تولى على بلاد الأندلس منذ فتحت إلى أن دخلها عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل قرابة عشرين أميرًا من قبل أئمة المسلمين بالشرق طوال دولة بني أمية وأ يكن الأمر مضبوطًا في الجملة بيد حازمة من قبل أولئك الأفراد لضعفهم وبعدهم عن مقر الخلافة وكون الأندلسيين من عناصر متباينة فكثرت الخلافات والفتن بينهم. (^١) إلى أن نفذ عبد الرحمن الداخل إلى المغرب - بعد أن تغلب العباسيون على الأمويين في الشرق. فأصبح أميرًا على الأندلس وضبط الأمور ووحد الكلمة وكان يلقب بالأمير وعلى هذا جرى بنو من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدبًا مع الخلافة بمقر الإسلام في المشرق. حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو ثامن أمراء بني أمية بالأندلس فتسمى بأمير المؤمنين لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس وغلبة الأعاجم عليهم وكونهم لم يتركوا لهم غير الاسم، وذلك في عام سبعة عشر وثلاثمائة تقريبا. (^٢) وقد تولى الإمارة في مطلع القرن الرابع الهجري بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد والذي اضطربت الأندلس في عهده وكثر المتغلبون في نواحيها. (^٣) فهدأ عبد الرحمن ذلك الاضطراب فاستقامت له الأندلس في سائر جهاتها
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٢٣٣.
(٢) انظر المرجع السابق نفس الجزء ص ٣٥٩. وانظر جذوة المقتبس ص ١٢، ١٣.
(٣) جذوة المقتبس للحميدى ص ١٢.
[ ٩٦ ]
بعد نيف وعشرين سنة من أيامه واستولى على سبته وفاس من بلاد المغرب. (^١) وكان كثير الجهاد بنفسه فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه من قبل ومدت إليه أمم النصرانية يد الإذعان وأرسلوا إليه رسلهم وهداياهم في سبيل المهادنة والسلم فبلغت دولة الإسلام في عهده مبلغا لا ينال. (^٢) يقول ابن حزم: "إن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو قد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه". (^٣)
وقد دامت خلافة عبد الرحمن الناصر نصف قرن من الزمن بلغت بلاد الأندلس فيها الذروة من العز والسؤود والرفعة، فقد قضى على الاضطرابات السائدة وأدب الخارجين عليه وقهر أعداءه وأرهب الأسبان فعم الرخاء والأمن أرجاء الأندلس وما تبعه من المغرب إلى أن توفي سنة خمسين وثلاثمائة فأتى بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن ويلقب بالمستنصر بالده وكان حسن السيرة وسار على سيرة أبيه ولكن مدته لم تطل كأبيه حيث توفي سنة ٣٦٦ هـ، (^٤) وبوفاته انقضى العصر الذهبي للأندلس وبدأ عصر الفوضى والاضطراب والتغلب على الخليفة، ولم يأت بعده من الأمويين خلفاء كالسابقين إلا إسما حيث تولى بعد الحكم المستنصر ابنه هشام المؤيد وكان دون البلوغ فمن الطبيعي أن يستبد بالأمر أحد الأوصياء على الخليفة الصغير فظهر المنصور ابن أبي عامر وضبط الأمور بقوة شخصيته ودهائه ونجح في السيطرة على مقاليد الأمور ورسم لنفسه خطة بارعة للقضاء على
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٤٠.
(٢) انظر المرجع السابق ص ٣٣٠، ٣٣١.
(٣) انظر المرجع السابق ص ٣٠٦.
(٤) وقد دامت خلافته ست عشرة سنة. انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ١٦.
