وكبار المحققين وجم غفير من المصنفين
قلت: هؤلاء القوم هم الخوارج الذين خرجوا في زمن علي - ﵁ - حتى استأصلهم.
قوله - ﷺ -: لا يجاوز حناجرهم، معناه: لا تقبل ولا ترفع الأعمال الصالحة.
قوله - ﷺ -: يمرقون من الدين، أي يخرجون، وهذا حكم بكفرهم وإباحة لدمائهم، وقد روى أصرح من ذلك في المتفق عليه، ولفظه: فأين لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم.
قوله - ﷺ -: من "الرمية"، هي الصيد الذي تقصده فترميه.
قوله: تنظر إلى آخره، معناه: مرمرًا سريعًا لم يعلق به شيء من القرث والدم، فكذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه لم يتمسكوا منه بشيء. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أن قومًا أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا الجماعات وأكفروهم لم يحل بذلك قتالهم، بلغنا أن عليًا - ﵁ - سمع رجلًا يقول: لا حكم إلا لله في ناحية المسجد، فقال علي - ﵁ -: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفى ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال. وقال أهل الحديث من الحنابلة: يجوز قتلهم.
أقول: الظاهر عندي دراية ورواية قول أهل الحديث. أما رواية فقوله - ﷺ -: "فأين لقيتموهم فاقتلوهم"، وأما قول علي - ﵁ - فمعناه أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلًا حتى ينزع يده من الطاعة،
[ ٤٣ ]
فيكون باغيًا أو قاطع الطريق، وإذا أنكروا ضروريًا من ضروريات الدين يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام. بيان ذلك أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زبد حكم بالجواز، وإذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالفسق، ثم إذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالكفر، فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم حسب ما أظهر، ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو إنكار الحوض الكوثر وما يجري مجرى ذلك من الثابت بالدين بالضرورة لحكم بالكفر، وأما حديث: "أولئك الذين نهاني الله عنهم، ففي المنافقين دون الزنادقة. بيان ذلك أن المخالف للدين الحق إن لم يعترف به ولم يذعن له، لا ظاهرًا ولا باطنًا فهو كافر، وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر فهو المنافق، وإن اعترف به ظاهرًا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق، كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق، لكن المراد بالجنة: الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنار: هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار فهو زنديق.
وقوله - ﷺ -: "أولئك الذين نهانى الله عنهم" في المنافقين دون الزنادقة.
وأما دراية فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للإرتداد ليكون مزجرة للمرتدين وذبًا عن الملة التي ارتضاها فكذلك نصب القتل في هذا الحديث وأمثاله جزاء للزنديق ليكون مزجرة للزنادقة وذبًا عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به.
ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعًا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وتأويل يصادم ما ثبت بالقاطع، فذلك الزندقة، فكل من أنكر
[ ٤٤ ]
رؤية الله تعالى يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسوال المنكر والنكير، أو أنكر الصراط والحساب سواء. قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مأول، ثم ذكر تأويلًا فاسدًا لم يسمع من قبله فهو الزنديق.
وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ مثلًا: ليس من أهل الجنة مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إن النبي - ﷺ - خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمي بعده أحد بالنبي، وأما معنى النبوة وهو كون الإنسان مبعوثًا من الله تعالى إلى الخلق، مفترض الطاعة، معصومًا من الذنوب ومن البقاء على الخطأ في ما يرى فهو موجود في الأئمة بعده، فذلك الزنديق، وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى، والله تعالى أعلم بالصواب "مسوى على المؤطأ" للشيخ الأجل ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي.
واستفيد منه تفسير الزندقة وحكمها، وأن التأويل في الضروريات لا يدفع الكفر، وما ذكره في عدم تكفير علي - ﵁ - إياهم، بسطه في "الصارم المسلول" من السنة الرابعة عشر والحديث الخامس عشر، وهو أصوب مما ذكره في "منهاج السنة" فقال في "الصارم".
وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام: إحداهن ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" اهـ.
فإذا كان أول الخوارج كافرًا بهذه الكلمة فكذا أصحابه وأذنابه بعده،
[ ٤٥ ]
وأما كلمة "إن نساءك ينشدنك الله العدل" فإنما أريد به طلب التسوية لا النسبة إلى الجور والعياذ بالله. كما يستفاد من "الشفاء" متن فصل: فإن قلت فلم لم يقتل النبي - ﷺ -". إلخ من "شرح القارئ".
