من كلام الحافظ رحمه الله تعالى
الأول: إن أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري ﵀ مائل إلى إكفار الخوارج - أي بعض من استحق منهم ذلك، وقد صرح به في كتابه "خلق أفعال العباد" - في فرق، ويوجب قتلهم بعد الأعذار إليهم والاستتابة، ولا يجب بل لا يمكن إلجاءهم واضطرارهم إلى الحق، أي لا يتصور من البشر إيجاد اليقين وإلقاءه في قلوبهم بحيث لا يبقى بعده إلا عناد ومكابرة، كما يزعمه الزاعمون ممن لم ينظر في الكتب وأقوال الأئمة، وبنى خياله على الحرية الدائرة في هذا العصر، ومجرد تحسين وتقبيح عقلي، ومثل هذا هو الذي ذكره علماء المذاهب الأربعة في باب المرتد حيث قالوا: يستتاب ويكشف شبهته، أي يذكر عنده ما يكشف الشبهة، لا أنه يستطيع أحد أن ييقنه بذلك ويلجئه إليه؟ فإذا لم يرجع قتل كفرًا. قال الشيخ ابن الهمام في "المسايرة" في إنكار القطعي الغير الضروري: إلا أن يذكر له أهل العلم ذلك فيلج أهـ.
ويؤخذ ذلك مما نقله الحموي في "الجمع والفرق" عن محمد ﵀ وعن أبي يوسف ﵀ في "البحر" في تعليم الجاهلة، ومما في "الهندية" عن "اليتيمة" في ما يتعلق بالصلاة.
وهاك نص تراجم البخاري:
قال: "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقوله
[ ٣٢ ]
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ثم بوب على وجه العذر في ترك قتلهم حيث ترك فقال: "باب ترك قتال الخوارج للتألف، ولئلا ينفر الناس عنه".
ثم بوب على التأويل وقال: "باب ما جاء في المتأولين" وأراد به تأويلًا لا يكون كتأويل الخوارج، إذ بوب عليهم قبل ذلك، وذلك التأويل كما في "الفتح" ما كان سائغًا في كلام العرب، وكان له وجه في العلم أهـ.
وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "تحفة الباري": ولا خلاف أن المتأول معذور بتأويله إن كان تأويله سائغًا أهـ. لا مطلق التأويل فإنه لا يدفع القتل بل لا يدفع الكفر أيضًا.
الثاني: إن إنكار القطعي كفر، ولا يشترط أن يعلم ذلك المنكر قطعيته ثم ينكر فيكون بذلك كافرًا على ما يتوهمه الخائلون، بل يشترط قطعيته في الواقع، فإذا جحد شخص ذلك القطعي استتيب، فإن تاب وإلا قتل على الكفر، وليس وراء الاستتابة مذهب كما قال القائل: وليس وراء الله للمرء مذهب
وذلك من كلام الشيخ تقى الدين السبكي في عبارة الحافظ ﵀.
الثالث: الرد على من قال: لا يخرج أحد من أهل الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمخ إلا بقصد الخروج منه عالمًا، وذلك من
[ ٣٣ ]
كلام الطبري في عبارته، ومن كلام القرطبي أيضًا في آخر العبارة. وقال ابن تمية في "الصارم المسلول": والغرض هنا أنه كما إن الردة تتجرد عن السب فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال الكفر، إن لا يقصد أن يكفر أهـ.
قال: وهذا الرجل لم يظهر مجرد تغير الاعتقاد حتى يعود معصومًا بعوده، إليه وليس هذا القول من لوازم تغير الاعتقاد حتى يكون حكمه كحكمه.
قال: ومن جهة كونه قد يظن أو يقال أن الاعتقاد قد يكون سالمًا معه فيصدر عمن لا يريد الانتقال من دين إلى دين، ويكون فساده أعظم من فساد الانتقال، إذ الانتقال قد علم أنه كفر فنزع عنه ما نزع عن الكفر، وهذا قد يظن أنه ليس بكفر إلا إذا صدر استحلالًا، بل هو معصية، وهو من أعظم أنواع الكفر أهـ.
