ما عند الطحاوي في "معاني الآثار" وبعض طرقه الأخر في "فتح الباري" نم حد الخمر عن علي - ﵁ - قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر،
[ ٩٤ ]
وعليهم يؤمئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا هي حلال، وتأولوا ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فكتب فيهم إلى عمر - ﵁ - فكتب عمر - ﵁ - أن ألعث بهم إلى قبلي أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا على عمر - ﵁ - استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ترى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعلي - ﵁ - ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: ارى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين، "طحاوي" و"فتح الباري" و"كنز العمال"،
قال في "الصارم المسلوم": حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا.
مع أن هذه الآية كانت نزلت في من شربها، ولكن قبل التحريم، فكانت شبهتهم لهذا، ومع ذلك لم تعتبر، وقد ذكره في "تحرير الأصول" مى تقسيم الجهل، وذكره أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن" محررًا.
وعن أنس: أن النبي - ﷺ - دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه:
[ ٩٥ ]
خلوا بني الكفار عن سبيله قد أنزل الرحمان في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله نحن قتلناكم على تأزيله
كما قتلناكم على تنزيله
أخرجه أبو يعلى من طريقه (أي من طريق عبد الرزاق) "فتح الباري".
قال: نحن ضربناكم على تأويله، أي حتى تدعنوا إلى ذلك التأويل ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه قال: وصحيح الرواية:
نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
يشير بكل منهما إلى ما مضى، قال: وقد صححه ابن حبان من الوجهين، قال: مع أن الوجه الأول على شرطهما إلخ. قبلت: فهذا في حكم النص والإجماع أنه يقاتل ويضرب على قبول تأويل القرآن، أي ما آل إليه أمره في المصداق عند السلف، كما يقاتل ويضرب على قبول تنزيله، وهذا المراد بالتأويل، هو عرف السلف، صرح به الحافظ ابن تيمية في تصانيفه، والخفاجي في "شرح الشفاء". وراجع "أحكام القرآن" للحصاص.
[ ٩٦ ]
وهو عرف القرآن العزيز، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقول يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ لا يريدون بالتأويل الصرف عن الظاهر، والغرض أن من ترك تأزيل السلف وهو التفسير في عرف المتأخرين استحق ما يستحقه من ترك التنزيل بلا فرق. وفي "بدائع الحنفية": أنه - ﷺ - كان قال لعلي - ﵁ -: إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل، ولعله - ﷺ - أراد به قتال الخوارج، وقد بوب عليه في "مختصر الآثار" للطحاوي، فقال: باب قتال علي - ﵁ - أهل الأهواء، وذكر هذا الحديث، وقد أخرجه النسائي في خصائص علي - ﵁ -، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على
[ ٩٧ ]
شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في "تلخيصه" ولفظه عندهم: أن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم، وفيهم أبو بكر وعمر - ﵄ -. قال أبو بكر - ﵁ -: أنا هو؟ قال لا، قال عمر - ﵁ -: أنا هو؟ قال لا، ولكن خاصف النعل يعني عليًا - ﵁ - الحديث. وهو يدل على المساوات في الحكم في إنكارهما، وأخرجه أحمد في "مسنده".
فتمثل به عمار في الصفين بنحو تمثل، أو زعم أنهم المرادون به، ثم تبين له أن ليس المراد به أهل صفين، كما تدل عليه أقواله فيهم في "منهاج السنة"، بل المراد الخوارج.
وفي "مختصر مشكل الآثار": ومما حقق الوعد ما كان من قتال علي - ﵁ - على الخوارج، وقتله إياهم، ووجودهم على الصفة التي وصفهم عليها النبي - ﷺ -، وهذا من الخصائص التي اختص الخلفاء بها، فاختص أبو بكر - ﵁ - أهل الردة، وعمر - ﵁ - بقتال العجم، حتى فتح الله على يديه وأظهر به الدبن، وعلي بن أبي طالب - ﵁ - بقتال الخوارج المقاتلين على تأويل القرآن، وعثمان بن عفان بجمع القرآن على حرف واحد، فقامت به الحجة، وأبان به أن من خالف حرفًا منه كان كافرًا، وأعاذنا به أن نكون كأهل الكتابين قبلنا الذين اختلفوا في كتابهم حتى تهيأ منهم تبديله فرضوان الله على خلفاء رسوله، جزاهم الله عنا أفضل
[ ٩٨ ]
ما جتزى به أحدًا من خلفاء أنبيائه على طاعنهم إياه، ونحمد الله على ما عرفنا به من أماكنهم، وفضائلهم، وخصائصهم، ولم يجعل في قلوبنا غلًا لأحد منهم، ولا لمن سواهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إنه أرحم الراحمين. فقط.
