فصل
ثم قال السائل: - "وكذلك نرى أن جميع ملوك الإسلام وأمرائه وأغنيائه ١ لا يحجون، ولا نرى الحجاج سواهم إلا من فقراء الهند، والصين، والروسيا، وجاوا، وبلاد العرب كمصر، وتونس، وسوريا، والعراق، وغيرها، وهذا كثير من سلاطين آل عثمان، وأمراء البيت السلطاني، وأعاظم الرجال من الوزراء، والحكام والأغنياء المشار إليهم بالبنان، كلهم لا يحجون، ولا يدور في خلد أحدهم أن يحج، فما هو السر في ذلك يا ترى؟ وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل سنتين، وكثر تحدث الناس في ذلك، حتى تَجَرّأ ٢ أحدهم فقال: - إن المقصود من حج العزيز، غرض سياسي، ورحلة في جهات الحجاز لا غير، وليس له مقصد في الحج قطعًا" إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: - ترك هؤلاء الملوك، والسلاطين، والوزراء، والأغنياء المترفين للحج لا يكون عذرًا لمن أراد ترك الحج تقليدًا لهؤلاء.
_________________
(١) ١ في الأصل: - "أمراءة وأغنياءه" ٢ في الأصل: - "تجرء"
[ ٥٧ ]
فإن الله ﷾ قد فرض الحج على جميع الناس ملوكهم، وسلاطينهم، ووزرائهم، ولم يعذر الله إلا من كان فقيرًا عاجزًا لا يستطيع إليه سبيلًا.
وأما ما ذكره من كون أكثر الحجاج من فقراء أهل الأمصار المذكورين في السؤال، لا يدل على أن الحج واجب عليهم دون من عَدَاهم من الملوك والوزراء والأغنياء، فمن كان مؤمنًا بالله ورسوله، سالمًا من شوائب الشرك والبدع والمعاصي ١ فهو على نور من ربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأما من ترك الحج من هؤلاء وهؤلاء، أو من العلماء المصلحين وهو قادر عليه، وليس له عذر شرعي ففي ذلك من الوعيد الشديد ما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: - "لقد هممت أن أبعث عمَّالًا إلى الناس، فينظرون إلى من ترك الحج وهم قادرون عليه، فأضع عليهم الجزية، ما هم عندي بمسلمين".
وعن علي ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ: - من ملك زادًا وراحلة تبلِّغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك أن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] رواه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي ٢
_________________
(١) ١ في الأصل: - "الماضي" ٢ أخرجه الترمذي في كتاب الحج من سننه – باب ما جاء في التغليظ في من ترك الحج – من طريق هلال بن عبد الله حدثنا أو إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي..=
[ ٥٨ ]
ورواه البيهقي أيضًا عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه عن النبي ﷺ قال: - "من لم يحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا"١.
إذا تحققت ما ذكرته لك مما تقدم بيانه، وعلمت أن هؤلاء الملوك، وأمراءَ السلاطين، ووزراءهم، والأغنياء المترفين، والعلماء المصلحين وغيرهم ممن تركوا الحج وهم قادرون عليه، أنهم ليسوا حجةً يقتدى بهم.
وتحققت أيضا أن الله ﷾ هو الذي فرض مناسك الحج وأمر بها، وكتبها على عباده، وأن رسول الله ﷺ سنها لأمته، وقال: "خذوا عني مناسككم" فأخذ بها المسلمون، وعملوا بها، ولم يستشكل أحد منهم عن وجه الحكمة في شيء منها، بل امتثلوا ما أمر الله به، طاعة لله ورسوله: تبين لك أن هذا السؤال من هؤلاء الزنادقة نشأ عن سوء اعتقاد، وخبث طوية، وشك في الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه
_________________
(١) = قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي إسناده مقال. وهلال بن عبد الله مجهول. والحارث يضعف في الحديث ا؟. ١ أخرجه البيهقي في سننه – كتاب الحج – باب إمكان الحج٤/٣٣٤ من طريق شريك عن ليث عن ابن سابط عن أبي أمامة عن النبي ﷺ به. قال البيهقي عقبه: وهذا وإن كان إسناده غير قوي، فله شاهد من قول عمر بن الخطاب. ا؟. قلت: لأن في الإسناد ليث بن أبي سليم، وشريك بن عبد الله النخعي، وقد خالف الثوريُّ شريكًا فيه، فرواه مرسلًا، أخرجه أحمد في كتاب الإيمان له – كما في التلخيص لابن حجر ٢/٢٣٦ – عن وكيع عن سفيان عن ليث عن أسباط قال: قال رسول الله ﷺ الحديث.
