يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله تعالى علمًا حقيقة لقوله تعالى: " ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (^٢)، وعلمه لم يزل، وهو غير مخلوق، وليس هو غير الله تعالى، ولا نقول هو الله (^٣). وليس هو غير القدرة، ولا القدرة غير العلم إذ لم يأت دليل بغير هذا (^٤).
_________________
(١) انظر مجموعة فتاوى ابن تيمية (٥: ٣٢٦) و(٦: ٩٧، ٢٠٥، ٢٠٦). وشرح العقيدة الطحاوية ص ٦٤.
(٢) سورة النساء: آية (١٦٦).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٢٦، ١٢٧).
(٤) انظر الفصل (٢: ١٢٩، ١٧٢).
[ ٢٢٦ ]
ويقول ابن حزم: "وثبت ضرورة أن علم الله تعالى ليس عرضًا ولا جسمًا أصلًا لا محمولًا فيه ولا في غيره" (^١).
ويقول بعموم علم الله ﵎ وأنه لم يزل عليمًا بكل ما كان أويكون مما دق أوجل لا يخفى كليه شيء لقوله تعالى " ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ " (^٢).
وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه شيء. ويقول تعالى: " ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ " (^٣) والأخفى من السر هو ما لم يكن بعده (^٤).
بعد عرض مذهب ابن حزم في علم الله تعالى.
أرى أن الموافق للصواب منه: إثباته أن الله تعالى علما، وأنه لم يزل، وغير مخلوق، وعموم علمه ﵎ بكل ما كان أو يكون مما دق أو جل لا يخفى عليه شيء، ونفي أن يكون علم الله تعالى جسمًا لا محمولًا فيه ولا في غيره.
والمخالف فيه: جعله العلم ليس غير القدرة، وليسا غير الله. وقد تعرضنا لهذا المنحى عند اتصاف الله تعالى بالصفات وهل هي الذات أو غيرها (^٥).
وأما نفي أن يكون العلم عرضًا فغير مسلم على إطلاقه، لأن لفظ "العرض" لفظ مجمل، فلا بد من فهم المعنى المقصود بهذا اللفظ: فإن أريد به ما هو معروف في اللغة من أن الأعراض، هي الأمراض
_________________
(١) انظر الفصل (٢: ١٣٣).
(٢) سورة البقرة: آية (٢٩)، والأنعام: آية (١٠١)، والحديد: آية (٣).
(٣) سورة طه: آية (٧).
(٤) انظر المحلى (١: ٤٠).
(٥) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨).
[ ٢٢٧ ]
والآفات، كما يقال: فلان. عرضه عارض من الحمى ونحوها (^١). وفلان به عارض من الجن فهذا من النقائص التي ينزه الله عنها (^٢).
وإن أريد به اصطلاح خاص كما يقال: إن العرض هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يقوم به (^٣)، فهذا اصطلاح محدث، وليست هذه لغة العرب التي نزل بها القرآن، ولا العرف العام، ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم بل مبتدعو هذا الاصطلاح، هم من أهل البدع المحدثين في الأمة.
وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية العلم عرضًا لا يخرجه عن كونه من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف به أو يمكنه ذلك ولا يتصف به (^٤).
وفي نفي ابن حزم أن يكون علم الله تعالى عرضًا لا محمولًا فيه ولا في غيره إبطال لحقيقة ما أثبت من اتصاف الله تعالى بالعلم. فأصبح إثباته العلم مجرد ظاهر فقط لا معنى له حيث لا يقول بما يتضمن معنى هذا الإثبات، فهو لا يثبت شيئًا اسمه العلم يكون صفة من صفات الذات الإلهية، وإنما يثبت الذات فقط وعلمًا ليس هو غير الذات، أي اسم علم جامد لا يدل على صفة، فهو عنده ليس عالمًا بعلم هو صفة من صفاته فلا معنى لإثباته للعلم، ويكفي
_________________
(١) انظر مختار الصحاح ص ٤٢٥.
(٢) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩٠، ٩١).
(٣) انظر التعريفات للجرجاني ص ١٢٩.
(٤) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩١). وكتاب النبوات له ص ٤٢، ٤٣.
[ ٢٢٨ ]
عن هذا المذهب إثبات الذات فقط.
وقوله هذا فيما يؤول إليه كقول أبي الهذيل العلاف حيث يقول: "إن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته" (^١).
وعندنا أن العلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي متعلق بمعلومات غير متناهية (^٢).
والدليل على اتصاف الله تعالى بالعلم قوله تعالى: " ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (^٣) وقوله: " ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (^٤). وقوله: " ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ " (^٥). والآيات الدالة على إضافة العلم إلى الله تعالى كثيرة.
ومما يدل على اتصال الله تعالى بالعلم قوله: " ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ " (^٦) وقوله: " ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ " (^٧) والذي يعلم كل شيء لابد أن يعلمها بعلم حيث لا يعقل عالم بلا
_________________
(١) الملل (١: ٤٩). وانظر شرح الأصول الخمسة ص ١٨٣، ومقالات الإسلاميين للأشعري (١: ٢٤٥).