قلت: لذي النورين - ﵁ - قتال كثير مع العجم وجهاد معهم، ثم بعده محو أسباب الاختلاف، فرضى بالشهادة، ولم يرض بالاختلاف.
ومما يدل على القتال في التأويل كما يقاتل على التنزيل وشهرته بين الصحابة ما في "الصارم المسلول" من الحديث الخامس عشر، ومما يدل على أنهم كانوا يرون قتل من علموا أنه من أولئك الخوارج وإن كان منفردًا حديث صبيغ بن عسل، وهو مشهور، قال أبو عثمان النهدي: سأل رجل من بني يربوع، أو من بني تميم، عمر بن الخطاب - ﵁ - عن الذاريات، والمرسلات، والنازعات، أو عن بعضهن؟ فقال عمر: ضع عن رأسك فإذا له وفرة، فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك! قال: ثم كتب إلى أهل البصرة، أو قال: إلينا: أن لا تجالسوه، قال: فلو جاء ونحن ماءة نفر تفرقنا. رواه الأموي وغيره بإسناد صحيح، فهذا عمر يحلف بين المهاجرين والأنصار، أنه لو رأى العلامة التي وصف بها النبي - ﷺ - الخوارج لضرب عنقه، مع أنه هو الذي نهاه النبي - ﷺ - عن قتل ذي الخويصرة، فعلم أنه فهم من قول النبي - ﷺ -: أينما لقيتموهم فاقتلوهم، القتل مطلقًا، وإن العفو عن ذلك كان في حال الضعف والاستيلاف اهـ.
[ ٩٩ ]
وقد أثبت أن القتل هناك للكفر لا للحرب، فراجعه فإنه لابد من ملاحظة هذا الشطر، مع ما ذكره في "منهاج السنة"، فلكل مقام مقال، وقد كثر في تصانيفه هذا الصنيع؛ فيتكلم في كتاب على المسألة شطرًا من الكلام، وفي كتاب آخر على شطره الآخر. وقد ذكر في "المنهاج" أيضًا فصلًا في كفر الروافض، وختمه بقوله: فإذا كانوا يدعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأزلئك السلف، وإن الصديق - ﵁ - وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان اهـ.
وفيه تصريح بأن من تأول لأهل اليمامة فهو كافر، وإن من لم يكفر كافرًا مقطوعًا بكفره فهو كذلك، وذكر فيه: أن قتال الخوارج لم يكن كقتال البغاة، بل نوع آخر فوقه، وشيئًا في الروافض فيه.
وإذا كان قول رأس الخوارج أن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله كفرًا مجمعًا عليه ينسحب هذا الحكم على ضئضئه وأذنابه، وقد أثبت الحافظ في "الفتح" أمره - ﷺ - بعد ذلك بقتل رأسهم القائل أن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فاستووا كفرًا وقتلًا. وموجب كفرهم وسببه كما في "الصارم".
[ ١٠٠ ]
وما كان ديدنهم هو وضع القرآن في غير موضعه: فعند "مسلم" قال: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون الكتاب ليًا رطبًا اهـ. ليًا - بالياء - أشار القاضي إلى أنه رواية أكثر شيوخهم، يلوون ألسنتهم به - أي يحرفون معانيه وتأويله - ذكره النووي، وقال البخاري: وكان ابن عمر - ﵁ - يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على الكؤمنين اهـ. وهو الوضع في غير موضعه، والتأويل في غير محله، وكانوا يقولون كلمة حق أريد بها باطل. وعند "مسلم": يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه اهـ. في "الكنز" عن حذيفة أن رسول الله - ﷺ - ذكر: أن في أمته قومًا يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله اهـ. ابن جرير وأبو يعلى كما في "الإتقاق" من النوع الثمانين. وابن كثير.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
فخرج من هذه الأحاديث بهذا الوجه وجه من كفرهم من أهل الحديث، كما مر عن "المسوى"، وقد نسبه السندي على "سنن النسائي" إليهم،
[ ١٠١ ]