وأعلم أن لفظ حديث: "ما يباح به دم المسلم" عند البخاري من باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ من الديات عن أكثر رواة نسخة تالبخاري: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة". قال في "الفتح": قوله: "والمفارق لدينه التارك للجماعة" كذا في رواية أبي ذرعن الكشميهني. وللباقين: "والمارق من الدين" لكن عند النسقي والسرخسى والمستملي: و"المارق لدينه" اهـ. "والمارق من الدين" جعل الحافظ مصداقة الأولى هو المرتد، ونقل فيه شواهد من الأحاديث، وهذا العنوان أي المروق من الدين والإسلام هو الوارد في الخوارج في الأحاديث المشهورة، فكان حكمهم كذلك.
وفي "فتاوى الحافظ ابن تيمية": فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج
[ ٤٦ ]
وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد رحمهما الله تعالى، وفي مذهب الشافعي رحمه الله تعالى أيضًا نزاع في كفرهم، ولذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى، أحدهما: أنهم بغاة، والثاني: أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداءً، وقتل أسيرهم وأتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، كما إن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها، هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين.
وقال فيه: والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين، فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلًا، وإنما هم جنس الخوارج المارقين ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والحرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام، وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء، فإن المصنفين في قتال أهل البغي جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج، وقتال علي - ﵁ - لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه من قتال أهل البغي، وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة النبوية، كالأوزاعي ﵀، والثوري ﵀، ومالك ﵀، وأحمد بن حنبل ﵀ وغيرهم أنه يفرق بين هذا وهذا.
وقال أيضًا: وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه
[ ٤٧ ]
من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين.
وقال أيضًا: والطريقة الثانية اهـ. والسؤال في هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وقد تلكموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام، ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر اهـ.
وقال أيضًا: كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين.
وقال في وصف الباطنية من "ملوك مصر": ثم قدحوا في المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار، وجعلوه ضعيف الرأي، حيث تمكن عدوه منه حتى صلبه، فيوافقون اليهود في القدح في المسيح، لكن هم شر من اليهود، فإنهم يقدحون في الأنبياء.
وقال أيضًا: فإن المسلم الصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان أسوء حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق - ﵁ -.
وفي "نور العين" عن "التمهيد": أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم بحيث توجب الكفر فإنه يباح قتلهم جميعًا إذل لم يرجعوا، أو لم يتوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تقبل توبتهم جميعًا إلا الإباحية، والغالية، والشيعة من الروافض، والقرامطة، والزنادقة من الفلاسفة، لا تقبل توبتهم بحال من الأحوال، ويقتل بعد التوبة وقبلها، لأنهم لم يعتقدوا
[ ٤٨ ]
بالصانع تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليه. وقال بعضهم: إن تاب قبل الأخذ والإظهار تقبل توبته، وإلا فلا، وهو قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو حسن جدًا "رد المختار".
وفي "الفتح": والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان كالزنديق الذي لا يتدين بدين، وكذا من علم أنه ينكر في الباطن بعض الضروريات كحرمة الخمر، ويظهر اعتقاد حرمته وتمامه فيه. "در مختار".
وعن ابن عمر وعلي - ﵄ -: لا تقبل توبة من تكررت ردته كالزنديق، وهو قول مالك، وأحمد والليث. وعن أبي يوسف: لو فعل ذلك مرارًا يقتل غيلة، وفسره بأن ينتظر، فإذا أظهر كلمة الكفر قتل قبل أن يستتاب، لأنه ظهر منه الاستخفاف. "رد المحتار".
وظاهر كلامه: تخصيص الكفر بجحد الضروري فقط، مع أن الشرط عندنا ثبوته على وجه القطع، وإن لم يكن ضروريًا، بل قد يكون بما يكون استخفافًا من قول أو فعل كما مر، ولذا ذكر في "المسايرة" أن ما ينفى الاستسلام، أو يوجب التكذيب فهو كفر، فما ينفى الاستسلام كل ما قدمناه عن الحنيفة، أي مما يدل على الاستخفاف، وما ذكر قبله من قتل نبي إذا الاستخفاف فيه أظهر، وما يوجب التكذيب جحد كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - ادعاؤه ضرورة، وأما ما لم يبلغ حد الضرورة كاستحقاق بنت الإبن السدس مع البنت بإجماع المسلمين، فظاهر كلام الحنفية إلا كفار بجحده، فإنهم لم يشترطوا
[ ٤٩ ]
سوى القطع في الثبوت، ويجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعًا، لأن مناط التكفير وهو التكذيب أو الاستخفاف، عند ذلك يكون، أما إذا لم يعلم فلا، إلا أن يذكر له أهل العلم ذلك فيلج. "رد المحتار".
