هم الَّذين زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِمَا وصف بِهِ نَفسه فِي الْقُرْآن الْكَرِيم أَو وَصفه بِهِ رَسُوله مُحَمَّد ﷺ فِي صَحِيح السّنة وَأكْثر مَا ذكر هَذَا الزَّعْم الْبَاطِل عِنْد الْمُسَمّى جهم بن صَفْوَان وَقد قتل سنة ١٣٠ وَالْحَمْد لله بِسيف الْإِسْلَام وَقد انطفأت فتنته بعد قَتله بِقَلِيل وَأكْثر مَا نجد الاتهام بِهِ عِنْد بعض الْمُتَكَلِّمين بعد فَإِنَّمَا هُوَ نبز قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ جهم ينتحل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقتل جهم قَتله سلم ابْن أحوز الْمَازِني فِي آخر ملك بني أُميَّة ويحكى أَنه كَانَ يَقُول لَا أَقُول الله سُبْحَانَهُ شَيْء لِأَن ذَلِك تَشْبِيه لَهُ بالأشياء وَكَانَ يَقُول إِن علم الله سُبْحَانَهُ مُحدث فِيمَا يحْكى عَنهُ وَيَقُول بِخلق الْقُرْآن وَإنَّهُ لَا يُقَال إِن الله لم يزل عَالما بالأشياء قبل ان تكون
وَقَالَ الشَّيْخ أنور الكشميري رَحمَه الله تَعَالَى جهم بن صَفْوَان رجل مُبْتَدع نَشأ فِي ترمذ فِي أَوَاخِر عهد التَّابِعين قَالَ أَبُو معَاذ الْبَلْخِي كَانَ جهم على معبر ترمذ وَكَانَ كُوفِي الأَصْل فصيحا وَلم يكن لَهُ علم وَلَا مجالسة أهل الْعلم فَقيل لَهُ صف لنا رَبك فَدخل الْبَيْت وَلم يخرج ثمَّ خرج بعد أَيَّام فَقَالَ هَذَا هُوَ الْهَوَاء مَعَ كل شَيْء
[ ٣٤ ]
وَفِي كل شَيْء وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء
وَقَالَ أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الْجَهْمِية فلايختلف أحد مِمَّن صنف فِي المقالات أَنهم ينفون الصِّفَات حَتَّى نسبوا إِلَى التعطيل قَالَ والجهمية أَتبَاع جهم بن صَفْوَان الَّذِي قَالَ بالإجبار والإضطرار إِلَى الْأَعْمَال وَقَالَ لَا فعل لأحد غير الله تَعَالَى وَزعم أَن علم الله تَعَالَى حَادث وَامْتنع عَن وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ شَيْء أَو عَالم مُرِيد حَتَّى قَالَ لَا أصفه بِوَصْف يجوز إِطْلَاقه على غَيره
وَثَبت عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ بَالغ جهم فِي نفي التَّشْبِيه حَتَّى قَالَ إِن الله لَيْسَ بِشَيْء وَفِي كتاب المسايرة لِابْنِ الْهمام عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ لَهُ بعد مَا ناظره أخرج عني يَا كَافِر وَهُوَ الْقَائِل بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار فيض الْبَارِي ٤ / ٥١٣ وَانْظُر المقالات ٦٢٦
قلت وَهُوَ أول من قَالَ بوحدة الْوُجُود بَين الْمُسلمين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لله أَسمَاء وصفات لَا يسع أحدا ردهَا وَمن خَالف بعد ثُبُوت الْحجَّة عَلَيْهِ فقد كفر وَأما قبل قيام الْحجَّة فَإِنَّهُ يعْذر بِالْجَهْلِ لِأَن علم ذَلِك لَا يدْرك بِالْعقلِ وَلَا الروية والفكر ذكره أَبُو حَاتِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي عَنهُ من رِوَايَة يُونُس بن عبد الْأَعْلَى
لقد زعم الشقي جهم أَنه يَنْفِي صِفَات عَن الله تَعَالَى أثبتها سُبْحَانَهُ لنَفسِهِ ينزه الله ﷻ فَكَانَ بنفيه ذَلِك وبأفكاره الرَّديئَة الْأُخْرَى ضلاله وكفره وارتداده حَتَّى قتل على ذَلِك
وَكَانَ على شَيْء من تَعْطِيل الله تَعَالَى عَن بعض صِفَاته طَائِفَة الْمُعْتَزلَة المنتسبين إِلَى
[ ٣٥ ]
وأصل بن عَطاء الَّذِي عَزله الْحسن الْبَصْرِيّ عَن حلقته أَو اعتزل هُوَ عَنْهَا
