يذهب أبو محمد بن حزم إلى تأويل أصابع الله ﷿ بالتدبير والنعم. فيقول في معنى قوله ﷺ: "إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿" (^١) إنه بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله ﷿ ونعمه إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه.
والإِصبع في اللغة النعمة وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله وكلاهما حكمه ﷿ (^٢).
مذهب ابن حزم في أصابع الله تعالى موافق للمؤولة من المعتزلة (^٣) والأشاعرة (^٤). فالجميع يؤولونها على خلاف مايدل عليه ظاهر النصوص المثبتة لها.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (٤: ٢٠٤٥)، المستدرك للحاكم (٤: ٣٢١) سنن الترمذي (٤: ٤٤٨، ٤٤٩)، (٥: ٥٣٨)، سنن ابن ماجة (١: ٧٣) مسند الإِمام أحمد (٢: ١٦٨، ١٧٣) (٦: ١٨٢، ٢٥١، ٣٠٢، ٣١٥)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢٠٨، ٢٠٩)، رد الدارمي على المريسي (٥٩، ٦١، ٦٢)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨١)، الشريعة للآجري (ص ٣١٦، ٣١٧)
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٢: ١٦٧).
(٣) يؤول المعتزلة كل ما ورد من الصفات التي يوصف بمثلها الخلق. انظر المقالات للأشعري (١: ٢٣٥)، وانظر في تأويلهم للأصابع مختلف الحديث (ص ٢٠٨، ٢٠٩)، ورد الدارمي على المريسي (ص ٥٩ - ٦٣).
(٤) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٦٤)، أساس التقديس للرازي (ص ١٣٧)، غاية المرام للآمدي (ص ١٣٩)، شرح المواقف (ص ١٧٥، ١٧٦، ١٧٩).
[ ٣١٢ ]
والتأويل بالنسبة لابن حزم يخالف مذهبه، الأخذ بظواهر النصوص، ويوافق ابن الثلجى (^١)، في تأويلها بالنعمة. (^٢).
ونرى عدم صحة هذا التأويل ونقول:
إن الأصابع من صفات الله ﵎ حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله، وعظمته، وليست على معنى الجارحة، ولا بمعنى النعمة ولا على أي معنى يلزم منه حدوثها (^٣).
وننفي كونها بمعنى الجارحة لأن الجوارح من صفات الأجسام المخلوقة وهي لا تكون إلا مركبة، فهي مفتقرة والله ﵎ منزه عن كل نقص (^٤).
وننفي كون الأصابع الثابتة لله تعالى بمعنى النعمة، لأن الإِثبات ورد في حديثين ولا يمكن حمل ما ورد فيهما على النعمة.
أما الحديث الأول فهو ما سبق ذكره "إن قلوب العباد كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد .. الحديث".
_________________
(١) هو محمد بن شجاع أبو عبد الله يعرف بابن الثلجي كان فقيه أهل العراق في وقته من أصحاب أبي حنيفة. قال عنه الإِمام أحمد إنه مبتدع صاحب هوى. ويقال عنه إنه كذاب لا تحل الرواية عنه له مؤلفات منها "تصحيح الآثار" فقه، والنوادر، والرد على المشبهة توفي سنة ٢٦٦، وكان مولده سنة ١٨١ من الهجرة. انظر ميزان الاعتدال (٣: ٥٧٧ - ٥٧٩)، تهذيب التهذيب (٩: ٢٢٠)، شذرات الذهب (٢: ١٥١).
(٢) انظر رد الدارمي على المريسى (ص ٦٣).
(٣) انظر تأويل مختلف الحديث (ص ٢١٠)، رد الدارمي على المريسي (ص ٦١، ٦٣)، شرح المواقف (ص ١٧٩)، فتح الباري (١٣: ٣٩٨) قلائد المرجان لعبد الغني النابلسي (ص ٦٠/ أ).
(٤) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦١)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨٦).
[ ٣١٣ ]
والمانع من حمل الأصبعين في الحديث هذا على النعمتين أن القلب إذا كان بين نعمتين فهو محاط بهما فلو مال عن واحدة أصاب الأخرى فلا وجه للدعاء بالتثبيت حتى على تأويل ابن حزم بقوله: "إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه" لأنه على طاعة في كلتا الحالتين فلا وجه لطلب التثبيت.
يقول ابن قتيبة بعد أن أورد الحديث وذكر القول بتأويله بالنعم "ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الأصبع، لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: "أو تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: "إن قلب المؤمن، بين أصبعين من أصابع الله ﷿". فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت، ولم احْتَجّ على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك - بما يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف، إذا كان القلب محروسا بنعمتين. (^١)
وبهذا يتضح أن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين غير صحيح ولا يستقيم معنى الحديث على هذا التأويل فالحمل عليه خطأ بين. فإن قيل: إذا لم يمكن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين فيمكن أن يقال: إن في لفظ الحديث، كناية عن سرعة تقليبه تعالى قلوب عباده، وأن ذلك أمر معقود بمشيئته ﷾. (^٢) قلنا إن كان في لفظ الحديث كناية، فهو دليل أيضا على
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٢٠٩).
(٢) انظر لسان العرب (١٠: ٦٠).
[ ٣١٤ ]
إثبات أن لله تعالى أصابع حقيقة، إذ لو لم يكن له أصابع حقيقة لما جاز استعمالها بالنسبة له في غير الحقيقة، إذ لا يقال للريح أصبع، ولا للجبل أصبع ولا غير ذلك مما لا أصابع له حقيقة، ثم إنه ورد إثبات الأصبع لله تعالى في غير هذا الحديث، ولا يمكن حمله على غير الحقيقة وسنذكر ذلك.