قلت: المراد بالمروق هو الخروج من حيث لا يدري، وهو مؤدي هذا اللفظ وحقه، ومن قال ذلك لعله يقول: أن أهل الملل غير الإسلام لا يهلكون أيضًا متى لم يكونوا معاندين، وقد نسب ذلك إلى بعض، وقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني - كما في "الشفاء" -: إن هذا القول كفر، ومعلوم أن دليل ذلك القائل لو كان صحيحًا كان عامًا يشمل أهل الإسلام وغيرهم ممن لم يكابر.
الرابع والخامس: جواب الحافظ عن أدلة من لم يكفر
[ ٣٤ ]
الخوارج، ثم تقسيم منه إلى من كفر منهم وإلى من لم يكفر، من عنده ومن كلام الغزالي أيضًا في "الوسيط" فإن لم يكن الحافظ اختار تكفير الخوارج فقد أجاب عن ادلة عدم التكفير. والحق أن من أنكر متواترًا كفر، ومن لافلا، والحق أيضًا أن حديث المروق يدل على أن المارقة أقرب إلى الكفر من الإيمان، ومن أصرح ما وجدت فيه ما عند ابن ماجه عن أبي أمامة - ﵁ -: "قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارًا" قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله - ﷺ - قال الحافظ محمد بن إبراهيم اليماني في "إيثار الحق": اسناده حسن أهـ. وحسنه الترمذي مختصرًا، وبعضهم كالطحطاوي في الإمامة فسر الخوارج بمن خرج عن عقيدة السنة، وكذا ابن عابدين هناك، وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله - ﷺ - بمال فقسمه" الحديث، ثم قال "يخرج في أخر الزمان قوم - كان هذا منهم - يقرؤون القرآن آهـ لا يزالون يخرجون حتى يخرج أخرهم مع المسيح الدجال". وصرح في "الصارم" في السنة الرابعة عشر بكفرهم، وأجاب هناك عن كل ما يرد ومن الحديث الخامس عشر، وشواهد حديث أبي برزة في "الكنز" و"المستدرك".
[ ٣٥ ]
السادس: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، وذلك من كلام ابن هبيرة، وأقول: كذلك إكفار المتأولين والملحدين أهم من إكفار المعاندين، فإن التأويل يتخذ دينًا كما اتخذه أتباع ذلك الدجال بخلاف التعمد، هذا وقد بوب البخاري قبل هذا على إنكار بعض الضروريات، وأنه ارتداد فقال: (باب قتل من أبي قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة) .
وأخرج فيه حديث قتال أبي بكر مع من فرق الصلاة والزكاة، فجعلهم مرتدين، مع أنهم كانوا متاولين، فظهر أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع الكفر، وغاية ما يوسع فيه هو الإنذار والاستتابة، فإن تاب وإلا قتل كفرًا، وليس ذلك إكراهًا مذمومًا بل هو إكراه على الحق الذي وضحت حقيته، فهو عين العدل وعين الصواب. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. المسألة الثانية قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين. قال - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ اهـ. وأعاده في "الممتحنة". وقال في "الصحيح" عن النبي - ﷺ -: "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل اهـ". والحق أن الإكراه على الحق الذي كان وضوحه بديهيًا ليس بإكراه، واختاره في "روح المعاني" أيضًا.
[ ٣٦ ]
وهذه أكثر الشكوك التي تغشي الناظرين في هذه المسألة، وقد أحاطها وأماطها الحافظ وحكها وفكها، فأبى المستروحون إلا استرسالهم مع ما يركبه الخيال ويجلبه من حديث نفس وأمنية، والله الهادي ومن يضلله فلا هادي له، يريد الكافرون ليطفؤه ويأبى الله إلا أن يتمه.