[ ٩٧ ]
الخصوم والمنافسين. كل ذلك عن هشام وخطه وتوقيعه وتسمى بالحاجب. وأجبر الأندلسيين على الخضوع لهذه الحكومة العسكرية الاستبدادية التي اعتمد في تكوينها على عناصر من غير العرب واتخذ الوزراء - وكان منهم أحمد بن سعيد والد علي بن حزم - ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه وأمر بالدعاء له على المنابر عقب الدعاء للخليفة ومحا رسم الخلافة بالجملة ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء له على المنابر وكتب اسمه في السكة، وقد كان من نتائج هذه السياسة الإرهابية أن اضطرمت نيران الفتنة بعد وفاته بزمن قليل ولم تنطفىء إلا بعد أن قضت على الإسلام في الأندلس - وكانت الأحوال طوال أيام حجابته على ما كانت عليه في عهد الحكم المستنصر فحمى الثغور وساد الأمن بلاد الأندلس فهو من أعظم السلاطين دهاء وحزما وهيبة في القلوب فكان يجهز الجيوش ويغزو بنفسه حتى إن غزواته تجاوزت الخمسين غزوة في سائر أيام ملكه ولم تنكس له راية ولا فل له جيش وما أصيب له بعث وما هلكت له سرية. (^١) إلى أن توفي سنة ٣٩٢ هـ وقد دامت أيامه سبعا وعشرين سنة. فخلفه ابنه عبد الملك وتلقب بالمظفر فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين. وكانت تسمى بالسابع تشبيهًا بسابع العروس ولم يزل مثل اسمه إلى أن مات سنة ٣٩٨ هـ على الراجح. (^٢)
فخلفه على الحجابة أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر - وقيل بالمأمون - وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٧٤، ٣٧٨.
(٢) انظر المرجع السابق نفس الجزء ص ٤٠٠.
[ ٩٨ ]
والاستبداد عليه ثم ثاب له رأى في الاستئثار بما بقى من رسوم الخلافة فحمل الخليفة المستضعف هشامًا المؤيد على العهد له بالخلافة بعده. فنقم عليه أهل الدولة ذلك وثارت ثائرة الأمويين والمضريين وكانت فتنة خلع فيها هشام المؤيد وسجن وبويع محمد بن هشام بن عبد الجباربن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، ولقبوه المهدي بالته، وكان عبد الرحمن الناصر - الحاجب - في إحدى غزواته فلما علم عاد لتلافي الأمر فوجد أنصاره قد انصرفوا عنه وثار به جنده وقتلوه سنة ٣٩٩ هـ وانتهى بذلك أمر الدولة العامرية. (^١)
وبدأ المهدي يشدد الوطأة على البرابرة لأن الأموية كانت تعتد عليهم مظاهرتهم العامريين وتنسب تغلبهم إليهم فأمر أن لا يركبوا ولا يتسلحوا، ورد بعض رؤسائهم من باب القصر وألحق بهم ما أزعجهم عن المدينة. فثاروا وهاجموها وخلعوا المهدى ففر، وبايعوا من بعده سليمان بن الحكم بن الناصر الذي تلقب بالمستعين سنة ٤٠٠ هـ ولكن المهدي لم يستكن فذهب إلى ملك قسطيلة الأسباني واستعان به فاسترد ملكه وخرج المستعين من قرطبة، وقامت موقعة أخرى بين البربر ومعهم المستعين، والمهدي ومعه النصارى فانهزم المهدي وقتل فأخرجوا هشامًا المؤيد وأعادوا الأمر له مرة ثانية سنة ٤٠٣ هـ فناوأه المستعين فعاد إلى قرطبة بجيش من البربر من نفس السنة وقتل هشام المؤيد سرًّا. فبدأت المهازل تترى بين المتقاتلين على الإمارة فتوزع الملك البرابرة وجعلوه قسمة بينهم واستقل كل منهم
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري ج ١ ص ٤٠٢. وانظر جذوة المقتبس للحميدي ص ١٧.