تنبيه: في "البحر" والأصل أن من اعتقد الحرام حلالًا فإن كان حرامًا لغيره، كمال الغير لا يكفر، وإن كان لعينه فإن كان دليله قطعيًا كفر، وإلا فلا. وقيل: التقصيل في العالم، أما الجاهل فلا يفرق بين الحرام لعينه ولغيره، وإنما الفرق في حقه أن ما كان قطعيًا كفر به، وإلا فلا فيكفر إذا قال: الخمر ليس بحرام، وتمامه فيه "رد المحتار". ومن "زكاة الغنم": أن الإعتماد على القطعية وإن كان حرامًا لغيره، ونبذة منه في مسألة الصلاة بجون طهارة، ولكن صرح في كتاب "المسايرة" بالاتفاق على تكفير المخالف فيما كان من أصول الدين وضرورياته، كالقول بقدم العالم، ونفي حشر الأجساد، ونفي العلم بالجزئيات، وإن الخلاف في غيره، كنفي كبادئ الصفات، ونفي عموم الإرادة، والقول بخلق القرآن إلخ. وكذا قال في "شرح منية المصلي": إن ساب الشيخين ومنكر خلافتهما ممن بناه على شبهة له لا يكفر، بخلاف من ادعى أن عليا إله، وإن جبريل غلط، لأن ذلك ليس عن شبهة، واستفراغ وسع في الاجتهاد، بل محض هوى اهـ. وتمامه فيه.
قلت: وكذا يكفر قاذف عائشة، ومنكر صحبة أبيها، لأن
[ ٥٠ ]
ذلك تكذيب صريح القرآن، كما مر في الباب السابق. "رد المحتار".
قلت: والأكثر على تكفير منكر خلافة الشيخين، وفي "الدر المنتقى" عن "الوهبانية" وشرحها:
وصحح تكفير نكير خلافة أل عتيق وفي الفاروق ذاك الأظهر
بل في "الخلاصة" و"الصواعق": أنه صرح به محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في "الأصل"، وكذا صححه في "الظهيرية" - كما في "الهندية" - فما في "رد المحتار" تساهل، وقد صححه في "خزانة المفتيين" أيضًا - كما في "الأنقروية" - وكذا نقله في "الفتاوى العزيزية" عن "البرهان"، وعن "الفتاوى البديعية"، وعن كتب أخر، وعن بعض الشافعية والحنابلة، وعبارة "البرهان": "وعلماءنا والشافعي جعلوها أي الإمامة من فاسق ومبتدع لم يكفر أي لم يحكم بكفره بسبب بدعة مكروهة لا فاسدة كما قال مالك اهـ". فيجوز الاقتداء بأهل الأهواء عندنا إلا الجهمية، والقدرية، والروافض الغالية، والقائلين بخلق القرآن، والخطابية، والمشبهة. والحاصل أن من كان من أهل قبلتنا ولم يغل حتى لم يحكم بكفره تصح تالصلاة خلفه، وتكره، ولا يجوز خلف منكر الشفاعة، والرؤية، وعذاب القبر، والكرام الكاتبين، لأنه كافر لتواتر هذه الأمور من الشارع ﵇. ومن قال: لا يرى لعظمته وجلاله، فهو مبتدع، ولا خلف منكر المسح على الخفين اهـ. ولا خلف منكر خلافة أبي بكر - ﵁ - أو عمر - ﵁ - أو عثمان - ﵁ - لأنه كافر، وتصح خلف من يفضل
[ ٥١ ]
عليًا - ﵁ - لأنه مبتدع، وروى محمد ﵀ تعال عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز اهـ.
واختار في أواخر "التحفة الإثنى عشرية" تكفير الخوارج ممن يكفر عليًا - ﵁ - والعياذ بالله - ذكره في المقدمة السادسة من باب التوالي والتبرى، لكنه ذكر فرقًا بين الارتداد والكفر، وهذا لم يشتهر في كتب الفقه في حق من ينتحل الإسلام، وكأنه أراد بالارتداد تبديل الملة بقصده، بخلاف الكفر، ولا يظهر في الأحكام فرق من كلامه إلا أن يكون من وجوب القتل وجوازه، وأكثر كلامه في "فتاواه" على تكفير الخوارج، ومن يشبههم، وما ذكره في "فتاواه" ليس مرضيًا عنده، كما صرح به فيها. وذكر فيها عدم الفرق بين لزوم الكفر والتزامه في القطعيات، وفي الكيد الحادي والتسعين من مكائدهم من "التحفة" والعقيدة السادسة باب الإمامة تحت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية. وشيئًا في آخر المقدمة الخامسة من باب التولي والتبرئ.