(٢) انظر كتاب الفقه الأكبر للشافعي ص ١٢. والرد على الجهمية للإِمام أحمد ص ٤٠. وأصول الدين للبغدادي ص ٩٥. والمعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ٤٩. والأربعين في أصول الدين للغزالي ص ١٦ وقواعد العقائد له ضمن القصور. العوالي (٤: ١٥٠). وغاية المرام في عم الكلام للآمدي ص ٧٦. وشرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٢٥.
(٣) سورة النساء: آية (١٦٦).
(٤) سورة هود: آية (١٤).
(٥) سورة البقرة: آية (٢٥٥).
(٦) سورة البقرة: آية (٢٥٥).
(٧) سورة آل عمران: آية (٢٩).
[ ٢٢٩ ]
علم، أي أن كل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته.
ويدل على أنه تعالى عالم إيجاد الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها، لأنه ﵎ خالق والخلق يسبقه القصد والقصد يلزم منه العلم إذ كيف يقصد ما لا يعلمه" (^١).
ويدل أيضًا على علمه تعالى أن من المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، وكل كمال اتصف به المخلوق فالخالق به أولى، بيان هذا من طريقين:
الأول:
أن الخالق أكمل من المخلوق، والعلم صفة كمال في المخلوق فإذا لم يكن الخالق عالمًا، لزم أن يكون في المخلوقات من هو أكمل منه وذلك محال.
الثاني:
أن كل علم في المخلوقات فهو منه ﵎ ومن الممتنع أن يكون مبدع الكمال وواهبه عاريًا منه بل هو أحق به، وهو أحق بكل كمال وأولى بالتنزه عن كل نقص (^٢).
_________________
(١) انظر اللمع لأبي الحسن الأشعري ص ٢٦، ٢٧. والإنصاف للباقلاني ص ٣٦. والمعتمد في أصول الدين ص ٤٦. والإِقتصاد في الإِعتقاد للغزالي ص ٩٠. والكشف عن مناهج الأدلة ضمن فلسفة ابن رشد ص ٧٠، ٧١. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٤، ٢٤. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٨٠.
(٢) انظر الإِبانة للأشعري ص ٤١. والمعتمد في أصول الدين ص ٤٧. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٤، ٢٥. وموافقة صحيح المنقول ٢: ١١٩. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٨٠.
[ ٢٣٠ ]
وحيث ثبت أنه عالم ثبت أن له علمًا ويدل على أنه تعالى عالم بعلم، أنه لا يخلو إما أن يكون تعالى عالمًا بذاته لا بعلم، أو عالمًا، بعلم هو ذاته، أو بعلم ليس ذاته. فإن كان عالمًا بذاته لا بعلم. ففي هذا نفي لصفة العلم نهائيًا، وإثبات لذات مجردة عن الصفة وهذا محال، لأنه لا يوجد في الخارج ذات غير متصفة بالصفات.
وإن كان عالمًا بعلم هو ذاته فهذا إثبات ذات هي بعينها صفة، أو صفة هي بعينها ذات وهذا لا يصح.
يقول أبو الحسن الأشعري في رد هذا عند استدلاله على أن الله تعالى عالم بعلم: "فإن كان عالمًا بنفسه كانت نفسه علمًا، لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى عالم بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علمًا، ويستحيل أن يكون العلم عالمًا، أو العالم علمًا، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات. ألا ترى أن الطريق الذي يعلم به أن العلم علم أن العالم به علم، لأن قدرة الإِنسان التي لا يعلم بها لا يجوز أن تكون علمًا. فلما استحال أن يكون الباري تعالى علمًا استحال أن يكون عالمًا بنفسه، فإذا استحال ذلك صح أنه عالم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه" (^١).
والدليل على علمه تعالى بمعلومات غير متناهية: أنه لو لم يتعلق علمه ﷾ بجميع المعلومات لكان كماله بالنسبة إلى ما لم يتعلق به علمه من المعلومات أنقص بالنسبة إلى حال من تعلق به علمه من المخلوقين وهو محال.
_________________
(١) اللمع للأشعري ص ٣٠. وانظر الإِبانة له ص ٣٨. ولمع الأدلة في عقائد أهل السُّنة والجماعة للجويني ص ٨٨.
[ ٢٣١ ]
يقول أبو يعلى: "إنه قد ثبت أنه تعالى قادر في كل وقت على خلق حوادث أكثر مما فعلها أبدًا ولا يجوز أن يأتي عليه زمان لا يصح أن يخلق فيه شيئًا إذ لو جاز ذلك عليه أفضى إلى عجزه. وإذا ثبت أن مقدوراته غير متناهية ثبت أن معلوماته كذلك لأنها لو لم تكن كذلك أفضى إلى جواز الجهل عليه ويتعالى عن ذلك" (^١).
وعلى هذا فالله عالم بعلم لا حد له هو صفة من صقاته.