القرآن كلام الله تعالى منزل مخير مخلوق منه بدأ. أي هو المتكلم
_________________
(١) انظر رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن لأبي محمود الجويني ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (١: ١٧٥، ١٧٦، ١٨٤). وشرح الأصفهانية ص (٣١، ٣٢، ٦٦). وقاعدة في صفة الكلام لابن تيمية ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٦١، ٦٢). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٢٢، ٣٦، ٣٧، ٥٣، ٥٨، ٦٢). والتوحيد لابن خزيمة ص (١٤٥). ومختصر الصواعق (٢: ٤٠١) ذكر أن الله تكلم بحرف وصوت.
(٢) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٤٦، ٥٦، ٥٧).
[ ٢٥٩ ]
به ابتداء لم يخلقه في غيره - وإليه يعود - أي أنه يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية. (^١).
وقد تكلم الله بلفظه ومعناه بصوت نفسه قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٢) فبين أن الكلام المسموع هو كلام الله تعالى وقد سمعه ﷺ من جبريل ﵇ الذي سمعه من الله تعالى ونزل به إليه وأسمعه محمد ﷺ لأصحاب، وهو الذي نتلو نحن بألسنتنا كما قال ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" (^٣) وهو الذي بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا كله كلام الله غير مخلوق (^٤).
_________________
(١) انظر ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٤٩). والعلو للعلي الغفار للذهبي ص (١٠٣) وكتاب بيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني (٥/أ) مخطوط. والعقيدة الواسطية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١: ٤٠١). ومذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل (٣: ٣٥). ورسالة في الجواب عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات ضمن جامع الرسائل (١: ١٦٢) وشرح الأصفهانية ص (٥، ٦). ومختصر الصواعق (٢: ٣٨٠). وشرح الطحاوية ص (١٢١).
(٢) سورة التوبة: آية (٦).
(٣) انظر صحيح البخاري (٤: ٢١٦). وسنن أبي داود: (٢: ٧٤). وسُنن الدارمي (٢: ٤٧٤). وسُنن ابن ماجه (١: ٤٢٦). ومسند الإمام أحمد (٤: ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤).
(٤) انظر كتاب الفقه الأكبر للشافعي ص (١٥). وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري ص (٧). والاعتقاد للبيهقي ص (٤١). وكتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٢١، ٢٣، ٤٥) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ص (١٠، ١٢، ١٣).
[ ٢٦٠ ]
والله هو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه بكلام لم يكن أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان جنس كلامه ﵎ قديمًا وليس مخلوقًا منفصلًا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم بذاته تعالى (^١). وهو من علمه وفيه أسماؤه وذلك لا يكون مخلوقًا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).
وفي الآيات دليل على أن الذي جاءه ﷺ من العلم هو القرآن المنزل من عند الله ﵎ (^٥) يقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ
_________________
(١) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ٣٥، ٤٦)، ومجموع الفتاوى له (١٢: ٥٤). والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٨٦، ٨٧). وحاشية الدرة المضيئة للسفاريني ص (١٢).
(٢) سورة آل عمران: آية (٦١).
(٣) سورة البقرة: آية (١٢٠).
(٤) سورة البقرة: آية (١٤٥).
(٥) انظر كتاب السنة لأحمد بن حنبل ص (٤، ١٩). وذكر محنة الإمام لحنبل ص (٤٨، ٦٠، ٦١) ومسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن هانيء (٢: ١٥٣، ١٥٤). والإبانة للأشعري ص (٢٦) والشريعة للآجري ص (٧٥).
[ ٢٦١ ]
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١). ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٢). وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣). وقال: " ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤). فأخبر ﷾ أنه منزل من الله. ولم يخبر عن شيء أنه منزل منه إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك.
أما نزول الملائكة والمطر فورد مقيدًا بالإنزال من السماء ويراد به العلو أي نزول اللائكة من عند الله، ونزول المطر من السحاب، ونزول الحديد وغيره ورد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال فيتناول الإنزال من أعلى إلى أسفل كإنزال الحديد من رؤوس الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء.