وكذلك قال ابن القاسم في من تنبأ وزعم أنه يوحى إليه، وقال سحنون، وقال ابن القاسم في من تنبأ: أنه كالمرتد، سواء كان دعا إلى ذلك - اي إلى متابعة نبوته - سرًا كان أو جهرًا كمسيلمة - لعنه الله -. وقال اصبغ بن الفرج: هو - أي من زعن أنه نبي يوحى إليه - كالمرتد في أحكامه، لأنه قد كفر بكتاب الله
[ ٥٢ ]
لأنه كذبه - ﷺ - في قوله: إنه خاتم النبيين، ولا نبي بعده، مع الفرية على الله - بكسر الفاء أي الكذب عليه بقوله: إن الله أوحى إلى وأرسلني - وقال أشهب في حق يهودي زعم أنه نبي، وزعم أنه أرسل من الله إلى الناس ليبلغهم من الله، أو قال: وزعم أن بعد نبيكم نبي سيأتي من الله بشريعة، فقال: إنه يستتاب كالمرتد، إن كان معلنًا بذلك - أي مظهرًا له - لا إذا أخفاه، فإن تاب ورجع عما قاله، وإلا قتل إن لم يتب، وذلك اي قتله لأنه مكذب للنبي - ﷺ - في قوله - الذي نقله عنه الثقات-: لا نبي بعدي، أي لا ينبأ أحد بعد نبوتي، مفترٍ على الله في دعواه الرسالة والنبوة. "خفاجى" شرح "شفاء".
وقال أحمد بن أبس سليمان صاحب سحنون الذي تقدمت ترجمته: من قال أن النبي - ﷺ - كان لونه أسود قتل، لكذبه على رسول الله - ﷺ -، ولون السواد يزرى، ففيه تحقير وإهانة له أيضًا، إذ لم يكن النبي - ﷺ - أسود، وإنما كان أزهر اللون موردًا، كما تقدم في حديث حليته الطويل. وقال بعض المتأخرين: كلامه يوهم أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل، وليس كذلك، بل لابد من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك، كما في مسألتنا هذا، لأن الأسود لون مفضول اهـ.
وقد علمت أن لا فرق، لأن إثبات صفة له - ﷺ - غير صفة لا تكون إلا مشعرة بنقص، لأن صفاته لا يتصور أكمل منها، بل كل ما أثبت له غيرها كان نقصًا بالنسبة لها، فالاعتراض حينئذٍِ ليس في محله. "خفاجي شرح شفاء".
[ ٥٣ ]
صفاته تعالى في الأزل غير محدثة، ولا مخلوقة، فمن قال أنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها، أوشك فيها، فهو كافر بالله تعالى. "فقه أكبر".
من قال بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. "كتاب الوصية". قال فخر الإسلام: قد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن، فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصح هذا القول أيضًا عن محمد رحمهم الله تعالى. "شرح فقه أكبر".
أيما رجل مسلم سب رسول الله - ﷺ -، أو كذبه، أو عابه، أو تنقصه، فقد كفر بالله تعالى، وبانت منه امرأته. "كتاب الخراج".
أجمع المسلمون على أن شاتمه - ﷺ - كافر، ومن ذك في في عذابه وكفره كفر. "شفاء"، وغيره.
الكافر بسب نبي من الأنبياء لا تقل توبته مطلقًا، ومن شك في عذابه وكفره كفر. "مجمع الأنهر" و"در مختار" و"بزازية" و"الدرر" و"الخيرية".
قلت: في قبول التوبة في أحكام الدنيا اختلاف، وتقبل فيما بينه وبين الله تعالى، وينبغي أن تراجع عبارة "المحيط" من "خلاصة الفتاوي" لأصحابنا، فإني لم أرها إلاله من عدم قبول التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ولعله من غلط الناسخ.
في "المواقف": لا يكفر أهل القبلة إلا فيما فيه إنكار ما علم مجيئه
[ ٥٤ ]
بالضرورة، أو أجمع عليه كاستحلال المحرمات اهـ. ولا يخفى أن المراد بقول علمائنا: "لا يجوز تكفير أهل القبلة بذنب" ليس مجرد التوجه إلى القبلة، فإن الغلاة من الروافض الذين يدعون أن جبريل ﵇ غلط في الوحي، فإن الله تعالى أرسله إلى علي - ﵁ -، وبعضهم قالوا: إنه إله، وإن صلوا إلى القبلة ليسوا بمؤمنين، وهذا هو المراد بقوله - ﷺ -: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم اهـ" مختصرًا. "شرح فقه أكبر".