وهو قول فحل، وكذا نبسه في "فتح القدير" إليهم، وخرج عدم الفرق بين الجحود والتأويل في القطعيات، والله ﷾ أعلم، وخرج أن الكفر قد يلزم من حيث لا يدري (مع ما يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم، وأعماله مع ما أعمالهم، وليست قراءته إلى قراءتهم شيئًا، فخذ هذه الجمل النبوية أصلًا في مسألة التكفير، فهي كأحرف القرآن كلها، شاف كاف، وإنما اختلف العبارات في أهل الأهواء. إما لإختلاف حالاتهم غلوًا وعدم غلو، وإما لإختلاف أصحابه التصانيف فمنهم من بلى بأهل الأهواء، واختبر حالهم، ورأى ضررهم على الدين، فشدد النكير عليهم بحيث لا تبقى ولا تذر. ومنهم من لم يبتل بهم، ولم يسبر غورهم، فهو يحذر عن التكفير مشيًا على الأصل، وهو المراد بقولهم: لا يكفر أهل القبلة - أي الأصل فيهم ذلك لا بناءًَ على خصوص الحال - وقد احتطنا في هذه المقالة ما رأيناه احتياطًا، فإن له مقامًا، فقد يحتاط الرجل نظر الجانب، وهو خارج منه من جانب آخر، فيقع في عدم الاحتياط من حيث لا يدري، فإنما أعلنا ههنا ما ندين الله به، واحتطنا ما رأيناه حقه، والله على ما نقول وكيل، وله الحمد على كل حال، وقد قال رسول الله - ﷺ - كما رواه البيهقي في "المدخل" -: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وهو كلام خرج من مشكاة النبوة، ومصابيح السنة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من غير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة، بظنون وأوهام، واستبعادات من غير برهان
[ ١٠٢ ]
قاطع، فيجب تكفيره قطعًا. "فيصل التفرقة" للإمام الغزالي.
وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. "فيصل التفرقه".
ولابد من التنبيه على قاعدة أخرى، وهو ان المخالف قد يخالف نصًا متواترًا ويزعم أنه مأول، ولكن ذكر تأويلًا لا انقداح له أصلًا في اللسان، لا على بعد ولا على قرب، فذلك كفر، وصاحبه مكذب، وإن كان يزعم أنه مأول. "فيصل التفرقة".
قطرة من بحرة من كتاب "الصارم المسلوم على شاتم الرسول" للحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى، في أن الحاق نقص وشين لحضرة الأنبياء ﵈ كفر، بل كل الكفر، واستوعب في كتابه هذه السألة، وأوعب من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأن النبي - ﷺ - له أن يعفو عن سابه، وله أن يقتل، وفي وقع كلًا الأمرين، وأما الأمة فيجب عليهم قتله، وفي الاستتابة وعدمها، وقبول التوبة وعدمه في أحكام الدنيا اختلاف".
وروى حرب في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتى عمر - ﵁ - برجل سب النبي - ﷺ - فقتله، ثم قان عمر - ﵁ -: من سب الله تعالى أو سب أحدًا من الأنبياء فاقتلوه. قال ليث: وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب رسول الله - ﷺ -،
[ ١٠٣ ]
وهي ردة يستتاب. فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عائد فسب الله أو أحدًا من الأنبياء أو جهر به. فقد نقض العهد، فاقتلوه.
قلت: وأخرجه باللفظ الأول في "الكنز" عن "أمالي أبي الحسن بن رملة الأصبهاني"، وقال: سنده صحيح.
وحمل اللفظ الثاني على من كذب بنبوة شخص من الأنبياء وسبه، بناءً على أنه ليس بني، ألا ترى إلى قوله: فقد كذب برسول الله إلخ. ولعل المراد: من سب أحدًا من الأنبياء، بناء على أنه ليس نبينا المبعوث إلينا.
الدليل السادس: أقاويل الصحابة، فإنها نصوص في تعيين قتله، مثل قول عمر - ﵁ -: من سب الله، أو سب أحدًا من الأنبياء فاقتلوه، فأمر بقتله عينًا: ومثل قول ابن عباس - ﵁ -: أيما معاهد عائد فسب الله، أو سب أحدًا من الأنبياء، أو جهر به فقد نقض العهد، فاقتلوه، فأمر بقتل المعاهد إذا سب عينًا، ومثل قول أبي بكر الصديق - ﵁ - - فيما كتب به إلى المهاجر في المرأة التي سبت النبي - ﷺ -: لولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد ومعاهد فهو محارب غادر. - وهذا في "زاد المعاد" من أحكام فتح مكة ومن قضاياه - ﷺ -.
فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر، وجماع
[ ١٠٤ ]
جميع الضلالات، وكل كفر منه، كما إن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان، وجماع مجموع أسباب الهدى.
قد يعمد الساب فينقل السب عن غيره ويتخذه دغلًا ودريةً لإظهاره وإشاعته، فيتم له هذا الغرض، وهو من كفر خفى يظهر من نفثات صدره وفلتات لسانه، ومن مرض مزمن في قلبه أفسد بطنه وباطنه، وورى ريته وجوفه.
ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت، مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "إن أخاه أتى النبي - ﷺ - فقال: جيراني على ماذا أخذوا؟ فأعرض عنه النبي - ﷺ -، فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الغي وتستخلي به، فقال: لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي وما هو عليهم، خلوا له جيرانه". رواه "أبو داؤد" بإسناد صحيح. فهذا وإن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انقاصه وإيذاءه بذلك، ولم يحكه على وجه الرد على من قاله، وهذا من أنواع السب.
قلت: وهذا لفظ "المسند"، وفي لفظ آخر له: "إنك تنهى عن الشر وتستخلي به" وكذلك في "كنز العمال" عن عب.
وقال أصحابنا: التعريض بسب الله وسب رسول الله - ﷺ - ردة، وهو موجب للقتل كالتصريح. "الصارم".
وقد قرره وحرره، ومثل للتعريض بأمثله، ونقل الاتفاق على
[ ١٠٥ ]
الإكفار، وقال أيضًا: وقد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئًا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وكذلك أصحابنا قالوا: من ذكر الله، أو كتابه، أو دينه، أو رسوله - ﷺ - بسوء فجعلوا الحكم فيه واحدًا إلخ. وهو في التعريض، وذكر عبارة الإمام أحمد في مواضع. وإذا ثبت أن كل سب تصريحًا أو تعريضًا موجب للقتل إلخ.
وقال في "فتح الباري": فإن عرض فقال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مسلمًا اهـ.
وقال ابن عتاب: نص الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي - ﷺ - بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقتله واجب. "شفاء".
وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه بأنه اختلقه، ونسبه إلى غيره، أو كانت تلك عادة له، بأن يكثر من ذكره ويزعم أنه حاك له، أو ظهر حال نقله استحسانه لذلك، وإنه لا محذور فيه، أو كان مولعًا بمثله والاستخفاف له، أي عده هنيًا عنده لا محذور فيه، أو التحفظ، اي حفظه كثيرًا. لمثله أو طلبه، ورواية أشعار هجوه - ﷺ - وسبه فحكم هذا الحاكي حكم الساب نفسه، يؤاخذ بقوله، ولا تنفعه نسبته، فيبادر بقتله،
[ ١٠٦ ]
ويعجل إلى الهاوية أمه. "شفاء مع شرح الخفاجي" ملتقطًا.
فصل: الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيًا عن غيره، وآثرًا عن من سواه، فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته، ويختلف الحكم باختلاف ذلك. "شفاء".
وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجى به النبي - ﷺ -، وكتابته وقراءته، وتركه متى وجد دون محر. "شفاء".
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: من حفظ شطر بيت مما هجى به النبي - ﷺ - فهو كفر. "شفاء". وذكر أنه كنى في كتبه عن اسم المهجو بوزن اسمه.
قلت: وهذا الملحد إذا أتى على ذكر عيسى ﵇ استشاط. غيظًا، ولم يملك نفسه، فيسترسل في مثاليه بالهمز واللمز، ويبسطه كل البسط. وبلفته كل اللفت، ثم يتستر بكلمة خفية، ربما لا ترى، فيقول على قول النصارى مثلًا، وفي أثناء كلامه قوله: والحق أن عيسى لم يصدر منه معجزة، وإنما كان عنده عمل السيميا، ويقول عارضه سوء قسمته، إذ كان هناك حوض يستسقى منه الناس، يعني فهذا يقدح في معجزاته، فجعله بقوله والحق تحقيقًا عنده، ومع هذا يقول أتباعه أنه على طريق الإلزام، والعلماء لما سلكوا هذا الطريق جعلوا الدعوى أن كتبهم محرفة، إذ يوجد فيها ما يخالف عصمة الأنبياء، وهذا الملحد جعل الدعوى خيبة عيسى، وعدم نجحه - والعياذ بالله - وجعل يشيعه ويبذل مهجته فيه، و
[ ١٠٧ ]
سرى ذلك في أتباعه الملاعنين، فهم يصنفون في هجاء عيسى ﵇ ويشيعونه في أهل الإسلام، دع النصارى، وغرضهم بذلك أن لا يبقى للناس اشتياق إلى عيسى بن مريم ﵇، فيسلموا ذلك الشقي الهاذي المهذار، خذله الله تعالى. وقد ذكر العلماء أن التهور في عرض الأنبياء وإن لم يقصد السب كفر، وليس من شأن المؤمن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.