في بيان هدى الله تعالى للعبد وإضلاله له.
يقرر أبو محمد بن حزم هذا ببيان أن الله تعالى خلق نفس الإِنسان
_________________
(١) انظر سُنن أبي داود (٤: ٣٥٧) وروى الحديث عن محمد بن عيسى الطباع، عن مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أُم أبان بنت الوازع بن زارع عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، ومحمد بن عيسى وثقه النسائي وابن حبان وقد روى عنه البخاري انظر التهذيب لابن حجر (٩: ٣٩٢ - ٣٩٤). ومطر قال عنه أبو حاتم محله الصدق وذكره ابن حبان في الثقات. انظر التهذيب لابن حجر (١٠: ١٦٩). وأما أم أبان فذكرها الذهبي في ميزان الاعتدال (٤: ٤٨٦، ٦١١) وابن حجر في التهذيب (١٢: ٤٥٨) ولم يذكروا فيها جرحًا ولم يذكروا لها تعديلا. والحديث رواه أيضًا ابن ماجه في سُننه (٢: ١٤٠١) والإمام أحمد في مسنده (٤: ٢٠٦).
(٢) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٨: ٤٦٢). ورسالة الإرادة والأمر له ضمن المجموعة الكبرى (١: ٣٤٤، ٣٤٥).
[ ٤٢٥ ]
مميزة عاقلة عارفة بالأشياء على ما هي عليه فهمة بما تخاطب به. وجعلها مأمورة منهية فعالة منعمة معذبة ملتذة آلمة حساسة، وخلق فيها قوتين متعاديتين متضادتين في التأثير وهما التمييز والهوى كل واحدة منهما تريد الغلبة على آثار النفس.
فالتمييز هو الذي خص به نفس الإنسان والجن والملائكة دون الحيوان الذي لا يكلف، والذي ليس ناطقًا.
والهوى هو الذي يشاركها فيه نفوس الجن والحيوان الذي ليس ناطقا من حب اللذات والغلبة، فالملائكة ليس عندها هذه القوة، لذلك لم يقع منها معصية أصلًا بوجه من الوجوه.
فإذا عصم الله النفس غلب التمييز بقوة من عنده. هي له مدد وعون فجرت أفعال النفس على ما رتب الله ﷿ في تمييزها من فعل الطاعات، وهذا هو الذي يسمى العقل.
وإذا خذل جل وعز النفس أمد الهوى بقوة هي الإضلال فجرت أفعال النفس على ما رتب الله ﷿ في هواها من الشهوات وحب الغلبة والحرص والبغي والحسد وسائر الأخلاق الرذلة والمعاصي وقد قامت البراهين على أن النفس مخلوقة وكذلك جميع قواها المنتجة عن قوتيها الأولتين التمييز والهوى كل ذلك مخلوق مركب في النفس مرتب على ما هي عليه، فإذا قد صح أن كل ذلك خلق الله تعالى فلا مغلب لبعض ذلك على بعض إلا خالق الكل وحده لاشريك له يقول صلى الله عليه و"كل ميسر لما خلق له" (^١) فبين ﵇
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٣: ١٥٥)، و(٤: ١٠١، ٢١٧) وصحيح مسلم (٤: ٢٠٤٠، ٢٠٤١)، وسنن أبي داود (٤: ٢٢٣) وسنن الترمذي (٤: ٤٤٥) وسُنن ابن ماجه (١: ٣٠، ٣١) و(٢: ٧٢٥)، ومسند أحمد (١: ٦) و(٤: ٤٢٧، ٤٣١).
[ ٤٢٦ ]
أن الهدى والتوفيق هو تيسير الله تعالى المؤمن للخير الذي له خلقه، وأن الخذلان تيسيره الفاسق للشر الذي له خلقه. وهذا موافق للغة والقران والبراهين الضرورية العقلية، ولما عليه الفقهاء، والأئمة المحدثون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعامة المسلمين (^١).