ادعت الروافض أيضًا أن عليًا - ﵁ - نبي - إلى قوله - ﵁ -: لعنهم الله، وملائكته، وسائر خلقه إلى يوم الدين، وقلع وأباد خضرائهم، ولا جعل منهم في الرض ديارًا، فإنهم بالغوا في غلوهم، ومردوا على الكفر، وتركوا الإسلام، وفارقوا الإيمان، وجحدوا الإله، والرسل، والتنزيل، فنعوذ بالله ممن ذهب إلى هذه المقالة. "غنية الطالبين" أو كذب رسولًا أو نبيًا أو نقصه بأي منقص، كأن صغر اسمه مريدًا تحقيره، أو جوز نبوة أحد بعد وجود نبينا - ﷺ -، وعيسى ﵊ نبي قبل فلا يرد. "تحفه شرح منهاج".
فساد مذهبهم غني عن البيان بشهادة العيان، كيف؟ وهو يؤدى إلى تجويز نبي مع نبينا - ﷺ - أو بعده، وذلك يستلزم تكذيب القرآن، إذ قد نص على أنه خاتم النبيين، وآخر المرسلين. وفي السنة: "أنا العاقب لا نبي بعدي"، وأجمعت الأمة على إبقاء هذا الكلام على ظاهرة، وهذا إحدى المسائل المشهورة التي كفرنا بها الفلاسفة - لعنهم الله تعالى - "شرح الفرائد" للعلامة العارف بالله عبد الغني النابلسي.
[ ٥٥ ]
وفي العقائد العضدية": لا نكفر أحدًا من أهل القبلة، إلا بما فيه نفي الصانع المختار، أو بما فيه: شرك، وإنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار مجمع عليه قطعًا، أو استحلال محرم، وأما غير ذلك فالقائل به مبتدع، وليس بكافر اهـ.
قالت الروافض: إن العالم لا يكون خاليًا من النبي قط، وهذا كفر، لأن الله تعالى قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ومن ادعى النبوة في زماننا فإنه يصير كافرًا، ومن طلب منه المعجزات فإنه يصير كافرًا، لأنه شك في النص، ويجب الاعتقاد بأنه ما كان لأحد شركة في النبوة لمحمد - ﷺ -، بخلاف ما قالت الروافض أن عليًا - ﵁ - كان شريكًا لمحمد - ﷺ - في النبوة، وهذا منهم كفر. "تمهيد أبي الشكور السالمي".
وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنبئ وصلبه، وفعل ذلك غير زاحد من الخلفاء والملوك بأشياههم، وأجمع علماء وقتهم على صواب فعلهم، والمخالف في ذلك من كفرهم كافر. "شفاء". وكذلك نقله في "البحر المحيط" من الأحزاب من الإجماع العملي.
وكذلك يقطع بتكفير من كذب أو أنكر قاعدة من قواعد الشريعة، وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل رسول - ﷺ -، ووقع الإجماع المتصل عليه، كما أنكر وجوب الصلوات الخمس، أو عدد ركعاتها وسجداتها، ويقول: إنما أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة، وكونها خمسًا، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعمله إذ لم يرد به في القرآن نص جلي، والخبر عن الرسول - ﷺ - به خبر واحد. "شفاء".
وكذلك نكفر من ادعى نبوة أحد مع نبينا - ﷺ - أي في زمنه -
[ ٥٦ ]
كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسى، أو ادعى نبوة أحد بعده، فإنه خاتم النبيين بنص القرآن والحديث، فهذا تكذيب لله ورسوله - ﷺ - كالعيسوية إلخ.
