الكلام صفة كمال، لأن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن ليس كذلك، ومن يتكلم بمشيئة وقدرة أكمل ممن يكون الكلام لازمًا لذاته، ليس له عليه قدرة، ولا له فيه مشيئة، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ومن لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفًا بها ولو كان حدوثها ممكنًا فكيف إذا كان ممتنعًا فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال منعوتًا بنعوت الجلال ومن أجلّها صفة الكلام (^١). فالله تعالى متكلم (^٢) حقيقة بكلام هو صفة من صفاته اللازمة لذاته.
يدل على هذا ما في القرآن الكريم من الإخبار عن ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ وقوله: "يقول الله" في مواضع كثيرة جدًّا، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ
_________________
(١) انظر كتاب مذهب السلف القويم في تحقيق مسألة كلام الله ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٤٤، ٤٥). وشرح الأصفهانية له ص (٧٣). وشرح الطحاوية ص (١٠٨).
(٢) انظر الرد على الزنادقه والجهمية لأحمد بن حنبل ص (٣٦) وذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٤٩). واعتقاد أهل السُّنة والجماعة لعدي بن مسافر ص (١٦). وقواعد العقائد للغزالي ضمن القصور العوالي (٤: ١٥١). وموافقة صحيح المنقول لابن تيمية (٢: ٤٠، ٤١). وشرح الأصفهانية له ص (٣٠، ٣١). وشرح حديث النزول ص (١٥٦). وشرح قصيدة ابن القيم النونية للهراس (١: ١١٢، ١١٣).
(٣) سورة النساء: آية (١٦٤).
[ ٢٥٧ ]
رَبُّهُ﴾ (^١) والتكليم هو المشافهة، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٢)، وما في القرآن من ذكر مناداته ومناجاته بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ (^٣). وذكر سبحانه نداءه لموسى ﵇ في عدة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (^٤) والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا حادثًا بكلام والكلام لا يكون إلا حروفًا.
ومما يدل على كلام الله أيضًا في القرآن ما ذكر من إنباء الله - وقصصه كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (^٥) وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٦). وما فيه من دكر حديثه كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (^٧) وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (^٨). وغير ذلك مما يدل على أن الله سبحانه متكلم وأن القرآن كلامه.
ثم إنه سبحانه يتكلم بصوت لا مثل له والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة، والصوت الذي سمعه منه موسى ﵇ هو
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٤٣).
(٢) سورة الشورى: آية (١٤).
(٣) سورة الأعراف: آية (٢٢).
(٤) سورة مريم: آية (٥٢).
(٥) سورة التوبة: آية (٩٤).
(٦) سورة يوسف: آية (٣).
(٧) سورة النساء: آية (٨٧).
(٨) سورة الزمر: آية (٢٣).
[ ٢٥٨ ]
حروف مؤلفة، وليس شيء من ذلك مخلوقًا، ولا يماثل صفات المخلوقات، لأنه ﵎ يتكلم بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (^١).
ولم يتعرض ابن حزم لهذا الجانب - فيما أعلم - فلم يذكر هل تكلم الله بحرف وصوت أم لا؟
وجنس الحروف التي تكلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة والكلام العربي الذي تكلم الله به ليس مخلوقًا، والحروف المنتظمة فيه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة، والحروف المعينة محدثة لأن لها مبدأ ونهاية، وهي مسبوقة بغيرها وما كان كذلك لم يكن إلا محدثًا (^٢).