[ ٩٩ ]
بإقليم. (^١) وقد وصف لنا أبو محمد بن حزم خراب دورهم بقرطبة من جراء هذه الأحداث بعد أن استخبر من ورد إليه منها. وكان قد أجلى. فقال: "ولقد أخبرني بعض الوارد من قرطبة وقد استخبرته عنها أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها وطمست أعلامها وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابًا مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب ومعازف للغيلان وملاعب للجان ومكامن للوحوش". (^٢)
في تلك الأيام المملوءة بالفتن والاضطرابات السياسية نهض خيران العامري حاكم المرية وكاتب الأدارسة وحرض على قتل المستعين حتى جاء علي بن حمود العلوي من الأدارسة وفتح قرطبة سنة ٤٠٧ هـ وقتل المستعين وتلقب بالناصر فبدأت دولة العلويين فأحس خيران خيفة من ابن حمود فسعى سرًّا ليعيد الأمر إلى الأمويين بعد أن سعى قبل ذلك بخروجه منهم، وظهر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن الناصر ببلنسية فبايعه أكثر أهل الأندلس وتقلب بالمرتضي وذلك سنة ٤٠٨ هـ وقد قدم عليه ابن حزم فاتخذه وزيرًا له وقد سار المرتضي ومعه ابن حزم بجيشه الذي يضم خيران العامري وصاحبه المنذر بن يحيى إلى قرطبة لحرب بني حمود ولكن وقفت أمامهم جيوش غرناطة وعليها في ذلك الوقت شيخ البربر زاوى بن زيرى الصنهاجى فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت من خيران وصاحبه ووقع أبو محمد في
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ١٨ - ٢٠.
(٢) طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٢٠، ٢٢٢.
[ ١٠٠ ]
الأسر ثم أطلق سراحه ونجا المرتضي بنفسه وقت الهزيمة ولكن دس عليه خيران من قتله غيلة وكان ذلك سنة ٤٠٩ هـ تقريبًا فاستمر الأمر في قرطبة بيد بني حمود؛ تعاقبه علي بن حمود، القاسم بن حمود، يحيى بن علي. (^١) وفي جمادى الثانية سنة ٤١٤ هـ ثار أهل قرطبة بالبربر وأعلنوا خلع القاسم وأرغموه على مغادرة القصر وأجمعوا على رد الأمر لبني أمية فبايعوا عبد الرحمن بن هشام المستظهر من بين ثلاثة اختاروهم في رمضان سنة ٤١٤ هـ وكان أبو محمد بن حزم من المؤيدين له فأصبح من وزرائه مع غيره من وزراء بني أمية القدامى وكان المستظهر كما وصفه ابن حيان: "لبقًا ذكيًا وأديبًا لوذعيًا لم يكن في بيته يومئذ أبرع منه منزلة وكان قد نقلته المخاوف وتقاذفت به الأسفار فتحنك وتخرج وتمرن فيها". (^٢) ولكن خلافته لم تدم أكثر من شهرين إذ ثار عليه محمد بن عبد الرحمن الملقب بالمستكفي وقتله في سبع وعشرين ذي القعدة سنة ٤١٤ هـ، واستقل بأمر قرطبة ثم بعد ستة عشر شهرًا من بيعته رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود سنة ٤١٦ هـ. ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمود سنة ٤١٧ هـ وبايعوا هشام بن محمد أخا المرتضي وذلك سنة ٤١٨ هـ وتلقب بالمعتد بالله وكان بالثغر ولم ينزل دار الخلافة إلا في آخر سنة ٤٢٠ هـ. (^٣) وقد كان من وزرائه أبو محمد بن حزم ولكن لم تطل مدته إذ خلعه الجند سنة ٤٢٢ هـ ونودى في قرطبة بأن لا يبق فيها أحد من بني أمية وبانتهاء المعتد بالله انتهت حياة ابن حزم الوزارية.
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٢ - ٢٥. والذخيرة لابن بسام ج ١ القسم الأول ص ٤٥٣.
(٢) انظر الذخيرة لابن بسام القسم الأول المجلد الأول ص ٤٨.
(٣) انظر جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٥، ٢٦.
