فصل
وأما قوله: "ولماذا أقاموا دون عرفة بناءين ١ عن اليمين والشمال، تعرف بالعلمين، وكل من لم يكن خلفَ هذين البناءين ليس مقبولَ الحجِّ، مع أنه تكلَّف العناءَ، ووصل إلى ما دونهما، ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحجِّ وهو في لهوه ولعبه، وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال، ومن كان دونهما غير مقبول، ولو كان على غير ذلك؟ وهل هذان البناءانِ حدٌّ فاصلٌ بين الله والناس، أو بين الجنة والنار؟ ".
والجواب أن يقال: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذين العلمين بنيا حدًا فاصلًا بين عرفة وغيرها، ليعرف من كان جاهلًا بذلك حدودَ عرفة، ولذلك سُمِّيا بالعلمين، وهذا لا يخفى إلا على من كان أضلَّ من حمار أهله، أو زنديقًا يروم بعقله الفاسد أن يشكِّك الناسَ في أمر دينهم.
وأما قوله: "وكل من لم يكن خلف هذين البناءين ليس مقبول الحج" إلى آخره.
فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن الوقوف بعرفة ركنٌ لا يتمُّ الحج إلا به، بإجماع المسلمين، لقوله ﷺ: "الحج عرفة فمن
_________________
(١) ١ في الأصل بنائين.
[ ٤٤ ]
جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْعٍ فقد تَمَّ حجه" رواه أبو داود ١
فمن حج ولم يقف بعرفة نهارًا أو ليلا إلى قبل صلاة الفجر فلا حج له، وعليه القضاء من قابل، لأنه لم يأت بما فرض الله عليه من الوقوف بعرفة، لأنه هو الركن الأعظم، وهذا لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل أو دين، والله سبحانه لا يُضِيْعُ أجرَ من أحسن عملا.
وأما قوله: "ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحج وهو في لهوه ولعبه وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال".
فالجواب أن يقال: مسألة القبول أمر آخر، وهو مما ليس للعقول فيه مجال، بل أمر ذلك إلى الله، وليس كل من أتى بشيء من العبادات يكون قد أتى بما فرض الله عليه فيها، وأدّاها على الوجه المشروع، فلا ينبغي أن يجزم لفاعل شيء من هذه العبادات أن الله قد قبل عمله، لجواز أن يكون قد راءى بعمله ذلك، أو أتى بما يبطله ويحبطه من الرفث والفسوق والعصيان، ولم يتق الله فيه، وإنما يتقبل الله من المتقين، وهذا كحال من ذكر السائل مِمَّن كان في لهوه ولعبه وممارسةِ ما اعتاده في بلاده من الأعمال.
وأكثر الحاج اليوم إلا من شاء الله وثنيةٌ، عباَّد قبور، وأرفاض،
_________________
(١) ١ تقدم الكلام على هذا الحديث في الرسالة الثالثة. قال سفيان بن عيينة لسفيان الثوري: ليس عندكم بالكوفة حديثا ولا أحسن من هذا. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثا أشرف منه.
[ ٤٥ ]
وجهمية، وأهل بدع، ولهو ولعب ومعاصٍ، لا يعرفون حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد قال بعض العلماء فيما هو دون ذلك: ـ
إذا حججت بمالٍ أصلهُ سُحْتُ ما حَجَجْتَ ولكن حَجَّتِ العِيْرُ
لا يقبَلُ اللهُ كلَّ صالحةٍ ما كلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ
والذي ينبغي للمسلم إذا كان واقفًا بعرفةَ أن يشتغل بذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والثناء على الله، ويكثر من أدعية القرآن، كما ذكر ذلك أهل العلم في مناسكهم.
وأما قوله: "وهل هذان البناءان حدٌّ فاصل بين الله والناس، أو بين الجنة والنار".
فالجواب أن يقال: ليس بناء العلمين حدًا فاصلًا بين الله والناس، ولا بين الجنة والنار، ولا يورد مثلَ هذا السؤال ويستشكله إلا من هو أبلد الناس، وأبلههم، وأشدِّهم غباوةً، وأنجسهم عقلًا ورأيًا، فقد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله ﷾ فوق سماواته على عرشه، بائنا ١ من خلقه، وأدلة ذلك من الكتاب، والسنة، وكلام سلف الأمة وأئمتها في ذلك أكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر، وذلك مبسوط في محله.
وأيضًا فقد كان من المعلوم أن الجنة فوق السموات في أعلا عليين، وأن النار تحت الأرض السابعة في أسفل سافلين، فكيف يكون العلمان حدًا فاصلًا بينهما، أو بين الله والناس هذا لا يقوله
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ولعل الصواب: "بائنٌ".
[ ٤٦ ]
من يؤمن بالله واليوم الآخر، أو يدري ما يقول.
فإذا تحققت ما قدمته لك من الحكمة في مناسك الحج، فاعلم أن شأن الحج وما في طَيِّه من الأسرار والحكم، والمصالح، لا يدركه إلا الحنفاء، الذين ضربوا في المحبة بسهم، وشأنه أَجَلّ من أن تحيط به العبارةُ، وهو خاصة هذا الدين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١] . أي حجاجًا.
وجعل الله بيته الحرام قيامًا للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، فلو ترك الناس كلُّهم الحجَّ سنة لخَرَّتِ السماءُ على الأرض، هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس ﵄.
فالبيت الحرام قيام العالم، فلا يزال قيامًا ما زال هذا البيت محجوجًا، فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد: - لا إله إلا الله، فإنه مؤسَّسٌ على التوحيد المحض، والمحبة الخالصة، وهو استزارة المحبوب لأحبابه، ودعوتهم إلى بيته، ومحلِّ كرامته، ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارهم "لبيك اللهم لبيك" إجابةَ محبٍّ لدعوة حبيبه، ولهذا كان للتلبية موقعٌ عند الله، وكلما أكثرَ العبدُ منها كان أحبَّ إلى ربه، وأحضى، فهو لا يملك نفسه أن يقول: "لبيك لبيك" حتى ينقطع نَفَسُه.
وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام، واجتناب العوائد، وكشف الرأس، ونزع الثياب المعتادة، والطواف، والوقوف بعرفة، ورفع الجمار، وسائر شعائر الحج: فمما شهدت بحسنه العقول السليمة، والفطرة المستقيمة، وعلمت بأن الذي شرع هذه لا حكمةَ فوقَ حكمتِه، كما
[ ٤٧ ]
قاله ابن القيم ﵀. وما أحسن ما قيل:
وقل للعيونِ الرُّمْدِ للشمس أَعْيُن سواكِ تراها في مَغِيبٍ ومَطْلِعِ
وسامِحْ نفوسًا أطفأَ اللهُ نورَها بأهوائها لا تَسْتَفِيْقُ ولا تَعِي
وقول الآخر:
فَقُلْ لغليظِ القلبِ ويحكَ ليس ذا بعُشِّكَ فاْرُجْ طالبًا عُشَّكَ الخالي
ولا تَكُ مِمَّنْ مَدَّ باعًا إلى جنا فقصرَّ عنه قال: ذا ليس بالحالي
[ ٤٨ ]