فقد نفوا صِفَات الْمعَانِي من جِهَة استقلالها كصفات قَائِمَة بِاللَّه تَعَالَى على مَا هُوَ اعْتِقَاد أهل السّنة فَقَالُوا فِي الْإِرَادَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر إِنَّه مُرِيد بِذَاتِهِ وعالم بِذَاتِهِ إِلَى آخرهَا وَلم يَقُولُوا مُرِيد بِصفة الْإِرَادَة الَّتِي لَيست هِيَ هُوَ وَلَا غَيره وَمن ثمَّ سَمَّاهُ بَعضهم نفاة الصِّفَات وهم لم ينفوا الصِّفَات وَإِنَّمَا نفوا استقلالها كَمَا تقدم وَلذَا لم يكفرهم السّلف الصَّالح أَو أَكْثَرهم فِي هَذَا الشَّأْن
وَكَانَ الَّذِي زين لَهُم ذَلِك الْحِرْص على تَوْحِيد الله تَعَالَى وتنزيهه عَن الْعدَد وَالْكَثْرَة فَكَانَ نزغة من نزغات الشَّيْطَان وَإِلَّا فَمن يَقُول إِن تعدد الصِّفَات تدل على تعدد الذَّات أيا كَانَت تِلْكَ الصِّفَات وزين لَهُم ذَلِك وَغَيره اغترارهم بِالْعقلِ وتحكيمه فِي النُّصُوص الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة فِي بعض الْأَحْوَال وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فزعموا أَن الله تَعَالَى لَا يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجنَّة مَعَ ثُبُوت الرُّؤْيَة بالنصوص الصَّرِيحَة فِي الْكتاب وَالسّنة خوفًا مِنْهُم على التَّنْزِيه والوقوع فِي التَّشْبِيه وَزَعَمُوا أَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق افعال نَفسه وَزَعَمُوا أَن الْمَقْتُول ميت قبل أَجله وَأَن رزق الله تَعَالَى لعَبْدِهِ هُوَ الْحَلَال فَقَط فَمن يَأْكُل الْحَرَام فَغير الله هُوَ رازقه وَزَعَمُوا أَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان كَمَا زَعَمُوا أَن كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق وَغير ذَلِك
واندفعوا بعد ذَلِك يجادلون ويناقشون وهم قوم أُوتُوا الجدل يردون كثيرا من نُصُوص الصِّفَات اعْتِمَادًا على عُقُولهمْ غافلين عَن أَن الْعُقُول من خلق الله تَعَالَى وَلَا يُمكن أَن يدْرك الْمَخْلُوق خالقه وَصِفَاته وَإِنَّمَا يُؤمن بذلك على مَا ورد
وَقد نقل الإِمَام الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَحَادِيث فِي نزُول الله تَعَالَى وَفِي روية الْمُؤمنِينَ لَهُ ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ إِلَى عباد بن الْعَوام قَالَ قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من سنة قَالَ فَقلت يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث قَالَ فَحَدثني بِنَحْوِ من عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا وَقَالَ أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فهم عَمَّن أخذُوا
[ ٣٦ ]
لقد ألف عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة رَحمَه الله تَعَالَى توفّي ٣٧٦ كِتَابه تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث ليرد على بعض أفكار العلاف والنظام من الْمُعْتَزلَة فِي ردهم أَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ فِي الصِّفَات فأثبتها أَولا ثمَّ أَولهَا بِمَا يرى أَن الْعقل لَا يحِيل ذَلِك وَلِأَن تَنْزِيه الله تَعَالَى وَعدم مشابهة خلقه أَو مشابهة أحد من خلقه لَهُ سُبْحَانَهُ يُصِيبهُ مَا يكدره فجزاه الله تَعَالَى خيرا
وَكَذَلِكَ فعل الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك رَحمَه الله تَعَالَى ٤٠٦ فَكتب كِتَابه مُشكل الحَدِيث وَبَيَانه لكنه جعله فِي الرَّد عَلَيْهِم وعَلى المشبهة والمجسمة جَزَاء الله تَعَالَى خيرا