[ ١٠١ ]
يقول المقري في وصف تلك الأحوال وما جري! بعد ذلك:
"وانقطعت الدولة الأموية من الأرض وانتثر سلك الخلافة بالمغرب وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات واقتسموا خطتها وتغلب بعضهم على بعض واستقل أخيرًا بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو يبتزهم ملكهم وأقاموا على ذلك برهة من الزمان حتى قطع عليهم البحر ملك العدوة وصاحب مراكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني فخلعهم وأخلى منهم الأرض". (^١)
وفي هذا العصر المضطرب الزاخر بالأحداث السياسية عاش أبو محمد علي بن حزم فشاهد انحلال الخلافة الأموية واستقلال كل وال بولايته وشاهد الفترة الأولى من ملوك الطوائف. بنو عباد ملوك أشبيلية والذي أحرق ثانيهم المعتضد كتبه، وبنو جهور بقرطبة وغيرهم كثير، هذه هي حالة الأندلس في عصر ابن م حزم. ملك قوي لم يذقه إلا في نعومة أظفاره ثم اضطراب وفتن عكرت صفو شبابه وغيرت مجرى حياته ثم خضوع وصغار لأعداء الإسلام حتى دفعت الأتاوات لطاغية النصارى واستمرت تلك الحال طوال حياته وقد شاهد سقوط الدولة العامرية وبه كان سقوط وزارة أبيه، واقتحام البربر قرطبة وتنازع الأمراء على كرسي الإمارة، وقد رأى أن أهل الأندلس لم يجتمعوا إلا على بنب أمية وأن خراب البلاد واضطرابها كان من البربر. وحيث إنه من أسرة لها في السياسة شأن رأى أن عليه واجبًا نحو دينه وقومه وهو أن يشارك بما يراه سبيلًا إلى رجوع الأحوال على ما كانت عليه فناصر ثلاثة من بني أمية - المرتضى، والمستظهر،
_________________
(١) انظر نفح الطيب للمقري جـ ١ ص ٤١٣.
[ ١٠٢ ]
والمعتد بالله - ولم تطل مدتهم لتغير الأحوال وتدخل النصارى والاستعانة بهم من قبل بعض الأمراء المسلمين حتى بلغت الأحوال بهم إلى دفع الإتاوات لهم. رأى كل هذا فأثر في نفسه تأثيرات متشعبة، شعور بالألم والحزن على قرطبة التي كانت فردوس الأندلس ونور المعرفة فيها، واستفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين. وهو المؤمن التقي، والعالم المحدث الذي يرى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقد رأى أن سبب ذلك هو اضطراب حبل الأمور وتفرق الكلمة وذهاب الوحدة وقد فشلت تلك المحاولات التي دخل فيها السياسة فتركها يائسًا من نجاحها واجتماع الأمر لأحد، وليس بعجيب أن ينصرف عنها لما رأى من اضطراب الأمور فخلص للعلم وحده حين رأى تلك الأحوال وقد ذم ملوك الطوائف جميعهم في رسالته التلخيص لوجوه التخليص. (^١)
وكان من الطبعي أن لا ينظر ابن حزم نظرة إكبار إلى الأمراء الذين كانوا يستعينون بالنصارى أو يمدون أيديهم إليهم بالولاء يستجدونهم أو بالإتاوة يدفعونها، وكذلك كانت نظرته إلى العلماء الذين يوالون أولئك الأمراء لهذا كان بينهم وبينه عداوة كان من مظاهرها إحراق كتبه، ومضايقته بتنفير الطلاب عنه وتحذير العوام من فتنته، ومن مظاهرها أن جفته الديار حتى آوى إلى ضيعته التي ورثها من آبائه فأقام فيها يدرس ويصنف إلى أن انتقار إلى جوار ربه. (^٢)
_________________
(١) انظر دراسات عن ابن حزم وكتاب الطوق للطاهر مكي الأنصارى ص ٩٥، وانظر الرسالة بتحقيق الدكتور إحسان عباس ص ١٣٧ - ١٨٥ ضمن مجموعة الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسى لأبي زهرة ص ١٠٠.
[ ١٠٣ ]