يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن معنى القدم والرجل - في قول الرسول ﷺ: "إن جهنم لا تمتلىء حتى يضع فيها
_________________
(١) المعتمد في أصول الدين (ص ٥٣).
(٢) سورة القلم: آية (٤٢).
(٣) سورة الزخرف: آية (٥٠).
(٤) مختصر الصواعق (المرسلة (١: ٢٣).
[ ٣٢٧ ]
قدمه" (^١) وقوله ﷺ "حتى يضع فيها رجله" (^٢) - الأمة التي تقدم في علم الله تعالى أنه يملأ بها جهنم، لأنه ﷺ بين ذلك في حديث آخر صحيح أخبر فيه أنه تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث المذكور إنما هو كما قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، (^٣) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم ومعنى رجله نحو ذلك، لأن الرجل الجماعة في اللغة، أي يضع فيها الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها (^٤).
مذهب ابن حزم الذي بينا في قدم الله ورجله، موافق لمذهب بشر المريسى، (^٥) في القدم موافقة تامة، حيث يرى بشر أن المقصود بالقدم المذكورة في الحديث: أهل الشقوة الذين سبق في علم الله تعالى أنهم
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٣: ١٣٧)، (٤: ١٠٨، ٢٠٣، ٢٠٤)، صحيح مسلم (٤: ٢١٨٦ - ٢١٨٨)، سنن الترمذي (٥: ٣٩٠)، مسند الإِمام أحمد (٢: ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣: ١٣).
(٢) انظر صحيح مسلم (٤: ٢١٨٦، ٢١٨٧).
(٣) سورة يونس: آية (٢).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٦٧).
(٥) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء أبو عبد الرحمن، مبتدع ضال، لا ينبغي أن يروى عنه. كان والد بشر المريسي يهوديًا قصابًا تفقه بشر على أبي يوسف فبرع وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن ولم يدرك الجهم بن صفوان وإنما أخذ مقالته ودعا إليها وهو رأس الطائفة المريسية وهو يقول برأي الجهمية توفي سنة ٢١٨. انظر وفيات الأعيان (١: ٢٧٧، ٢٧٨)، ميزان الاعتدال (١: ٣٢٢، ٣٢٣)، لسان الميزان (٢: ٢٩)، الأعلام (٢: ٥٥).
[ ٣٢٨ ]
صائرون إليها. (^١)
وعدم إثبات القدم صفة لله تعالى هو مذهب المعتزلة عامة (^٢) وبعض الأشاعرة (^٣).
يقول الآمدي في تأويل الحديث: "يحتمل أن يراد به بعض الأمم المستوجبين النار، وتكون إضافة القدم إلى الجبار تعالى إضافة التمليك. وقد قيل يحتمل أن يكون المراد به قدم بعض الجبارين المستحقين للعذاب الأليم بأن يكون قد ألهم الله النار الاستزادة إلى حين استقرار قدمه فيها". (^٤)
فالتأويل الأول الذي ذكره الآمدي هو مذهب المريسي وابن حزم ومن تبعهم.
ونرى عدم صحة هذا القول وأن تأويل القدم والرجل الوارد ذكرهما في الحديث بالجماعة، أو بغير ما يدل عليه اللفظ من الصفة الحقيقية لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله: (^٥) لا يتم حتى مع صحة ورود الرجل والقدم بمعنى الطائفة والجماعة لغة. (^٦) إذ لا يلزم على هذا أن تلازم ذلك المعنى دون غيره مما وضعت له، بل إن حال الكلام الذي ترد فيه هو المحدد للمعنى المقصود من معانيها.
_________________
(١) انظر رد الدارمي على المريسي (ص ٦٦).
(٢) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٤).
(٣) انظر الشامل في أصول الدين للجويني (ص ٥٦٢ - ٥٦٥)، أساس التقديس للرازي (ص ١٤١ - ١٤٣)، غاية المرام للآمدى (ص ١٤١).
(٤) غاية المرام للآمدى (ص ١٤١).
(٥) انظر المعتمد لأبي يعلي (ص ٥٤)، شرح المواقف (ص ١٧٨، ١٧٩)، قلائد المرجان للنابلسي (ص ٦٠/ أ، ب) شرح الواسطية للهراس (ص ٩٨)، الأسئلة والأجوبة الأصولية (ص ٢١٥).
(٦) انظر لسان العرب (١٣: ٢٨٩).