أو من ادعى النبوة لنفسه بعد نبينا - ﷺ - كالمختار بن أبي عبيد الثقفي، وغيره. قال ابن حجر: ويظهر كفر كل من طلب منه معجزة، لأنه يطلبه منه مجوزًا لصدقه مع استحالته المعلومة من الدين بالضرورة. نعم إن أراد بذلك تسفيه وبيان كذبه، فلا كفر به انتهى - أو جوز اكتسابها، والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحي إليه وإن لم يدع النبوة، فهؤلاء المذكورون كلهم كفار، محكوم بكفرهم، لأنهم مكذبون للنبي - ﷺ - لادعائهم خلاف ما قاله، لأنه - ﷺ - أخبر أنه خاتم النبيين، كما أعلمه الله به فيما أوحاه إليه، وأخبر أيضًا أنه لا نبي بعده، وأخبر عن الله، أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة - أي أمته - ﷺ - على أن هذا الكلام المذكور من الآية والحديث، وأنه أرسل لجميع الناس على ظاهره من نفي النبوة بعده وعموم الرسالة، وإن مفهومه - أي مدلوله - الذي فهم منه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص لبعض أفراده، فلا شك عند من يعتد به من الأمة في كفر هؤلاء الطوائف كلها الذاهبين لما يخالف إجماع المسلمين قطعًا - أي جزمًا من غير تردد فيه - إجماعًا - أي منع ونازع فيما جاء صريحًا في "القرآن" - كبعض الباطنية الذين يدعون
[ ٥٧ ]
لها معان أخر غير ظاهرها، أو خص حديثًا عامًا منطوقه مجمعًا على نقله عن ثقات الرواة مقطوعًا به في دلالته على صريحه، مجمعًا من العلماء والفقهاء على حمله على ظاهره من غير تأويل ولا تخصيص ولا نسخ فإنه تلاعب مؤد للفساد، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم للزاني والزانية المحصنين، فإنه مجمع عليه، صار معلومًا من الدين بالضرورة. ولهذا أي للقول بكفر من خالف ظاهر النصوص والمجمع عليه نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة الإسلام من الملل أو وقف فيهم، أي توقف وتردد في تكفيرهم، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو - أي من لم يكفر وما بعده - كافر، بإظهار ما أظهر من خلاف ذلك - أي ما يخالف الإسلام، لأنه طعن في الدين، وتكذيب لما ورد عنه من خلافه - وكذلك - اي كتكفير هؤلاء - يقطع ويجزم بتكفير كل من قال قولًا صدر عنه يتوسل به إلى تضليل الأمة - أي كونها في الضلال عن الدين والصراط المستيقم. ويؤدي إلى تكفير جميع الصحابة، كقول الطائفة الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد موت النبي - ﷺ -، إذ لم تقدم عليًا، وكفرت عليًا إذ لم يتقدم ولم يطلب حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه: لأنهم بما قالوه أبطالوا الشريعة بأسرها، وكذلك - أي كما كفرنا هؤلاء - نكفر بكل فعل فعله شخص مسلم، أجمع المسلمون علة أنه - أي ذلك الفعل - لا يصدر إلا من كافر حقيقةً، لأنه من جنس أفعالهم، وإن كان صاحبه - أي من صدر منه - مسلمًا مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل. "شرح شفاء" للخفاجي ملتقطًا ملخصًا. ومثله في
[ ٥٨ ]
"شرح الملا على القارئ" سواء.
وقال في "البحر الرائق" وغيره: من حسن كلام أهل الهوى، أو قال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفرًا من القائل كفر المحسن.
قال ابن حجر في "الاعلام" في (فصل الكفر المتفق عليه) مما نقله عن كتب الحنفية: "من تلفظ بلفظ الكفر يكفر، فكل من استحسنه، أو رضى به يكفر، إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل". "رد المحتار" عن "البحر" عن "البزارية". ومثله في "جامع الفصولين".
وفي "الهندية": إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر، ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه، إلا إذا صرح بإرادة توجب الكفر، فلا ينفعه التأويل حينئذ.
ثم إن كان نية القائل الوجه الذي يمنه التكفير فهو مسلم، وإن كانت نيته الوجه الذي يوجب التكفير لا ينفعه فتوى المفتي اهـ. ناقلًا عن "المحيط" وغيره.
ومثله في حاشية "الأشباه" للحموى عن "العمادية"، وفي "الدر" عن "الدرر" وغيرها.
والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده، كما صرح به في "الخانية" و"رد المحتار"
[ ٥٩ ]
عن "البحر": رجل كفر بلسانه طائعًا وقلبه على الإيمان يكون كافرًا ولا يكون عند الله مؤمنًا. كذا في "فتاوى قاضيخان". و"هندية" و"جامع الفصولين".
ووقع في "الخلاصة" ههنا غلط من الناسخ فاحذره. وعزا في "العمادية" المسألة "للمحيط" أيضًا. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ .
وينكرون كونها بنزول الملك من السماء، وكثيرًا مما علم بالضرورة مجئ الأنبياء به، كحشر الأجساد، والجنة، والنار.
والحاصل أنهم وإن أثبتوا الرسل لكن لا على الوجه الذي يثبته أهل الإسلام إلخ. فصار إثباتهم بمنزلة العدم إلخ. "رد المحتار".
ويكفر إذ شك في صدق النبي - ﷺ -، أوسبه، أو نقصه، أو حقره، ويكفر بنسبه الأنبياء إلى الفواحش، كالعزم على الزنا، ونحوه في يوسف ﵇، لأنه استخفاف، ولو قال: لم يعصموت حال النبوة وقبلها كفر، لأن رد النصوص. "الأشباه والنظائر".
