يرى ابن حزم، أن القضاء في لغة العرب: الحكم فقط، ولذلك يقولون: القاضي بمعنى الحاكم.
ويأتي بمعنى أمر: قال الله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" (^١) أي أمر.
ويأتي بمعنى أخبر: قال الله تعالى: "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" (^٢) بمعنى أخبرناه.
_________________
(١) سورة الإسراء: آية (٢٣).
(٢) سورة الحجر: آية (٦٦).
[ ٤١٠ ]
ويكون بمعنى أراد، وهو قريب من معنى حكم. قال الله تعالى: "إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون" (^١). ومعنى ذلك حكم بكونه فكونه.
ومعنى القدر في اللغة العربية: الترتيب والحد الذي ينتهي إليه الشيء تقول قدرت البناء تقديرًا إذا رتبته، وحددته قال تعالى: "وقدر فيها أقواتها" (^٢) بمعنى رتب أقواتها وحددها. وقال تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (^٣). يريد تعالى برتبة وحد.
فمعنى قضى وقدر: حكم ورتب.
ومعنى القضاء والقدر: حكم الله تعالى في شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كذا وإلى وقت كذا فقط (^٤).
والقدر حق ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا.
قال الله ﷿: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" (^٥). ولقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر". وقوله: "والله خلقكم وما تعملون" (^٦). أي ما تعملون من خير وشر لا خالق مع الله، يقول تعالى: "ولو شاء الله ما
_________________
(١) سورة آل عمران: آية (٤٧)، وسورة مريم: آية (٣٥).
(٢) سورة فصلت: آية (١٠).
(٣) سورة القمر: آية (٤٩).
(٤) انظر الفصل (٣: ٥١)، وانظر في معنى القضاء والقدر الحدود والحقائق في شرح الألفاظ المصطلحة بين المتكلمين والإمامية للأبي ص (٢٥).
(٥) سورة الحديد: آية (٢٢).
(٦) سورة الصافات: آية (٩٦).
[ ٤١١ ]
فعلوه" (^١) ويقول تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا" (^٢).
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى: أنت ادم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟ " (^٣).
ويقول ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق. قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^٤).
والمقدور ما أصاب العبد في وقته وساعته، وسبق به الحكم بأنه يكون لا محالة. وفعل الله تعالى قبل فعل العبد. وذلك مثل قوله تعالى: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" (^٥). وقوله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم" (^٦).
فهذا كله فعل الله تعالى قبل فعل العبد.
ثم إن الله تعالى يتولى الخير، ولا يتولى الشر مع أنه خالقهما يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٣٧).
(٢) سورة الإنسان: آية (٣٠).
(٣) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٤٣).
(٤) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٤٤).
(٥) سورة الأنفال: آية (١٧).
(٦) سورة التوبة: آية (١٤).
[ ٤١٢ ]
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^١).
أي أن الله تعالى أمر بالخير وتولى صاحبه ووفقه، وترك صاحب الشر فلم يتولاه (^٢).