[ ٣٢٩ ]
ثم إن في نص الأحاديث التي ذكر فيها القدم، والرجل ما يبعد حملها على تأويل ابن حزم ونص الأحاديث ما يلي:
(١) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تحاجت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجتة: فما لي لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم (^١) وعجزهم. (^٢) فقال الله للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادى. وقال للنار: أنتى عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء، فيضع قدمه عليها فتقول: قط، قط. (^٣) فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض". (^٤)
(٢) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ - وساق الحديث كالحديث السابق إلى أن قال:
"فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله ﵎ رجله. تقول قط قط قط فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة، فإن الله ينشىء لها خلقا". (^٥)
_________________
(١) سقطهم أي ضعفاؤهم والمحتقرون منهم الذين لا يعتد بهم انظر اللسان (٩: ١٨٩).
(٢) عجزهم. بفتح العين والجيم جمع عاجز أي غير المستطيع لطلب الدنيا والرفعة. انظر القاموس (٢: ١٨٠).
(٣) قط، قط، بمعنى حسبى أي يكفيني. انظر شرح المواقف (ص ١٧٨)، القاموس (٢: ٣٨٠).
(٤) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢١٨٦)، وانظر صحيح البخاري (٤: ٢٠٤) مسند الإِمام أحمد (٢: ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣: ١٣)، التوحيد لابن خزيمة (ص ٩٢ - ٩٤)، قلائد المرجان (ص ٦٠/أ).
(٥) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٨٦، ٢١٨٧).
[ ٣٣٠ ]
(٣) وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال:
"لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض". (^١)
(٤) وروى مسلم أيضا بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك، وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة". (^٢)
في هذه الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى يضع رجله أو قدمه في النار ما يبعد حملها على تأويل ذلك بالأمة أو الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها، لأن في كل الأحاديث التي ذكرنا: "أنه ينزوي بعفرا النار إلى بعض" أي يقرب بعضها إلى بعض، يقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض إذا تدانوا وتضاموا (^٣) والمعنى في الأحاديث أن النار بعد هذا الفعل من الله تعالى تجمع وتضيق على من فيها فتمتلىء بهم. ولو أن المقصود بوضع القدم أو الرجل الجماعة لقال في تلك الأحاديث يلقى فيها حتى تمتلىء لأن الجماعة تلقى فيها
_________________
(١) صحيح الإِمام مسلم (٤: ٢١٨٧)، وانظر صحيح البخاري (٣: ١٣٧)، سنن الترمذي (٥: ٣٩٠).
(٢) صحيح الامام مسلم (٤: ٢١٨٨)، وانظر صحيح البخاري (٤: ١٠٨، ١٠٩).
(٣) مختار الصحاح (ص ٢٧٩)، لسان العرب (١٩: ٨٣، ٨٤).
[ ٣٣١ ]
القاء. ولم يقل: "يزوى بعضها إلى بعض". وفى معنى الزوى الجمع والتضييق ولا يحتاج إلى هذا مع زيادة فيها غير الموجودين، لأن الله ﵎ قادر على ملئها من غير تضييق خاصة على هذا القول - خلق أناس لها - لكن مقتضى عدله يخالف هذا فلا يعذب أحدا بغير ذنب. وكما إلى هذه الإشارة في الحديث الثاني مما ذكرنا بقوله: "ولا يظلم الله من خلقه أحدا" ولسعة فضله وسابغ إنعامه ﷾ لم يضيق الجنة ليفى لها بوعده، بل خلق لها خلقا. لم يعملوا وأسكنهم فضلها. وفى كل من تضييق النار على من فيها حتى تمتلىء. وخلقه تعالى للجنة خلقا يملؤها وفاء بوعده تعالى لما قال: "لكل واحدةٍ منكما ملؤها" كما في الحديث الأول السابق وقوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^١)
فإن قيل: كيف يصح لكم أن تثبتوا لله تعالى قدما حقيقية، ثم تقولون إنه يضعها في لنار إذا طلبت المزيد، والملء كما وعدها، ووضع القدم في النار مستحيل؟
قلنا: أما إثباتنا القدم لله تعالى، فليس ابتداعا من عند أنفسنا ولا نثبت لله تعالى شيئا لم يثبته لنفسه، أو يثبته له أعلم الخلق به رسوله محمد ﷺ. وقد أثبت القدم لربه كما في الأحاديث السابقة.
وليس في إثبات القدم، أو الرجل نقص في حقه سبحانه فصفاته تليق بجلاله وكماله، وليست على ما نعلم من صفات الخلق فليست بجارحة بل صفة له تليق بعظمته.
وقد عاب الله سبحانه على من يعبد الأصنام بقوله: "ألهم أرجل
_________________
(١) سورة هود: آية (١١٩)، السجدة: آية (١٣).