وفيها من فن الجمع والفرق، وفي آخر "اليتيمة" ظن لجهلة أن ما فعله من المحظورات حلاله له، فإن كان مما يعلم من دين النبي - ﷺ - ضرورة كفر، وإلا فى اهـ.
قال في "فتح الباري" من حديث: "من أوصى بأن يحرق إذا مات" وقال: فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا". ما لفظه. - ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا اهـ. -
[ ٦٠ ]
وقال من باب الخوف من الله - ﷿ -، عن العارف لبن أبي جمرة: وأما ما أوصى به فلعله كان جائزًا في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة اهـ.
قلت: والمراد بقوله: "لئن قدر الله علي" لئن وافاني وأنا جميع وأدركني قبل التوبة، وذلك بأن أراد وقضاه علي، لا التردد في نفس القدرة، فقد ذم الله تعالى شأنه، ونعى على اليهود في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قوله ﷾ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ففي بعض الروايات: إنها نزلت في ذلك، ولعل الإشراك على هذا هو إحصاء قدرة الله بمكيال عقولهم السقيمة، وقياسها بما في أذهانهم وخيالهم. وما عند البخاري في رجل كان وقع على جارية امرأته فأخذ حمزة بن عمرو الأسلمي من الرجل كفلاء. حتى قدم على عمر، وكان عمر - ﵁ - قد جلده مائة جلدة فصدقهم وعذرهم بالجهالة اهـ. فالذي ظهر أن المراد به اعتباره شبهة الفعل المعتبرة في ذلك الباب لا غير، وفي المسألة حديث عند أبي داؤد والطحاوي وغيرهما، فهذا هو الوجه. وكون أحد حديث عهد بالإسلام عذر عند فقهائنا أيضًا. وفي "بغية المرتاد" للحافظ ابن تيمية: وإن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثاره النبوة اهـ.
ويريد - ﵀ - بإقامة الحجة في تصانيفه في مسألة التكفير: التبليغ لا غير، كأخبار معاذ، ودعوة علي - ﵁ - ليهود خيبر، وقد بوب عليه
[ ٦١ ]
البخاري في أخبار الآحاد، ومن الأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية.
إذا لم يعرف أن محمدًا - ﷺ - آخر الأنبياء فليس بمسلم لأنه من الضرويات "أشباه والنظائر". يعني والجهل بالضروريات في باب المكفرات لا يكون عذرًا، بخلاف غيرها فإنه يكون عذرًا على المفتي به كما تقدم والله أعلم اهـ "شرح حموى" - وتبه في المسألة على فوائد نفيسة، منها تجهيل من زعم أن تكفير الفقهاء إنما هو للتغليظ والتهديد، لا فيما بينه وبين الله، فقد نقل رده عن "البزازية" وهي من المعتبرات، نقلوا وصفها عن المولى أبي السعود مفتي الديار الرومية وصاحب التصانيف الكثيرة، منها "التفسير". قال: وفي "البزازية" ويحكى عن بعض من لا سلف له أنه كان يقول ما ذكر في الفتاوى أنه يكفر بكذا وكذا، فذلك للتخويف والتهويل لا لحقيقة الكفر، وهذا باطل، والحق أن ما صح عن المجتهدين فهو على حقيقته، وأما ما ثبت عن غيرهم فلا يفق به في مسألة التكفير اهـ. وكذلك في "البحر"، ونقل عبارة "البزازي" في "اليواقيت" أيضًا وفي "منحة الخالق" بتمامها. وفي "اليواقت" أيضًا عن الحطابي ﵀: فإن اتفق في زمان وجود مجتهد تكاملت فيه شروط الاجتهاد كالأئمة الأربعة، وبأن له دليل قاطع أن الخطأ في التأويل موجب الكفر كفرناهم بقوله إلخ.
وأول الأنبياء آدم ﵇، وآخرهم محمد - ﷺ -، أما نبوة آدم
[ ٦٢ ]
فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهى، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا بالسنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا "شرح عقائد نسفي".
وكذا في "المواهب" من النوع الأول من المقصد السادس، وكذلك في "البحر".
وعند الحاكم من إتيان حارثة بن شراحيل في طلب ابنه زيد - ﵄ -: أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني خاتم أنبياءه ورسله، وأرسله معكم. الحديث.
وفي "روح المعاني" تحت قوله تعالى: ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ وفي رواية أخرى عنه - أي عن قتادة - أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضًا، والإعلان بأن محمدًا - ﷺ - رسول الله، وإعلان رسول الله - ﷺ - أن لا نبي بعده اهـ.