وأما الحديث الثاني الذي ورد فيه إثبات الأصبع فهو:
ما روى البخاري بسنده عن عبد الله، (^١) أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ. فقال يامحمد: إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم بقول: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) وفي بعض طرق الحديث: "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له". (^٣)
_________________
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن من أكابر الصحابة ومن السابقين إلى الإِسلام، ومن المشهود لهم بالجنة خادم رسول الله ﷺ له ٨٤٨ حديثًا توفي سنة ٣٢ من الهجرة وله بضع وستون سنة ودفن بالبقيع. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣: ٢٥٦ - ٢٦٠)، شذرات الذهب (١: ٣٨، ٣٩) الأعلام (٤: ١٣٧).
(٢) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٣) صحيح البخاري (٣: ١٣٠)، (٤: ٢١١)، وانظر من البخاري (٤: ١٩٨، ٢٠٤)، صحيح مسلم (٤: ٢١٤٧، ٢١٤٨)، سنن الترمذي (٥: ٣٧١)، مسند الإِمام أحمد (١: ٣٧٨، ٤٢٩، ٤٥٧) رد الدارمي على المريسي (ص ٦٠)، التوحيد لابن خزيمة (ص ٧٦، ٧٨) كتاب الشريعة للآجري (ص ٣١٨، ٣١٩) أسباب النزول للواحدي (ص ٢٤٩)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧٢٢)، دار الشعب. والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣: ١٤٧)، قلائد المرجان (ص ٥٩/ ب).
[ ٣١٥ ]
ولا يحمل الأصبع في هذا الحديث على النعمة لعدم صحة ذلك في اللغة فلا يقول أحد: إن الله يمسك السموات على نعمة، والأرضين على نعمة .. الخ.
ولعدم استقامة تأويل هذا الحديث بالنعمة، أو بالقدرة كما قال المؤولة، لجأوا إلى رده بأنه من تخليط اليهود وهم مشبهة. وضحكه ﷺ من قول الحبر يحتمل الرضى والإِنكار.
وقول الراوي "تصديقا له" ظن منه وحسبان. والحديث روى من طرق ليست فيها هذه الزيادة. (^١)
ويقول القرطبي: "وضحك النبي ﷺ، إنما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٢) أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه". (^٣)
ونقول الحديث رواه البخاري ومسلم، والترمذي وغيرهم من طرق عدة في بعضها "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له".
والحديث صحيح لا مجال للشك فيه، وعدم ورود الزيادة في بعض طرق الحديث لا تخرجها عن الصحة فهي مروية في الطرق الأخرى وهي صحيحة.
يقول ابن خزيمة: "قد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارىء بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه
_________________
(١) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦٠)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
(٢) سورة الزمر: آية (٦٧).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧٢٢)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
[ ٣١٦ ]
فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب التكبير والغضب على المتكلم به ضحكا تبدو نواجذه تصديقا وتعجبا لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته" (^١).
فضحك الرسول الأمين ﷺ، وعدم إنكاره دليل على صحة وصف الله تعالى بالأصابع. فالسنة كل ما أثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وسكوت الرسول ﷺ تقرير لكلام اليهودي، ولو لم يكن لله تعالى أصابع حقيقة لبين ذلك الرسول ﷺ بهذه المناسبة ولم يسكت عن البيان ويضحك متعجبا من استعظام اليهودي لهذه القدرة الإِلهية.
فضحك الرسول ﷺ تعجبا من كون هذا اليهودي يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى فقرأ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي أن ما ذكر اليهودي ليس بجانب قدرة الله تعالى بعظيم فليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط به الحصر فهو تعالى قادر على إمساك مخلوقاته على غير شيء كما هي عليه اليوم (^٢).
فإن قيل: إنكم أثبتم لله تعالى أصابع حقيقة، فهل تعتقدون أن القلوب بين أصابع الله تعالى على الحقيقة كما نفهم من ظاهر النص فإن كان الجواب بالإيجاب، كانت أصابع الله تعالى وتقدس حالة في صدور العباد إذ هي مكان القلوب، وهذا مما لا تقولون به، وإن كان بالنفي فليست بحقيقة عندكم كما هي عندنا؟
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٧٦)، وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٧).
(٢) انظر فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٩٨).
[ ٣١٧ ]
قلنا: أما إثبات الأصابع لله تعالى حقيقة فإنا نقول به ونثبتها صفة له تعالى على ما يليق بجلاله، كما أثبتها له أعلم الخلق به رسوله ﷺ. ولا نشبه شيئا من صفات ربنا بشيء من صفات خلقه أما كون القلوب بين أصبعين من أصابعه حقيقة على ما يفهم من كون الشيء بين أصبعين من أصابع المخلوق فهذا مما لا يدل عليه الحديث ولا يفهم منه ذلك بالنسبة لله تعالى وفي نص الحديث: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله كقلب واحد" ولم يقل: "إن كل قلب من قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله" فقوله: "إن قلوب العباد" ثم قوله "إنها كقلب واحد" مبعد لاحتمال ما ذكرتم والله تعالى وتقدس بائن من خلقه. وليس شيء منه تعالى حالا في مخلوقاته أو بشيء منها وصفات الله تعالى تليق به فلا يقاس بشيء من خلقه فيشبه فعله بفعلهم وصفاته بصفاتهم. وتشبيهكم له بخلقه هو الذي جعلكم تعطلونه عما هو ثابت له على ما يليق به فصفات الخالق تليق بعظمته وكماله، وصفات المخلوق تناسب عجزه وافتقاره.