[ ٣٣٢ ]
يمشون بها" (^١) فجعل عبادتهم لأصنام ليس لها أرجل محل ذم لهم. (^٢)
أما وضعه تعالى قدمه في النار فهذا لا استحالة فيه بالنسبة لله ﵎ رب كل شىء ومليكه، وقياسكم ذلك على الخلق باستحالة وضع القدم منهم هو عين التشبيه الذي ادعيتم الفرار منه، فوقعتم في أعظمه. فقياسكم الله تعالى على خلقه هو الذي أوقعكم في تعطيله بعد تشبيهه فجمعتم بين محذورين تشبيه الله بخلقه وتعطيله بنفي صفاته اللائقة بجلاله وعظمته. (^٣)
ثم إن دعوى استحالة وضع القدم في النار غير صحيحة حتى بالنسبة للمخلوق. فالله ﷾ قد خلق للنار خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد يقول ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. (^٤) فيخرجون من النار من أمرهم الله بإخراجه وهم غير معذبين بها. يقول تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (^٥) فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخرها لهم تعالى وتقدس (^٦)
_________________
(١) سورة الأعراف: آية (١٩٥).
(٢) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٩٠)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلي (ص ٥٤).
(٣) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣: ١٥١).
(٤) سورة التحريم: آية (٦).
(٥) سورة المدثر الآيتان (٣٠، ٣١).
(٦) انظر رد الدارمي على المريسي ص (٦٩).
[ ٣٣٣ ]
أما استدلال ابن حزم على مذهبه بما في الحديث، من أن الله تعالى يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث إنما هو كما قال تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم فليس صحيحا، لأن في الحديث الوعد بالملء للجنة والنار. وأن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة - وليس في الحديث ذلك بالنسبة للنار، وإنما الذي فيه أدن الله يضع قدمه فيها أو عليها، ولو كان يخلق للنار خلقا يعذبهم، كما يخلق للجنة خلقا ينعمهم - لقال ﷺ في الحديث: إن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة، ويخلق خلقا يدخلهم النار، أو أن الجنة والنار لا تمتلئان حتى يضع الله فيهما قدمه أو رجله. ولم يقل النبي ﷺ ذلك فليس هو المقصود.
والذين تدل عليهم الآية "أن لهم قدم صدق" هم غير من يخلقون لملء الجنة، فهم ممن سبقت لهم البشارة وهم الذين آمنوا، ومن يخلق لملء الجنة لم يسبق له إيمان.
وفى معنى قوله تعالى "قدم صدق" قيل إنها الأعمال الصالحة أو الثواب، أو شفاعة الرسول ﷺ للمؤمنين. (^٢)
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أنه يخلق خلقا لملء الجنة، وهذا بين الدلالة. وقال: إنه يضع قدمه على النار فتمتلىء، وهذا غير ظاهر الدلالة فنحمل ما ورد مجملا من ذلك على ما ورد مفصلا.
قلنا: إن قوله ﷺ في الأحاديث: "يضع رب العزة فيها قدمه" ظاهر الدلالة لا إجمال فيه، وقد بين المراد صلى الله
_________________
(١) سورة يونس آية (٢).
(٢) انظر التفسير الكبير للرازي (١٧: ٧).
[ ٣٣٤ ]
عليه وسلم بما لا يدع مجالا للإيهام أو الشك. فنص في الأحاديث على أنه يزوى بعض النار على بعض. وفى بعضها "إنه لا يظلم من خلقه أحدا" فيبعد هذا احتمال أن وضع القدم فيها زيادة سكانها، وأن يدخل فيها أحدا من خلقه من غير ذنب. وليس بعد هذا الإيضاح بيان والله أعلم.
(١٦) الاستواء:
يذهب ابن حزم إلى نفي كون الاستواء صفة، لأن الله تعالى لم يسم نفسه مستويا، ولا يصح أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، لأن هذا إلحاد في أسمائه، ثم إن الأمة مجمعة على أنه لا يدعوا أحد فيقول يا مستوى ارحمني، ولا يسمى ابنه عبد المستوى (^١) ثم رد على من استدل بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢) على أن الله تعالى في مكان دون مكان، بما رد به على من قال: إن الله في كل مكان. بقوله: إن من هو في مكان فهو شاغل له وما كان في مكان فإنه متناه بتناهي مكانه فهو ذو جهات وهذه صفة الأجسام. (^٣)
وقد رد ابن حزم أيضا على من يقول: إن استوى بمعنى استولى (^٤) وعلى من جعله صفة ذات، ومعناه نفى الاعوجاج. (^٥)
ثم ارتضى في معنى الاستواء على العرش القول بأنه تعالى: فعل
_________________
(١) انظر الفصل (٢: ١٢٣، ١٢٤).