ثم أعلم أنه يؤخذ من مسألة العيسوي أن من كان كفره بإنكار أمر ضروري كحرمة الخمر مثلًا أنه لابد من تبرؤه مما كان يعتقده، لأنه كان يقر بالشهادتين معه، فلابد من تبرؤه منه، كما صرح به الشافعية وهو ظاهر. "رد المحتار" من الارتداد.
قلت: وفي "جامع الفصولين": ثم لو أتى بكلمة الشهادة على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال، إذ لا يرتفع بها كفره اهـ.
وأما من قال: إن الله ﷿ هو فلان لإنسان بعينه، أو أن الله يحل في جسم من أجسام خلقه، أو أن بعد محمد - ﷺ - نبيًا غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا
[ ٦٣ ]
على كل أحد. "كتاب الفصل" لإبن حزم.
هذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وقول رسول الله - ﷺ -: "لا نبي بعدي" فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده ﵇ نبيًا في الأرض؟ حاشا ما استثناه رسول الله - ﷺ - في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في أخر الزمان. وصح الإجماع على أن كل جحد شيئًا صح عندنا بالاجماع أن رسول الله - ﷺ - أتى به فقد كفر، وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو يملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه، فهو كافر. ومن قال نبي بعد النبي ﵊، أو جحد شيئًا صح عنده بأن النبي - ﷺ - صاله فهو كافر. كتاب "الفصل" لابن حزم.
أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي - ﷺ - يقتل إلخ. وحكى الطبري مثله - أي مثل القول بأنه ردة - عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه - ﷺ - أو برئ منه أو كذبه إلخ. قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي - ﷺ - المستنقص له كافر، ومن شك في كفره وعذابه
[ ٦٤ ]
كفر إلخ. "شرح شفاء قاضي عياض". لملا على القاري ﵀.
من سب الله تعالى وملائكته أو أنبيائه قتل. "شرح شفاء".
وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته، واستخف بهم، أو كذبهم فيما أتوابه، أو أنكرهم وجحدهم حكم نبينا - ﷺ - إلخ. "شرح شفاء".
وفي "المحيط": من أنكر الأخبار المتواترة في الشريعة كفر، مثل حرمة ليس الحرير على الرجال، ثم أعلم أنه أراد بالمتواتر ههنا التواتر المعنوي لا اللفظي إلخ. "شرح فقه أكبر" ونحوه في "الهندية" عن الظهيرية. وتوارده الأصوليون في باب السنة، ونقلوا عن الإمام أنه قال: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين. فصار منكر المتواتر ومخالفه كافرًا. "أصول بزدوى" و"الكشف".
مأخوذ من "الفتح" حيث قال: وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم، لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة وإن وقع إلزامًا في المباحث، بخلاف من خالف القواطع المعلومة بالضرورة من الدين، مثل القائل بقدم العالم، ونفى العلم بالجزئيات على ما صرح به المحققون. وأقول: وكذا القول بالإيجاب بالذات ونفي الاختيار. رد "المحتار" من المحرمات.
[ ٦٥ ]
وهذا الحديث وإن كان خبر واحد إلا أن خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير، وإن كان جحده لا كفر به؛ إذ لا يكفر جاحد الظني بل القطعي. "الصواعق" لابن حجر المكي عن الشيخ تقي الدين السبكي.
يريد به نحو حديث أبي سعيد عند ابن حبان كما في "الترغيب والترهيب" للمنذري: قال قال رسول الله - ﷺ -: "ما أكفر رجل رجلًا إلا باء أحدهما بها، إن كان كافرًا وإلا كفر بتكفيره". وفي رواية: "فقد وجب الكفر على أحدهما" وعليه بنى الشوكاني ﵀ تكفير الروافض كما في "رياض المرتاض".
ووجه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" من اللعان قول من قال بمضمون هذا الحديث، وحمله على ظاهره، وهو قول جماعة من العلماء الأعلام، كما ذكره ابن حجر المكي في "الإعلام بقواطع الإسلام" وكذا في "جامع الفصولين". وقال في "مختصر مشكل الآثار": معنى الكافر ههنا أن الذي هو عليه الكفر، فإذا كان الذي هو عليه إيمانًا كان جعله كافرًا جعل الإيمان كفرًا، فكان بذلك كافرًا، لأن من كفر بالإيمان فقد كفر بالله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية. وذكره البيهقي في "الأسماء والصفات" عن الخطابي، وما في "شرح الكنز" عن "الزيلعي" من النكاح من قوله: ثم المخبر إن كان هو الولي آه، يريد بالعقوبة عقوبة الدنيا، واختصره في "فتح القدير" فراجع، وذكره من متن
[ ٦٦ ]
"الكنز" في شتى القضاء، والرمز من أول الكراهية.