ورد إثبات الوجه لله ﵎ في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى مسلم بسنده عن أبى موسى أنه قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور - وفى رواية أبى بكر النار - لو كشفه لأحرقت سبحات (^٥)
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١١٥).
(٢) سورة البقرة: آية (١٤٢).
(٣) سورقة البقرة: آية (١٤٨).
(٤) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٤، ١٤٥)، تفسيرات ابن تيمية جمع إقبال الأعظمي (ص ٨١) تأويلات أهل السنة للماتريدي (١: ٢٦٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٥٤، ٣٥٥).
(٥) سبحات وجه الله تعالى بضمتين: أنواره وجلاله وعظمته. وقيل سبحات الوجه محاسنه، لأنك إذا رأيت الحسن الوجه قلت سبحان الله وقيل: تنزيه له: أي سبحان وجهه. انظر مختار الصحاح (ص ٢٨٢)، لسان العرب (٣: ٣٠١)، صحيح الإمام مسلم بشرح النووي (٣: ١٤).
[ ٢٩٢ ]
وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (^١).
فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه، وإضافة البصر إليه تبطل كل مجاز، وتبين أن المراد وجهه ﷾ حقيقة الذي هو صفة من صفاته. (^٢).
ومن الأحاديث المثبتة لصفة الوجه ما روى البخاري بسنده عن أبى بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﷺ قال "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" (^٣).
وروى البخاري أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله مثل القائم المصلى حتى يرجع المجاهد" (^٤).
وروى البخاري أيضًا بسنده عن جابر ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: أعوذ بوجهك قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٥). قال رسول الله ﷺ: هذا
_________________
(١) صحيح الإمام مسلم (١: ١٦١، ١٦٢)، ورد الدارمي على المريسى (ص ١٦٠، ١٧٠)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٩، ٧٥).
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٥٣)، شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٥٥).
(٣) صحيح البخاري (٤: ٢٠٣)، صحيح مسلم (١: ١٦٣).
(٤) صحيح البخاري (٤: ٢٠٣)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٣).
(٥) سورة الأنعام: آية (٦٥).
[ ٢٩٣ ]
أهون أو هذا أيسر" (^١).
وفي الأحاديث التي ذكرنا دليل على إثبات صفة الوجه لله ﵎ حقيقة وتأويله بالذات، أو بغيرها حمل للكلام على غير معناه الحقيقي، ولا يصح ذلك إلا بقرينة مانعة من حمله على الحقيقة، ولا أرى في هذا قرينه صحيحة.
وقد روى تفسير "المزيد" في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢). بالنظر إلى وجه الله الكريم عن كثير من أصحاب رسول الله ﷺ موقوفا، فروى عن أبى بكر الصديق ﵁، وعن أبي موسى الأشعرى، وهو قول علي بن أبي طالب في رواية وحذيفة وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وصهيب، وابن عباس في رواية وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدى، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن سابط، وأبي إسحاق السبعى، وقتادة وسعيد بن المسيب، والحسن البصرى وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر نقله المفسرون عنهم (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣: ٩٢)، (٤: ١٨٦، ١٩٦)، سنن الترمذي (٥: ٢٦١، ٢٦٢).
(٢) سورة يونس: آية (٢٦).
(٣) انظر حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٢٧)، كتاب السنة للإمام أحمد (١: ٥١، ٥٢)، الرد على الجهمية للدارمي (ص ٣٧، ٣٨) ورد الدارمي على المريسي (ص ١٥٨)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ١٨٢ - ١٨٤)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٥٧)، أحكام القرآن للقرطبي (٨: ٣٣٠، ٣٣١)، العلو للعلي الغفار للذهبي (ص ٢٩، ٣٠)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٩١)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣: ٤٩٧).
[ ٢٩٤ ]
وبهذا ندرك أن سلفنا الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان قد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ فلم يتجاوزوا القرآن والحديث مع علمهم أن ما ورد إثباته فيهما من صفات الله ﵎ فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى بل معناه يعرف كما يعرف معنى سائر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في غير الإخبار عن الله تعالى مع علمهم أنه سبحانه ليس كمثله شىء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته فكما نتيقن أن الله سبحانه موجود حقيقة وليس كسائر الموجودات فكذلك له صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات الموجودات.
[ ٢٩٥ ]