(٢) سورة طه آية (٥).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٢٢، ١٢٣).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٣).
(٥) انظر الفصل (٢: ١٢٣، ١٢٤).
[ ٣٣٥ ]
فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء. ويبين ذلك ان رسول الله ﷺ ذكر الجنات وقال: "فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن" (^١)
فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء.
والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٢) أي فلما انتهى إلى القوة والخير وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (^٣) أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه (^٤).
لما كان ابن حزم يلتزم الأخذ بالظاهر في مذهبه على زعمه نفى أن يقال إن الله تعالى مستو على عرشه، لأن هذه التسمية لم ترد.
وفسر استواء الله تعالى الوارد بالنص بالانتهاء لصحة ذلك في اللغة على ما ذكر.
ونرى عدم صحة هذا المذهب.
فنقول: إن الله تعالى مستو على عرشه بذاته حقيقة استواء يليق بجلاله وكمال عظمته، لا على معنى القعود والمماسة، ولا على أي
_________________
(١) صحيح البخاري (٢: ٩٢)، سنن الترمذي (٤: ٦٧٥).
(٢) سورة القصص آية (١٤).
(٣) سورة فصلت آية (١١).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٥).
[ ٣٣٦ ]
معنى يوجب حدوثه (^١)
وإنما على معنى الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود إلى السماء والبينونة من الخلق (^٢).
فخلافنا مع ابن حزم ينحصر في نقطتين جوهريتين:
الأولى: إثباتنا أن الله مستو على العرلض خلافا لمذهبه.
الثانية: جعلنا الاستواء على العرش الوارد بالنص بمعنى العلو وليس بمعنى الانتهاء على ما يزعم.
أما ما حكى الإِجماع عليه من عدم جواز دعاء الله تعالى بالمستوى فلا نخالفه في ذلك، لأن لفظ "المستوى" ليس من أسماء الله الحسنى الواردة بالنص. وليس الدعاء كالإخبار. يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^٣) فأمر سبحانه بدعائه بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها، وإن لم يمتنع الإخبار عنه بغيرها مما هو صحيح المعنى مما دلت عليه تلك الأسماء الحسنى.
يقول ابن تيمية: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا
_________________
(١) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١)، الإبانة للأشعري ص (٣٠، ٣١)، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص (٥٤)، شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ص (١٠٧/ أ)، الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٥٩).
(٢) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١)، الإبانة للأشعري ص (٣١)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٣١)، الإِكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية ص (٥٢)، شرح العقيدة الأصفهانية له ص (٢٨)، القصيدة النونية لابن القيم ص (٦٧، ٦٨)، شرحها للهراس (١: ٢١١)، شرح الواسطية للهراس ص (٧٣، ٧٤) الأسئلة والأجوبة الأصولية لابن سلمان ص (١٦١).
(٣) سورة الأعراف آية (١٨٠).
[ ٣٣٧ ]
بالأسماء الحسنى وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه" (^١).
وقد وقع الاتفاق على جواز إطلاق أسماء على الله تعالى وليست من الأسماء الحسنى لكن معناها حق مثل المتكلم والمريد وغيرهما. (^٢)
والدليل على قولنا إن الله تعالى مستو على عرشه ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، من ذكر استوائه على العرش.
ومذهب أهل السنة أن الله تعالى إذا أثبت لنفسه اسما أو فعلا أنهم يثبتون له ذلك وما يدل عليه من صفة أو اسم لله يليق بجلاله إذا لم يلزم من إثبات ذلك معنى فاسدا.
يقول ابن القيم: "والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يشتق له من مخلوقاته. وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به .. فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا وهذا غاية الإلحاد". (^٣)
وعلى هذا فاشتقاق "مستو" مما أثبت الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من لفظ "استوى" اشتقاق صحيح وقد روى إثبات أن الله تعالى "مستو على عرشه" عن كثير من علماء أهل السنة والجماعة مما يدل على صحة تسمية الله تعالى عندهم بالمستوى على عرشه ووصفه بالاستواء.
يقول ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، أن خالقنا
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٦: ١٤٢).
(٢) انظر المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى للغزالي ص (١٨٥)، شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٥)، مجموع القتاوى (٦: ١٤٢).
(٣) شفاء العليل لابن القيم ص (٥٦٦، ٥٦٧)، وانظر الملل (١: ٩٤).