[ ٥٩ ]
فالواجب على المسلم أن يتباعد عن هذا الضرب من الناس كل التباعد، وأن يظهر عداوتهم ومقتهم، والبراءة منهم، وأن ينشر في العالمين خزيهم وضلالهم، ليعلم الناس حقيقة ما هم عليه من الزندقة، وصريح السفسطة والمخْرَقَة، وأنّ سؤالهم ليس عن جهل بحقيقة الأمر المسؤول عنه، لأنه قد كان من المعلوم أنه من الأمور الضرورية التي لا تخفى على آحاد البرية، أو أن ذلك من المسائل الخفية، فَيُقَالُ لأجل ذلك عِثارهم، ويقبلُ اعتذارهم، فقد تلألأ الحق واستبان لأهل العقول السليمة، والألباب المستقيمة.
تلألأ نور الحق في الخلق ِ واستما وبان لمن بالحقِّ قد كان مُغْرَما
محاسنُ ما يدعو إليه محمدٌ نبيُّ الهدى من كان بالله أعلما
من الدين والتوحيد والنورِ والهدى فليس بها لَبْسٌ على من تجشّما
وسار إلى أعلامها متيممًا على المنهجِ الأسنى الذي كان أَقْوَمَا
ومستيقنًا بل مؤمنًا ومصدقًا بأن رسولَ اللهِ قد كان أَحْكَما
وأَعْلمُ بالحق الذي قد أتي به عن الله إذ قد كان لا شك قَيِّما
[ ٦٠ ]
ومن ذاك أن الحج ركنٌ وفرضُه على الخلق طرًا كان أمرًا مُحَتَّما
ولا عذر في هذا لمن كان قادرًا عليه بلا عذرٍ ولا كان مُعْدِما
وسنَّ رسولُ الله فيه مناسكًا تَقَدَّمَه فيها الخليلُ لتُعْلَما
فسار على منهاجه وطريقه ليحي منها ما عفى وتهَدَّما
فمن صدَّقَ المعصومَ فيما أتي به وكان به مستقينًا ومعظِّما
تَيَقّنَ من غيرِ ارتيابٍ ومِرْيَةٍ بأن الذي قد سنَّه كان أَحْكَما
وحكمتُه معلومةٌ مُسْتَنِيْرَةٌ لمن كان للشرع الشريفِ مُقَدِّما
ولم يَسْتَرب في شرعه باعتراضه على النقلِ بالعقل الذي كان مُظْلِمَا
كهذا الذي أبدى لسوءِ اعتقاده سؤالًا وقد أضحى به مُتَهَكِّما
وأظهر أن الحقَّ لم يَسْتَبِنْ له وقد كان لا يخفى مَن تَعَلَّما
وقد كان معلومًا من الدينِ واضحًا ومنهاجه قد كان والله لهجما
[ ٦١ ]
ومن كان لا يدري بها وهو جاهل فكيفيه منها أن يكون مُسَلِّما
ويؤمن بالشرع الذي قد أتى به أَجَلُّ الورى من كان بالله أَعْلَما
ولكنَّهُم في غَمْرَةٍ من ضلالهم وفي غَيِّهم بُعْدًا لمن كان مُجْرِما
فقل لزعيمِ القومِ ناصر من غدا عن الخيرِ مزْوَرًّا وقد حاز مَأْثَما
ثَكِلَتْكَ مِنْ خَبٍّ لئيم هَبَيْنَغٍ يرى أنَّ ما أبداه حَقًّا فَأَقْدَما
وأظهرَ مَكْنُونًا من الغيِّ جهرةً لدى الناسِ مكشوفَ القناعِ ليُعْلَما
وقَلْ للغويِّ الفدمِ ويحكَ ما الذي دعاك إلى أن قلت قولًا مُحَرَّما
أَخَلْتَ طريقَ الحقِّ ليس بواضحٍ وأَنّ طريقَ الغيِّ قد كان قَيِّما
