يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الساق الوارد في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (^٢). وفيما صح عن النبي ﷺ عن يوم القيامة أن الله ﷿ يكشف عن ساق فيخرون سجدا. إنما هو إخبار عن شدة الأمر وهول الموقف كما تقول العرب قد شمرت الحرب عن ساقها قال جرير:
الأرب سامي الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا (^٣)
تأويل ابن حزم الساق بالشدة وهول الموقف، موافق لتأويل
_________________
(١) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣: ١٤٦).
(٢) سورة القلم: آية (٤٢).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٦٩)، البيت في ديوان جرير (ص ١٨٥).
[ ٣٢٢ ]
المعتزلة (^١) والأشاعرة (^٢) فهؤلاء لا يثبتون الساق صفة لله تعالى، ويؤولون الآية وما ورد من الأحاديث بالشدة وهول الموقف فلا خلاف بينهم وبين ابن حزم المدعى للظاهرية.
والذي نقول في الساق، إنه صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكبريائه على ما وصف به نفسه، وليس بمعنى الجارحة، لأن الجوارح من صفات الأجسام المركبة المفتقرة إلى مركب وهذا نقص ويتعالى الله عن كل نقص.
وننفي كونها بمعنى الشدة، لأن النصوص التي وردت دالة على إثبات الساق صفة لله تعالى لا يصح حملها على هذا التأويل ونبين هذا بعد سياق تلك النصوص التي ورد فيها ذكر الساق.
النص الأول:
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (^٣)
_________________
(١) انظر مقالات الإِسلاميين للأشعري (١: ٢٣٥)، عند بيانه لعقيدة المعتزلة، وأنهم يؤولون كل ما ورد من الصفات التي يوصف بمثلها الخلق. وانظر المعتمد لأبي يعلي (ص ٥٣)، الملل والنحل (١: ٤٤).
(٢) انظر أساس التقديس للرازي (ص ١٤٠)، غاية المرام للآمدى (ص ١٤١)، المعتمد في أصول الدين (ص ٥٣).
(٣) سورة القلم: آية (٤٢).
[ ٣٢٣ ]
الثاني.
روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ماكنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون. قالوا نريد أن تسقينا: فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصاري: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون. فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون. حتى يبقى من كان بعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. وإنما ننتظر ربنا قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. ويبقى من كان يسجد لله
[ ٣٢٤ ]
رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .. الحديث" (^١)
الثالث:
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو حديثا طويلا - عن خروج الدجال ومكثه. في الأرض، ونزول عيسى وقتله له وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور، وبعث من في القبور - وساق الحديث إلى أن قال: "ثم ينفخ فيه (الصور) أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس. هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون. قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال من كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال ذاك يوم يجعل الولدان شيبا. وذلك يوم يكشف عن ساق" (^٢)
نرى فيما ذكرنا من الأدلة على إثبات صفة الساق لله تعالى. وبيان عدم صحة حمل الساق فيها على الشدة، أن معنى الآية إذا أولت بالشدة يكون يوم يكشف عن شدة ويدعون إلى السجود وهذا غير صحيح، لأن وقت كشف الساق هو في وقت الشدة وهي لم تذهب بعد، فلا يصح هذا التأويل.
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري (٤: ٢٠١)، وانظر صحيح مسلم (١: ١٦٧، ١٧١)، سنن الدارمي (٢: ٣٢٦، ٣٢٧)، مسند الإمام أحمد (٣: ١٧)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤: ٥٨١ - ٥٨٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢: ٣٨٥، ٣٨٦).
(٢) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢٢٥٨، ٢٢٥٩)، وانظر مسند الإِمام أحمد (٢: (١٦٦).
[ ٣٢٥ ]
وفي كشف الشدة والهول - على معنى إذهابها وإزالتها يقال: كشفت الشدة، لا كشف عنها، فإذا قيل كشف عنها أصبح المعنى أنها أظهرت وبينت. وعلى هذا الشاهد "إذا شمرت عن ساقها الحرب" أي أعلنت فظهرت مشتدة لا تخفى على أحد.
وفي الحديث: "هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون الساق. فيكشف عن ساقه".
وبيان عدم صحة حمل الساق هنا على التأويل بالشدة، أن المخاطبين في حال من الشدة بلا خلاف، ولو أرادوا بالآية التي يعرفونه تعالى بها - الشدة لقالوا حين سألهم: كشف الشدة، لأنها حالة بهم. فلما قالوا: "الساق" ثم كشف عن ساقه وحصل السجود أو محاولته. تبين أن المقصود بهذا الساق. شيء خاص بالله تعالى هو صفة له، وليس إذهابا للشدة لأنها موجودة بعد كشفه إذ أن أشد الشدة عند حال السجود خاصة ممن لم يستطع ذلك.
وفي حديث مسلم: "ذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق".
ولا يمكن حمل كشف الساق هنا على كشف الشدة لأنه بين شدة ذلك اليوم بأنه يشيب الولدان. وهذا تناقض.
فإن قيل: لا تناقض في الكلام وهذا ممكن إذ يكون في أول اليوم شدة تشيب الولدان، وفي آخره تزال هذه الشدة.
قلنا: لا يمكن حمله على إزالة الشدة لأنها وإن زالت عن من رضى الله تعالى عنه، فهي باقية على أشد مما كانت عليه في أول اليوم بالنسبة للمغضوب عليهم، وعلى هذا فلا يمكن حمل الشدة في كل ما ذكرنا من الأدلة على غير الساق الحقيقي الذي يناسب عظمة المتصف به وكماله.
[ ٣٢٦ ]
يقول أبو يعلى بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري: "ولا يصح تأويل ذلك على الشدة، ولأنه قال: فيتمثل لهم الرب وقد كشف عن ساقه. والشدائد لا تسمى ربا. ولأنه قال "يخرون .. سجدا" .. والسجود لا يكون للشدائد". (^١)
وفي مختصر الصواعق: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٢) مطابقا لقوله ﷺ: "فيكشف عن ساقه" وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ (^٣) فالعذاب هو المكشوف لا المكشوف عنه. وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول، إلا بدخول الجنة. وهنا لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة" (^٤)
مما ذكرنا عن أبي يعلى وابن القيم، نرى استبعادهم لحمل الساق الوارد إثباته لله تعالى على معنى الشدة ويثبتونه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله تعالي وتقدس.