فدونك مقالات الإسلاميين للْإِمَام الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي نَقله آراء الْمُعْتَزلَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا بَينهم وَالْمُنْفَرد بهَا بَعضهم كَمَا قَالَ عبد القاهر الْبَغْدَادِيّ فِي شَأْن الأديب الجاحظ المعتزلي قَالَ وَزعم الجاحظ أَن الله تَعَالَى لَا يعذب أحدا بالنَّار وَلَا يدْخل أحدا النَّار وَإِنَّمَا النَّار تجذب أَهلهَا إِلَى نَفسهَا بطبعها وتمسكهم على التأييد بطبعها وَهَذَا القَوْل يُوجب انْقِطَاع الرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى فِي الإنقاذ مِنْهَا لَا أنقذ الله مِنْهَا من قَالَ بذلك أصُول الدّين ص ٢٣٩
لم يكفر أهل السّنة عَامَّة المجسمة وَلَا عَامَّة الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا كفرُوا بعض زعمائهم لآرائهم الْمُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ ودعوتهم إِلَيْهَا
قَالَ الإِمَام الْبَغْدَادِيّ صَاحب الْفرق بَين الْفرق فِي أصُول الدّين لَهُ
اعْلَم أَن تَكْفِير كل زعيم من زعماء الْمُعْتَزلَة وَاجِب من وُجُوه أما وَاصل بن عَطاء فَلِأَنَّهُ كفر فِي بَاب الْقدر بِإِثْبَات خالقين لأعمالهم سوى الله تَعَالَى وأحدث القَوْل بالمنزلة بَين المنزلتين بَين منزلتي الْجنَّة للْمُؤْمِنين وَالنَّار للْكَافِرِينَ فِي الْفَاسِق ولهذه الْبِدْعَة طرده الْحسن الْبَصْرِيّ من مَجْلِسه ثمَّ إِنَّه شكّ فِي شَهَادَة عَليّ وَقد قتل مَظْلُوما بِاتِّفَاق أهل السّنة وعدالته وَأَجَازَ أَن يكون هُوَ وَأَصْحَابه من الفسقة وَأَجَازَ أَن يكون الفسقة أَصْحَاب الْجمل فَشك فِي الْفرْقَتَيْنِ وَلذَلِك قَالَ لَو شهد عَليّ وَطَلْحَة عِنْدِي على باقة بقل لم أحكم بِشَهَادَتِهِمَا وَزَاد عَلَيْهِ عَمْرو بن عبيد حَيْثُ رد شَهَادَة عَليّ مَعَ وَاحِد من أَصْحَابه كَأَنَّهُ حكم بِفِسْقِهِ وَمن قَالَ بفسق عَليّ فَهُوَ الْكَافِر الْفَاسِق دونه
[ ٣٧ ]
وَأما زعيمهم الْهُذيْل فَإِنَّهُ قضى بِفنَاء مقدرات الله تَعَالَى حَتَّى لَا يكون بعْدهَا قَادِرًا على شَيْء فَزعم أَن أهل الْجنَّة وَالنَّار ينتهون إِلَى حَال يبقون فِيهَا خمودا ساكنين سكونا دَائِما لَا يقدر الله حِينَئِذٍ على شَيْء من الْأَفْعَال وَلَا يملك لَهُم حِينَئِذٍ ضرا وَلَا نفعا وَكَفاهُ بِدَعْوَاهُ فنَاء مقدرات الله تَعَالَى خزيا مَعَ تَكْذِيبه إِيَّاه فِي قَوْله سُبْحَانَهُ أكلهَا دَائِم أصُول الدّين ٢٣٨
أما زعيمهم النظام فَهُوَ الَّذِي نفى نِهَايَة الْجُزْء وأبطل بذلك إحصاء الْبَارِي لأجزاء الْعَالم وَعلمه بكمية أَجْزَائِهِ وَزعم أَن الْإِنْسَان هُوَ الرّوح وَأَن أحدا مَا رأى إنْسَانا قطّ وَإِنَّمَا رأى قالبه وَزعم أَن الْأَعْرَاض كلهَا حركات وَأَنَّهَا جنس وَاحِد وَأَن الْإِيمَان من جنس الْكفْر وَأَن فعل النَّبِي ﷺ من جنس فعل إِبْلِيس وَقَالَ بالطفرة وَادّعى حشر الْكلاب والخنازير وَسَائِر الْبَهَائِم الهمج إِلَى الْجنَّة وَأنكر وُقُوع الطَّلَاق بالكنايات وَإِن قارنتها نِيَّة الطَّلَاق
وَزعم الْمَعْرُوف مِنْهُم بِمَعْمَر أَن الله تَعَالَى مَا خلق لونا وَلَا طعما وَلَا رَائِحَة وَلَا حرارة وَلَا برودة وَلَا يبوسة وَلَا حَيَاة وَلَا موتا وَلَا صِحَة وَلَا سقما وَلَا قدرَة وَلَا عَجزا وَلَا ألما وَلَا لَذَّة وَلَا شَيْئا من الْأَعْرَاض وَإِنَّمَا خلق الْأَجْسَام فَقَط ثمَّ قَالَ وَزعم الجاحظ مِنْهُم أَن لَا فعل للْإنْسَان إِلَّا إِرَادَة وَأَن المعارف كلهَا ضَرُورِيَّة وَمن لم يضْطَر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى لم يكن مُكَلّفا وَلَا مُسْتَحقّا للعقاب وَزعم أَيْضا أَن الله لَا يدْخل أحدا النَّار وَإِنَّمَا النَّار تجذب أَهلهَا إِلَى نَفسهَا وتمسكها فِيهَا على التأييد بطبعها وَزعم أَن عَامَّة الدهرية الْمَلَاحِدَة وَسَائِر الْكَفَرَة يصيرون فِي الْآخِرَة تُرَابا لَا يُعَاقب وَاحِد مِنْهُم أصُول الدّين ٣٢٥ / ٣٢٧