ما في التفاسير من "روح المعاني" وغيره تحت قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في "الأوسط" وغيرهما عن ابن عباس - ﵄ - قال: "قام رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة خطيبًا، قال: قم يا فلان فاخرج فإنك منافق، أخرج يا فلان فإنك
[ ١٢٦ ]
منافق فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم إلخ".
وفي رواية ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري: أنه - ﷺ - أقام في ذلك اليوم، وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلًا إلخ". ونحوه عند ابن كثير.
وذكر ابن اسحق في "سيرته" أسماء المنافقين بحيث امتاز المجرمون ثم قال: وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخروم منهم، ويستهزؤون بدينهم، فاجتمع يومًا في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله - ﷺ - يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله - ﷺ -، فأخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا إلخ.
بل ثبت الأمر بالقتل في حالة الصلاة لمن جاء فيه أن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين، أخرجه أحمد في "مسنده"، وسنده جيد، ذكره الحافظ في "الفتح" قال: وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى، ورجاله ثقات إلخ.
بل ثبت الأمر بالقتل - ولو في المسجد الحرام - لابن أبي سرح وغيره،
[ ١٢٧ ]
ومكان ابن سرح قد قال: إن كان أوحى إلى محمد فقد أوحى إلي. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ الآية وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
ولو بنوا مسجدًا لم يصر مسجدًا، ففي "تنوير الأبصار" من وصايا الذمي وغيره-: وصاحب الهوى إذا كان لا يكفر فهو بمنزلة المسلم في الوصية، وإن كان يكفر فهو بمنزلة المرتد.
فذلكة: كان وضع هذه الرسالة في أن التصرف في ضروريات الدين، والتأول فيها، وتحويلها إلى غير ما كانت عليه، وإخراجها عن صورة ما تواترت عليه كفر، فإن ما تواتر لفظًا أو معنى، وكان مكشوف المراد، فقد تواتر مراده، فتأويله رد للشريعه القطعية، وهو كفر بواح، وإن لم يكذب صاحب الشرع، وإنه ليس فيه إلا الإستتابة، ومن زعم أنه لابد من إلقاء اليقين في قلبه وإئلاج صدره، فإذا عاند بعد ذلكفقد كفر، وإلا فلا، فإن ذلك الزاعم لم يضع للدين حقيقة تارة، وإنما جعله يدور مع الخيال، كيفما دار، وهذا باطل قطعًا، فإن الأمر فيكا ثبت ضرورة مفروغ عنه، فمن آمن به فقد دان بدين الله، ومن أنكره فقد كفر، وإن لم يقصد الكفر، وإنما الدور مع الظن في المحل المجتهد فيه، ولا في غيره، فكما أن في باب إنكار الحقائق عنادية وعندية ولا أدرية وشاكة في الشك، فكذلك هذه الأقسام في إنكار الضروريات، وكلها
[ ١٢٨ ]
كفر، ومن قال أن الجهل بكون الكلمة كفرًا عذر، أراد في غير الضروريات، كما قد نبهنا عليه في الأمر الثالث من عبارات "فتح الباري"، ومر عن "الأشباه والنظائر"، و"حاشيته"، وبعد هذا فقد قال في "الخلاصة": ومنها أنه من أتى بفلظة الكفر، وهو لم يعلم أنها كفر، إلا أنه أتى بها عن اختيار، يكفر عند عامة العلماء خلافًا للبعض، ولا يعذر بالجهل إلخ.
وفي "مجمع الأنهر" مستدركًا على "البحر": لكن في "الدرر": وإن لم يعتقد: أو لم يعلم أنها لفظة الكفر، ولكن أتى بها عن اختيار، فقد كفر عند عامة العلماء، ولا يعذر بالجهل إلخ. وعزاه في "الدرر" من الكراهية، والاستحسان "للمحيط". وهذا الخلاف في غير الضروريات. وأما هي فليس فيها إلا الإستتابة، قال في "فتح الباري": وقد وقع في حديث معاذ: " إن النبي - ﷺ - لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها" وسنده حسن إلخ.
