يقول أبو محمد بن حزم في قوله تعالى حاكيا عن قول قائل ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (^١).
وهذا معناه فيما يقصد به إلي الله ﷿ وفى جنب عبادته. (^٢).
وأرى صحة هذا القول في معنى الآية الكريمة لأمرين:
_________________
(١) سورة الزمر: آية (٥٦).
(٢) انظر الفصل (٢: ١٦٦).
[ ٣١٨ ]
الأول: أن قول من قال: إن الجنب من صفات الله تعالى (^١) لا دليل عليه. ولم يرد إثباته لله تعالى، وإنما جاء مضافًا إلى الله تعالى فيما حكاه عن قول قائل: "ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله" ومجرد هذه الإضافة، لا يقتضى كون المضاف إلى الله صفة له كما في قوله تعالى حاكيا قول رسوله صالح ﵇ لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (^٢) وقوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (^٣) وغير هذا مما هو مضاف إلى الله تعالى وليس هو من صفاته بالاتفاق.
يقول ابن تيمية بعد ذكر الآية: "فليس في مجرد الإِضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى "بيت الله" (^٤) و﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (^٥)، و﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ (^٦). بل وكذلك "روح الله" (^٧) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن إذا
_________________
(١) انظر المواقف (ص ١٧٧، ١٧٨).
(٢) سورة الشمس: آية، (١٣).
(٣) سورة الفرقان: آية (٦٣).
(٤) قوله "بيت الله" لم ترد في القرآن بهذا اللفظ فلعله يقصد ما في القرآن من نحو قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ سورة البقرة: آية (١٢٥)، وقوله حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ سورة إبراهيم: آية (٣٧).
(٥) سورة الأعراف: آية (٧٣)، سورة هود: آية (٦٤)، سورة الشمس: آية (١٣).
(٦) سورة الصافات: الآيات (٤٠، ٧٤، ١٢٨، ١٦٠، ١٦٩)، الدخان: آية (١٨)، الإنسان: آية (٦).
(٧) جاء في القرآن الكريم قوله تعالى "روح القدس" في سورة البقرة: الآيتان (٨٧، ٢٥٣)، المائدة: آية (١١٠)، النحل: آية (١٠٢).
[ ٣١٩ ]
أضيف إليه ماهو صفة له، وليس بصفة لغيره، مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك كان صفة له". (^١)
يبين ابن تيمية أن الإِضافة لا تستلزم أن يكون المضاف صفة للمضاف إليه لمجرد الإِضافة، فيضاف ما هو صفة، وما هو غير صفة للمضاف إليه.
ثم إن التفريط المذكور في الآية لا يكون في شىء من صفات الله تعالى، لأنه إما فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله تعالى لا بجنب ولا غيره (^٢)
الثاني: أن ما ذهب إليه ابن حزم من معنى الآية هو ما تدل عليه اللغة: فقيل: إن الجنب يأتي بمعنى الأمر كما قال كثير عزة:
أما تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى وعين ترقرق (^٣)
وفي لسان العرب: "قال الفراء: (^٤) الجنب: القرب، وقوله على
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٥)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٧٩، ٣٨٠).
(٢) انظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٣).
(٣) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٤٩)، التفسير الكبير للرازي (٢٧: ٦)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧١٥) دار الشعب، المواقف (ص ١٧٨)، مع تغيير في بعض الكلمات. والبيت كما جاء في ديوان كثير (ص ٤٠٩): ألا تتقين الله في حب عاشق له كبد حرى عليك تصدع
(٤) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمى أبو زكريا إمام الكوفيين بالنحو واللغة، وكان فقيهًا متكلمًا يميل إلى الاعتزال له تصانيف كثيرة جلها في النحو واللغة توفى سنة ٢٠٧ وكان مولده سنة ١٤٤ من الهجرة. انظر وفيات الأعيان (٦: ١٧٦ - ١٨٢)، شذرات الذهب (٢: ١٩)، الأعلام للزركلي (٨: ١٤٥، ١٤٦).
[ ٣٢٠ ]
ما فرطت في جنب الله "أي في قرب الله وجواره. وقال ابن الأعرابي (^١) في قوله "في جنب الله" أي في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: (^٢) معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعانى إليه وهو توحيده والإِقرار بنبوة رسوله ﷺ". (^٣).
ويقول الدارمى إن معنى الآية: "تحسر الكفار على ما فرطوا في الإِيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين". (^٤)
وقول ابن حزم الذي ذكرنا في معنى الجنب موافق لتلك الأقوال التي سقناها عن بعض علماء اللغة والسلف. ويؤيد هذا أنك إذا قلت فلان قد فرط في جنب فلان. لا يراد به أن التفريط وقع في شىء من نفس ذلك الشخص أي جنبه الحقيقى الذي هو الشق وإنما يقصد به التفريط في جهته وفى حقه.
_________________
(١) هو محمد بن زياد أبو عبد الله من أهل الكوفة له مصنفات في اللغة وآدابها منها أسماء الخيل وفرسانها، وتاريخ القبائل وغير ذلك كثير توفى سنة ٢٣١ وكان مولده سنة ١٥٠ من الهجرة. انظر الفهرست لابن النديم (ص ١٠٢، ١٠٣)، ووفيات الأعيان (٤: ٣٥٦، ٣٠٩) شذرات الذهب (٢: ٧٠، ٧١)، الأعلام (٦: ١٣١).
(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج النحوي إمام مجمع على إمامته من أهل العلم بالأدب والدين له مؤلفات كثيرة أغلبها في النحو منها الاشتقاق وفعلت وأفعلت. توفى سنة ٣١٠ وكان مولده سنة ٢٤١ من الهجرة. انظر الفهرست (ص ٩٠، ٩١)، وفيات الأعيان (١: ٤٩، ٥٠)، شذرات الذهب (٢: ٢٥٩، ٢٦٠).
(٣) لسان العرب لابن منظور (١: ٢٦٧، ٢٦٨)، أحكام القرآن للقرطبي (٧: ٥٧١٤، ٥٧١٥) دار الشعب.
(٤) رد الدارمي على المريسي (ص ١٨٤)، وانظر مختصر الصواعق المرسلة (١: ٢٢، ٢٣).
[ ٣٢١ ]
فإذا كان معنى هذه العبارة ليس الجنب الحقيقي إذا وردت - بالنسبة للإنسان المتصف بالجنب حقيقة واتفاقا، فكيف يحمل ما ورد من ذلك بنفس اللفظ بالنسبة لله تعالى على المعنى الذي لم يصح استعمال اللفظ فيه بالنسبة لمن هو متصف بالجنب حقيقة، مع أن إثبات الصفات لله تعالى لا يصح إلا من طريق دلالة النص ولم نعرف نصا يدل على ذلك. (¬١)