قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، (^٢) ويقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. (^٥) وقال تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له" (^٦). وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
_________________
(١) انظر الفصل لابن حزم (٣: ٥٠، ٥١).
(٢) سورة فصلت: آية (١٧).
(٣) سورة الإنسان: الآيات (٢، ٣، ٤).
(٤) سورة النحل: آية (٣٦).
(٥) سورة النحل: آية (٣٧).
(٦) سورة الأعراف: آية (١٨٦).
(٧) سورة الأنعام: آية (١٢٥).
[ ٤٢٧ ]
أَجْمَعِينَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (^٢).
في هذه الآيات التي سردنا وغيرها على هذا النحو كثير وكله كلام الله ﷿ لا يتعارض ولا يبطل بعضه بعضا قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (^٣).
فصح يقينًا أن كل ما أوردنا من الآيات متفق لا مختلف فنظرنا فيها فوجدناها ظاهرة لائحة وهو أن الله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر تعالى في الآيات الأخرى أنه هدى قومًا فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، وأنه لم يشأ أن يؤتى كل نفس هداها، ولا أن يجمع الناس كلهم على الهدى، فعلمنا ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله ﷿ جميع الناس هو غير الذي أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم فلم يعطهم إياه هذا أمر معلوم بضرورة العقل وببديهته، فإذ لا شك في ذلك فقد لاح الأمر وهو أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة وهي التي يقع الاسم منها على قسمين مختلفين بنوعهما فصاعدًا.
فالهدى يكون بمعنى الدلالة تقول: هديت فلانًا الطريق بمعنى أريته إياه ووقفته عليه وأعلمته إياه سواء سلكه أو تركه وتقول فلان هاد بالطريق أي دليل فيه فهذا الهدى الذي هداه الله ثمود وجميع الجن والملائكة، وجميع الإنس كافرهم ومؤمنهم لأنه تعالى دلهم على الطاعات والمعاصي وعرفهم ما يسخط مما يرضى يبين هذا قوله تعالى:
_________________
(١) سورة السجدة: آية (١٣).
(٢) سورة الأنعام: آية (٣٥).
(٣) سورة النساء: آية (٨٢).
[ ٤٢٨ ]
"إنا هديناه السبيل" (^١) فبين تعالى أن الذي هداهم له هو الطريق فقط وكذلك أيضًا قوله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين" (^٢) أي بينا له طريقي الخير والشر.
ويكون الهدى بمعنى التوفيق والعون على الخير والتيسير له وخلقه لقبول الخير في النفوس فهذا هو الذي أعطاه الله ﷿ الملائكة كلهم والمهتدين من الإنس والجن، ومنعه الكفار من الطائفتين والفاسقين فيما فسقوا فيه ولو أعطاهم إياه تعالى لما كفروا ولا فسقوا.
(وقال أبو محمد) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ (^٣).
هو نص جلي على ما قلنا وبيان أن الدلالة لهم على طريق جهنم يحملون فيه إليها هدى لهم إلى تلك الطريق ونفى عنهم تعالى في الآخرة كل هدى إلى شيء من الطرق إلا طريق جهنم ونعوذ بالله من الضلال (^٤).