[ ٣٣٨ ]
مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذي قيل لنا" (^١).
ويقول أبو الحسن الأشعري: "نقول إن الله ﷿ مستو على عرشه" (^٢) وكرر هذا في مواضع كثيرة من كتابه الإِبانة (^٣).
ويقول أبو حامد الغرالي: "وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله" (^٤).
ويقول ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به" (^٥).
تلك بعض نصوص كلام من قال إن الله تعالى "مستو على عرشه" ومنها نعرف عدم صحة دعوى ابن حزم - عدم جواز تسمية الله المستوى - فهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم: "إن الله مستو على عرشه" من أكابر علماء أهل السنة وبما قال هؤلاء يقول كثير من العلماء.
والأدلة التي بنوا عليها قولهم هذا هي:
أولا: ما جاء في القرآن الكريم من ذكر استوائه تعالى على العرش وذلك في سبعة مواضع هي:
قوله تعالى: " ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ
_________________
(١) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص (١٠١، ١٠٤).
(٢) الإبانة للأشعري ص (٣٠)، وانظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي ص (١٠٧/ أ).
(٣) الإبانة ص (٣١، ٣٢، ٣٣).
(٤) الأربعين في أصول الدين للغزالي ص (١٤)، قواعد العقائد له ضمن القصور العوالي له (٤: ١٩٤).
(٥) العقيدة الحموية الكبرى لابن تيمية ضمن المجموعة الكبرى (١: ٤٣٩، ٤٤٠).
[ ٣٣٩ ]
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^١)
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٢)
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٤).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٥).
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٦).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٧).
وفي كل هذه المواضع التي ذكر الله فيها استواءه على العردش ذكر مع ذلك ما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها متمدحا بذلك، وهذا ظاهر في كل الآيات ولا ينكره أحد.
وذكو هذا الشنقيطي، وسرد الآيات وما تشتمل عليه من تمدح الرب تعالى بتلك الصفات التي لا تليق إلا به، والاستواء منها وقال
_________________
(١) سورة الأعراف آية (٥٤).
(٢) سورة يونس آية (٣).
(٣) سورة الرعد آية (٢).
(٤) سورة طه آية (٥).
(٥) سورة الفرقان آية (٥٩).
(٦) سورة السجدة آية (٤).
(٧) سورة الحديد آية (٤).
[ ٣٤٠ ]
بعد ذكرها: "فالشاهد أن هذه الصفة التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه صفة نقص ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها مع أن الله جل وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات، الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، هذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل" (^١)
ثانيا: مما جاء في السنة المطهرة من ذكر استوائه تعالى على العرش.
ما روى عن قتادة بن النعمان أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (^٢).
وروى الإِمام الشافعي في فضل الجمعة بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: ما هذه؟ فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس لكم فيها تبع - اليهود والنصارى - ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي ﷺ يا جبريل وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح، فيه كثب المسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين والصديقين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي ص (١٧).
(٢) العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي ص (٥٢) ويقول بعد ذكر هذا الحديث "رواته ثقات رواه أبو بكر الخلال في كتاب السُّنة له" أنظر العلو ص (٥٢).
[ ٣٤١ ]
والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب فيقول الله ﷿: "أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلوني أعطكم" فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول الله ﷿ "قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد" فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم تبارك اسمه على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة". (^١)
وذكر الذهبي أن هذا الحديث روى من عدة طرق، وإن كان في بعضها ضعف إلا أنه يقوى بعضها بعضا. (^٢)
ومحل استدلالنا من الحديث - استواء الله على العرش - ثابت بالنص القطعي الذي لا مجال للشك فيه.
فيما ذكرنا من الآيات والأحاديث ذكر استواء الله على العرش وقد بينا أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يجمدون على إثبات الظواهر دون ما تدل عليه من معاني كابن حزم وأنهم يشتقون لله تعالى من أفعاله أسماء وصفات على ما يليق بجلاله فيثبتون له الاستواء ويقولون إنه مستو على عرشه حقيقة مع نفى كل استواء يوجب حدوثه.
_________________
(١) الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي (١: ٢٠٨، ٢٠٩)، وانظر شرح العقيدة الأصفهانية ص (٢٨)، العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٣٠)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص (٢٤٥، ٢٤٦)، وجامع البيان في تفسير القرآن للطبري (٢٦: ١٠٨)، أحكام القرآن للقرطبي (١٧: ٢١، ٢٢)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦: ٢٠٨).
(٢) انظر العلو للعلي الغفار للذهبي ص (٣٠، ٣١).
[ ٣٤٢ ]