لعمري لقد أخطأتَ رشدَك فاتئِدْ فلست بكفوٍ أن تُرَى مُتَقَدِّما
فقد حُدْتَّ عن نهجِ الهداةِ وإنما سلكتَ طريقًا للضلالة مُظْلِما
طريقًا وخيمًا للغواةِ الذين هُمْ فلاسفةٌ دهريةٌ أوْرَثُوا العَمَا
[ ٦٢ ]
كنحوِ ابن سِيْنَا بل أرسطو وقومه وأتباعه ممن مضى وتَقَدَّما
طريقتُهم ما تقتضيه عُقُولُهم وإن خالفَ الشرعَ الشريفَ المُقَدَّما
فسرتَ على آثار من ضَلَّ سَعْيُهم وكانوا ببيداءِ الضَّلالةِ هُوَّما
وآثارِ أقوامٍ رأوا أن دينهم ومذهَبَهم قد كان أهدى وأحكما
فما تقتضي آراؤهم وعقولُهم وما استحسنوا من ذلك قد كان أَقْوَما
لذا عارضوا المنقولَ مما أتى به من الشرعِ مَنْ قد كان بالله أَعْلَما
بمعقولِ ما قد أَصَّلُّوه برأيِهِم وقانون كفرٍ أحْدَثوه تَحَكُّما
وردُّوا بذا القانونِ أحكامَ شرعِه فَنَالوا به شرًا عظيمًا ومأثما
وقد رَامَ هذا الوَعْدُ أن يقتدى بهم وأن يقتفي آثارَ من كان أَظْلَما
فعارضَ ما قد سَنَّه سَيِّدُ الورى لأمَّتِه في الحج نسكًا وأحكما
بمعقوله في بعض أسئلةٍ له تَوَهَّمَهَا حقا فأدّت إلى العَمَا
[ ٦٣ ]
فيسأل عن تقبيلنا الحجرَ الذي
لدى الركن موضوعًا هناك مُعَظَّما
وقد كان في تَقْبِيْله واستلامِه
مظاهرةُ الأوثانِ فيما تَوَهَّما
على زعمِه فيما يَرَاه بعقلِه
وقد كان معلومًا من الشرعِ مُحْكَما
وعن سَعْيِنَا بين الصفاءِ ومروةٍ
وعن رَمَلٍ قد سَنَّه من تَقَدَّما
وما القصدُ في ذبحِ الذبائِحِ في منى
وإدخالِهم في النُّسْكِ أمرًا مُحَرَّما
كمنعِ الورى عن أكلهم من لحومها
ودفنٍ لها في الأرضِ ظلما ومأثما
ولو صُرِفَتْ فيما يراه بعقله
لإصلاح آبار تُعَدُّ وتُرْتَما
لحجاج بيت الله أو طرقٍ لهم
وتنظيفها أو في تكايا ليعلما
ويعرف منها القصدُ والنفع للورى
فتبًا لهذا الرأي ما كان أَوْخَما
وما القصد في رمي الجمار التي رَمَى
بِهِنَّ خليلُ اللهِ مَنْ كان قَدْ رَمَا
وسنَّ رسول الله ذلك واقتفى
بآثار من قد كان بالله أعلما
[ ٦٤ ]
وما القصد في الوضع البناءين حاجزًا لدى عرفاتٍ عن سواها لتُعْلَما
وهل ذاك حَدٌّ فاضلٌ بين ربنا وبين الورى فيما رأى وتوهَّما
أمِ القصدُ حدٌّ فاصلٌ بين جنةٍ ونارٍ فهذا قول من كان أظلما
ويسأل عمَّن قد أتى من بلادِه وقد جَابَ أخطارًا لها وتَجَشَّما
فما كان مقبولًا لدَيْه لأنه لدى عرفات لم يقف حين أقدما
وقد جاء إيمانًا وحُبًّا وطاعةً لمولاه يرجو العفْوَ إذ كان مُجْرِما
ومن كان فيها واقفًا متقدِّما ولكِنَّه لِلَّهو أضحى مُقَدِّما