والنزول المقيد بأنه من الله لم يرد إلا في نزول القرآن، وليس من الله جل وعلا شيء مخلوق" (^٥).
فالقرآن نزل به جبريل ﵇ بعدما سمعه من الله تعالى وسمعه محمد ﷺ من جبريل، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٦) وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٧).
_________________
(١) سورة النحل: آية (١٠١).
(٢) سورة الزمر: آية (١).
(٣) سورة غافر: الآيتان (١، ٢).
(٤) سورة فصلت: الآيات (١، ٢، ٣).
(٥) كتاب السُّنة لأحمد بن حنبل ص (٢٥). والشريعة للآجري ص (٧٩).
(٦) سورة البقرة: آية (٩٧).
(٧) سورة الشعراء: الآيات (١٩٣، ١٩٤، ١٩٥).
[ ٢٦٢ ]
وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (^١) فأخبر تعالى أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين جبريل ﵇ من الله بالحق على قلب محمد ﷺ على الحقيقة (^٢).
فليس مخلوقًا يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣).
يقول أبو الحسن الأشعري: "فلو كان القرآن مخلوقًا لوجب أن يكون مقولًا له كن فيكون، ولو كان الله ﷿ قائلًا للقول كن. كان للقول قولًا وهذا يوجب أحد أمرين:
إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق، أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله ﷿ قولًا غير مخلوق" (^٤).
ويقول تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٥). ففصل سبحانه بين الخلق والأمر بالواو الذي هو حرف الفصل، ولو كان أمره مخلوقًا لكان كأنه قال ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام لا فائدة فيه وينزه
_________________
(١) سورة النحل: آية (١٠٢).
(٢) انظر كتاب مذهب السلف القويم ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣: ١٧، ١٨). ورسالة التبيان في نزول القرآن ضمن المجموعة الكبرى له (١: ٢١٥ - ٢١٧). وقاعدة في صفة الكلام له ضمن الرسائل المنيرية المجلد الأول (٢: ٥١) والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٩٠). ومختصر الصواعق (٢: ٣٧٨ - ٣٨٠). وشرح الطحاوية ص (١٢١، ١٢٢).
(٣) سورة النحل: آية (٤٠).
(٤) الإبانة للأشعري ص (١٩، ٢٠). وانظر كتاب اللمع له ص (٣٣ - ٣٥). والاعتقاد للبيهقي ص (٣٢، ٣٣).
(٥) سورة الأعراف: آية (٥٤).
[ ٢٦٣ ]
القرآن عنه. فينبغي أن يحمل على فائدة مجددة.
ويقول تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (^١). فلما جمع سبحانه في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه، وصفته وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه. خصص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقًا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان، وقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٢) والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق (^٣).
يقول الآجري (^٤) "من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله ﷿ مخلوق،، يقول الله ﷿: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فالرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، والله لا يكون مخلوقًا" (^٥).
_________________
(١) سورة الرحمن: الآيات (١، ٢، ٣).
(٢) سورة الروم: آية (٢٥).
(٣) انظر الإبانة ص (١٩، ٢٦). ومحنة الإمام أحمد لحنبل ص (٥٩). والمعتمد في أصول الدين ص (٨٧). والاعتقاد للبيهقي ص (٣٣).
(٤) هو أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الفقيه الشافعي المحدث كان صالحا عابدا له كتب كثيرة منها كتاب الأربعين حديثًا، وكتاب الشريعة جاور بمكة ثلاثين عامًا وبها توفي سنة ٣٦٠ من الهجرة. والآجري بضم الجيم وتشديد الراء نسبة إلى قرية بالعراق، انظر الفهرست لابن النديم ص (٣٠١، ٣٠٢) ووفيات الأعيان (٤: ٢٩٢، ٢٩٣) وشذرات الذهب (٣: ٣٥).
(٥) كتاب الشريعة للآجري ص (٧٨).
[ ٢٦٤ ]
والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تلى وكتب وقرىء مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه لفظه ومعناه قرآن واحد غير مخلوق (^١).
والأدلة على أن القرآن غير مخلوق كثيرة جدًّا، وما ذكرناه إشارة إلى بعضها ويطول بنا المقام لو ذكرناها.