ونقله في "تخريج الهداية" عن "معجم الطبراني" في المسألة الثانية بالاستتابة فقط، وهو مذهب أصحابنا في المرأة، أو يجمل على السابة، فقد صرح في "الرد" من آخر الجزية عن محمد رحمه الله تعالى بقتلها، قال ناقلًا عن "الذخيرة": واستدل محمد لبيان قتل المرأة بما روى أن عمير ابن عدى لما سمع عصماء بنت مروان تؤذي الرسول - ﷺ - فقتلها ليلًا، مدحه - ﷺ - على ذلك انتهى فليحفظ. وكما نقله الزيلعي نقله في "الكنز".
[ ١٢٩ ]
فالله أعلم.
عن قابوس بن مخارق أن محمد بن أبي بكر - ﵁ - كتب إلى علي - ﵁ - يسأله عن مسلمين تزندقا اهـ: فكتب إليه علي - ﵁ -: أما اللذان تزندقا فإن تاب وإلا فاضرب أعناقهما. "الشافعي ش ق كنز". وذكره في "تخريج الهداية" من موت المكاتب وعجزه، فلم يذكر إلا الإستتابة، وليس في طوق البشر إلا ذلك، وهو ما في الصحيح عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: "مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء" الحديث - إلى أن قال -: "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه، ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًاَ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به اهـ". فذكر القبول وعدمه، وذلك من جانب الناس لا إلقاء اليقين، بحيث لا يتأتى بعده إلا العناد، وقد يقال: أنه بعد ذلك عناد، وإن لم يقصده الجاحد.
باران كه در لطافت طبعش خلاف نيست
در باغ لاله رويد ودر شوره بوم خس
وقال في "تحرير الأصول" في منكر الرسالة بعد ما تواتر ما يوجب النبوة: فلذا لا تلزم مناظرته؛ بل إن لم يتب المرتد قتلناه اهـ.
وبالجملة لا يلزم أزيد من التبليغ كما في الجهاد مع الكفار، وتلك المسألة مروية عنم الأئمة، ففي "الصارم": ويدل على المسألة ما روى أبو ادريس قال: أتى علي - ﵁ - بناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم، فجحدوا، فقامت عليهم البينة العدول، قال: فقتلهم، ولم يستتبهم، قال:
[ ١٣٠ ]
وأتى برجل كان نصرانيًا وأسلم ثم رجع عن الإسلام، قال: فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه، فقيل له: كيف تستتيب هذا ولم تستتب أولئك قال: إن هذا أقر بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة فلذلك لم استتبهم، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروى عن أبي ادريس قال: "أتى علي - ﵁ - برجل قج تنصر فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقتله، وأتى برهط يصلون إلى القبلة، وهم زنادقة، وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول، فجحدوا وقالوا: ليس لنا إلا دين الإسلام، فقتلهم ولم يستتبهم، ثم قال: أتدرون لم استتب هذا النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه، وأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينخ وجحدوني، فإنما قتلهم لأنهم جحدوا، وقامت عليهم البينة" فهذا من أمير المؤمنين علي - ﵁ - بيان أن كل زنديق كتم زندقته وجحدها حتى قامت عليه البينة قتل ولم يستتب.
فإن قيل: لا يليق بعدل الباري تعالى المؤاخذة قبل التعجيز بالحجة. قيل: ولا بعد التعجيز، إذ يبقى لم لم يوقفهم للهداية؟ ومثل هذه وساوس يستعاذ منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكان موضوع الرسالة ما ذكرنا.
لكت في أثناء التأليف أنجر البحث عند الكلام في مسألة التأويل إلى نقول أخر، والشيء بالشيء يذكر، فأنضم إليها أطراف وذيول، لعلها تفيد الناظرين، فليس من الدين أن يكفر مسلم، ولا أن يغمض عن كافر، والناس في هذه المسألة في هذا العصر على طرفى نقيض، ولقد صدق من قال: إن الجاهل إما مفرط وإما مفرط، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١٣١ ]