وفي لعبٍ أو في ممارسةٍ لما يَرُوقُ له في أهله قَبْل من عما
فذلك مقبولٌ لديه ولو أتى بشيءٍ من المكروه أو كان مجرما
فأيَّة مقصودٍ وأيّةُ حكمةٍ لذلك اقتضت لَمَّا لها الشرع أحكما
أيحسن منا أن نحجَّ ولم نكن بحكمتها ندري فما هِيْ لتعلما
[ ٦٥ ]
ويسأل عَمَّن كان للناس مرشدًا وبالعلم وبالإصلاح للناس قَدْ سَمَا
وقد عاش دهرًا ثم مات ولم يكن إلى البيت ممن قد أهَلَّ وأَحْرَما
وقد كان فيما قبل يرحل دائمًا إلى أيِّ أرضٍ شآءها متيمِّما
فما السبب الداعي إلى ترك حَجَّةٍ وقد كان ذا علمٍ وكان مُعلما
كذلك عن حال الملوكِ ونحوِهم من الوزراء ممن عسى أن يُعَظَّما
وكالأغنياء المترفين وغيرِهم من الناس ممن ليس قد كان مُعْدِما
ونحن نرى الحجّاجَ من كل وجهةٍ سواهم فما عُذْرُ الذي كان أجْرَما
وما السِّرُّ في تركِ الملوك وغيرهِم من الأغنياء للحج فَرْضًا
وما القصدُ في هذا لِمَنْ كان قادرًا على الحجِّ ممن قد أساءَ وأجرما
فهذا اعتراضُ الفَدْمِ للشرعِ بالذي تخيَّله في عقله وتوهّما
ودونك في المنثور ما قد أجبته وقد كان حقًا أن يُهَاضَ ويُهْضَمَا
[ ٦٦ ]
ولكن تركنا البسطَ من أَجْلِ أنه
أجابَ سوانا من أجَادَ وأحكما
فلله ربِّ الحمدُ والشكر والثنا
على قَمْعِ زنديقٍ تَحَدَّى وغَمْغَما
وظن غباءً مِنْ سفاهةِ رأيه
بأن الحِمى أقوى فجاء وأقدما
ليهدمَ من أعلامِ سُنَّةِ أحمدٍ
مناسكَ حجٍ سَنَّها من تَقَدَّما
فَغُودِرَ مَجْدّولًا على أُمِّ رأسِه
كإخوانه ممن عثى وتدهكما
وخالَ طريقَ الحقِّ دَحْضًا مَزَلَّةً
وأن طريق الغيِّ قد كان لهجما
فتَبًّا له من جاهلٍ ما أَضَلَّه
وأبعدَه عن منهج الرُّشْدِ إذْ سَمَا
فأَبْصَرَه مَنْ كا بالله مؤمنا
وللشرع أضحى مذعنًا ومسلما
وعارضه من لم يكن مؤمنًا به
كهذا الغبيِّ الفَدْمِ لما تَكَلَّما
وصلَّ على المعصوم ربِّ وآله
وأصحابِه ما دامت الأرضُ والسما
وما انهلّ صَوْبُ المُزْنِ سَحًّا وكُلَّما
على المصطفى صلَّى الإله وَسلّما
[ ٦٧ ]
فهذا ما تيسر لي من الجواب، مع تكدر البال، وكثرة الانشغال، وتغير الأحوال، وما يدرك كله لا يترك كله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على أفضل المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) * قال محققه عفا الله عنه: تم ما أردت تعليقه على هذه الرسالة، بعد تصحيحها – قدر الجهد والطاقة – في ١/٢/١٤٠٩؟، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، كتبه: عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم.
[ ٦٨ ]