إن التحديد الوارد في الحديث بأن الله تعالى "ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، أو حين يمضي شطره أو ثلثاه، أو إذا مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر "ليس متعلقا بالله تعالى، وإنما تعلقه بالنسبة للخلق الذين يتعلق بهم الزمان فيتعاقب عليهم الليل والنهار بغروب الشمس وطلوعها وهذا إنما يكون على الخلق لا على الخالق لأن الله ﵎ بائن من خلقه عال عليهم ومحيط بهم، ولا يحيط به شيء من خلقه فلا تتعاقب عليه هذه الظواهر الكونية.
فمعنى التحديد في الحديث "إذا بقى ثلث الليل" يكون بالنسبة
[ ٣٥٩ ]
لمن قد خيم الليل عليهم بظلامه، وتعالى الله أن يحاط بمخلوق.
فإن قيل: إذا لم يكن هذا التحديد الزمني متعلقا بالله تعالى فلماذا كان النزول به وحده دون غيره.
قلنا: تعلق النزول بهذا الوقت لمزيد فضل فيه بالنسبة لمن هو متعلق بهم لأن هذا الوقت، هو وقت الاستغراق في النوم والراحة وفي ترك ذلك والقيام للصلاة والدعاء، دلالة على صدق النية والإِخلاص في العبادة لهذا فالدعاء في هذا الوقت مظنة الإِجابة.
هذا من جهة بيان الزمن وتعلقه.
أما من جهة كونه محدثا فلا يمنع ذلك من حمله على النزول الحقيقي لله على ما يليق به على مذهب أهل السنة والجماعة. يقول ابن تيمية "فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها" (^١).
ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (^٢).
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. (^٣)
يقول الدارمي بعد سياق الآيات: "وهذا يوم القيامة إذا نزل ليحكم بين العباد". (^٤)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
_________________
(١) موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول (٢: ٥)، وانظر شرح حديث النزول ص (٩٩ - ١٠٥، ١٥٢، ١٥٧).
(٢) سورة البقرة: آية (٢١٠).
(٣) سورة الفجر: آية (٢٢).
(٤) الرد على الجهمية للدارمي ص (٣١).
[ ٣٦٠ ]
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. (^١)
وفي الآيات بيان لفعل سيكون أو كان من الله تعالى هو إتيانه ومجيئه يوم القيامة، واستواؤه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض.
فدلت هذه الآيات على اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية وغير هذه الآيات كثير مما هو مشتمل على الصفات الدالة على أن الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته. وكذلك الأحاديث المتضمنة لمثل ذلك كأحاديث النزول وغيرها لأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره.
يقول ابن تيمية: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم فإن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله .. فقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٢) تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان الثاني وهو قوله "ثم استوى" فعلا متعلقا بالفاعل فقوله خلق كذلك بلا نزاع بين أهل العربية. ولو قال قائل: خلق لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء كان جاهلا
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (٥٤).
(٢) سورة الأعراف: آية (٥٤).
[ ٣٦١ ]
بل في "خلق" ضمير يعود إلى الفاعل كما في "استوى"" (^١)
ويدل من طريق العقل أن أفعال الله تعالى تقوم به:
أن من يفعل بمشيئة واختيار، فإن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل أكمل ممن يكون الفعل لازمًا له، والفاعل لا بد له من فعل ولا يكون فاعلا إلا من قام به الفعل.
ولو لم يتصف الله تعالى بالنزول، والمجىء، والإِتيان وغير ذلك من صفات الأفعال التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ لكان من يتصف بذلك من خلقه أكمل منه وأتم، ولا يقول بهذا أحد وفي القاعدة الكلامية المشهورة: أن كل كمال ثبت لمخلوق من غير أن يستلزم نقصا بوجه من الوجوه فالخالق ﵎ أولى به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق ﷾ أولى بتنزهه عنه من كل موجود. (^٢)
ويقول ابن تيمية في بعض استدلاله على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله ﷾: "فإن المثبتين يقولون كونه قادرا على الفعل بنفسه صفة كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدرعلى الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر إلا على أحدهما علم أن الأول أكمل كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره، ومن لا يعلم إلا أحدهما وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل.
_________________
(١) موافقة صريح المعقول لابن تيمية (٢: ٣، ٤)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٥).
(٢) انظر موافقة صريح المعقول (٢: ١١٩).
[ ٣٦٢ ]
وكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها ومن لا يفعل حادثا أصلا، لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل". (^١)
يبين ابن تيمية أن الكمال في إثبات قيام الأفعال بذات البارىء ﷾ وقدرته على الفعل القائم به والمنفصل عنه، والقدرة على الأفعال الدائمة والمتعاقبة وفعلها دائمة متعاقبة مع حدوثها بخلاف من لا يفعل حادثا أصلا فليس في هذا كمال، لأن فيه نفي للقدرة والفعل مع أن سبب نفيهم للفعل الحادث هو الخوف من عدم الفعل في الأزل فعطلوا لأجل ذلك الله تعالى عن الفعل مطلقا.
وفي إثبات الفعل الحادث بالقدرة الإِلهية إثبات كمال لله تعالى وهو قدرته وفعله لهذه الأفعال وإن لزم من ذلك عدم الفعل في الأزل قبل هذا الفعل الحادث، إذ أن عدم القدرة والفعل المطلقين، ليس كالفعل والقدرة المستمرين في الكمال وإن سبقهما العدم والأدلة النقلية والعقلية الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى كثيرة جدا يطول بنا المقام لو حاولنا استقصاءها ومناقشة الأقوال فيها، والرد عليها فاقتصرنا على تلك الإِشارة إلى بعضها بما رأينا فيه كفاية لإِزالة الشبهة التي نحن بصدد الجواب عليها.