعه، أو يفعل ذلك خوفا من شر الجن أو ما أشبه ذلك؟ فهذا وأشباهه أولى بأن يكون مشركا مستحقا لدخول النار من هذا الرجل الذي قرب الذباب للصنم. ومما ورد في ذلك أيضا قوله ﷿: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (١) .
وقال تعالى:
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٢-٣.
[ ٢٦ ]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (١) أخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء من المخلوقات يعبدونهم معه بالدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر ونحو ذلك زاعمين أن أولئك الأولياء يقربون من عبدهم إلى الله ويشفعون لهم عنده، فأكذبهم الله سبحانه وأوضح باطلهم وسماهم كذبة وكفارا ومشركين ونزه نفسه عن شركهم فقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] فعلم بذلك أن من اتخذ ملكا أو نبيا أو جنيا أو شجرا أو حجرا يدعوه مع الله ويستغيث به ويتقرب إليه بالنذر والذبح رجاء شفاعته عند الله وتقريبه لديه أو رجاء شفاء المريض أو حفظ
_________________
(١) سورة يونس الآية ١٨.
[ ٢٧ ]
المال أو سلامة الغائب أو ما شابه ذلك فقد وقع في هذا الشرك العظيم والبلاء الوخيم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) والشفاعة إنما تحصل يوم القيامة لأهل التوحيد والإخلاص لا لأهل الشرك، كما قال النبي - ﷺ - لما قيل له: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» وقال - ﷺ -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وأنا اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا»
_________________
(١) سورة النساء الآية ٤٨.
(٢) سورة المائدة الآية ٧٢.
[ ٢٨ ]
وكان المشركون الأولون يؤمنون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما تعلقوا على الأنبياء والأولياء والملائكة والأشجار والأحجار وأشباه ذلك يرجون شفاعتهم عند الله وتقريبا لديه كما سبق في الآيات، فلم يعذرهم الله بذلك ولم يعذرهم رسول الله - ﷺ - بل أنكر الله عليه في كتابه العظيم وسماهم كفارا ومشركين وأكذبهم في زعمهم أن هذه الآلهة تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى وقاتلهم الرسول - ﷺ - على هذا الشرك حتى يخلصوا العبادة لله وحده عملا بقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (١) وقال الرسول - ﷺ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٢٩.
[ ٢٩ ]
الله» ومعنى قوله - ﷺ -: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» أي: حتى يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وكان المشركون يخافون من الجن ويعوذون بهم فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] (١) قال أهل التفسير في الآية الكريمة: معنى قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] أي ذعرا وخوفا؛ لأن الجن تتعاظم في نفسها وتتكبر إذا رأت الإنس يستعيذون بها، وعند ذلك يزدادون لهم إخافة وإذعارا حتى يكثروا من عبادتهم واللجوء إليهم، وقد عوض الله المسلمين عن ذلك: الاستعاذة به سبحانه وبكلماته التامة، وأنزل في ذلك قوله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢) وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]
_________________
(١) سورة الجن الآية ٦.
(٢) سورة الأعراف الآية ٢٠٠.
[ ٣٠ ]
(١) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] (٢) وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ومما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم طالب النجاة والراغب في الحفاظ على دينه والسلامة من الشرك دقيقه وجليله: أن التعلق بالأموات والملائكة والجن وغيرهم من المخلوقات، ودعاءهم والاستعاذة بهم ونحو ذلك من عمل أهل الجاهلية المشركين ومن أقبح الشرك بالله سبحانه، فالواجب تركه والحذر من ذلك والتواصي بتركه والإنكار على من فعله.