يرى ابن حزم صحة القول بأن الله "أراد، ويريد ما أراد، ولا يريد ما لم يرد" أخذا بظاهر قوله تعالى: " ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ " (^١)، وقوله: " ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ " (^٢) وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٣). وقوله: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ " (^٤). وقوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا" (^٥) ونحو هذه الآيات.
ويحكم بالترادف بين المشيئة والإِرادة، ويرى أن كلا منهما مشترك لفظي له معنيان" (^٦).
أحدهما:
الرضى والاستحسان فهذا منهى عن الله تعالى أنه أراده، أوشاءه في كل ما نهى عنه.
_________________
(١) سورة يس: آية (٨٢).
(٢) سورة الرعد: آية (١١).
(٣) سورة البقرة: آية (١٨٥).
(٤) سورة المائدة: آية (٤١).
(٥) سورة الأنعام: آية (١٢٥).
(٦) انظر الفصل (٢: ١٧٦).
[ ٢٤١ ]
والثاني:
أن يقال أراد وشاء بمعنى أراد كونه وشاء وجوده فهذا هو الذي نخبر به عن الله ﷿ في كل موجود في العالم من خير أو شر (^١). ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذا على عمومه موجب أن كل ما في العالم كان أو يكون أي شيء كان فقد شاءه الله تعالى، وما لم يكن ولا يكون فلم يشأه الله تعالى يقول تعالى: " ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٢).
والآية نص صريح على أنه تعالى أراد كون كل ذلك (^٣). فأثبت أن المشيئة هي الإِرادة، وأنه يقال أراد الله، ويريد، ولم يرد، ولا يريد، وأن الإِرادة هي الخلق، ولا إرادة له إلا ما خلق، ونفى أن يكون له إرادة لم تزل، وأن يكون مريدا، حيث لم يأت نص بهذا، ولم يأت عن أحد من السلف - ﵃ -، ولأن الإِرادة لو كانت لم تزل لكان المراد لم يزل بنص القرآن يقول تعالى: " ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (^٤). فأخبر تعالى أنه إذا أراد الشيء كان وهذا محل إجماع من المسلمين ما شاء الله كان (^٥).
هذا المذهب - إثبات أن الله أراد، ويريد ما أراد ولا يريد ما لم يرد، وأن المشيئة هي الإرادة، ووقوعها على معنيين - رأي، تؤيده الأدلة الصحيحة، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة فيثبتون الله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) انظر الفصل (٣: ١٤٢).
(٢) سورة التكوير: الآيتان (٢٨، ٢٩).
(٣) انظر الفصل (٣: ١٤٤، ١٤٨).
(٤) سورة يس: آية (٨٢).
(٥) انظر الفصل (٢: ١٧٦، ١٧٨).
[ ٢٤٢ ]
ويقولون: إن المشيئة هي الإِرادة (^١)، ويقسمون الإِرادة إلى كونية خلقية، وهي المستلزمة لوقوع المراد عمومًا في العالم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وإلى دينية أمرية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا (^٢).
تلك إشارة إلى ما كان محل اتفاق بيننا وبين ابن حزم في القول بالإِرادة ويبدأ الاختلاف بعد ما يجمد ابن حزم على إثبات هذه الظواهر دون ما تدل عليه من معاني فينفي أن يكون الله إرادة لم تزل ويجعلها الخلق، ولا يقول إن الله تعالى مريد.
وهذا الرأي - نَفْيُ أن يكون الله إرادة لم تزل، وأن لا إرادة له إلا ما خلق - يوافق مذهب من ينفي اتصاف الله تعالى بالصفات حيث قال به
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق ص (٣٦). والمعتمد في أصول الدين ص (٧٥، ٧٧). وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص (١٣٩). وشرح العقائد النسفية ص (٨٥). وشفاء العليل ص (١٠٠)، وشرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص (١٩). وفي كتب اللغة انظر مختار الصحاح ص (٣٥٢). ولسان العرب (١: ٩٧، ٩٨).
(٢) انظر المعتمد في أصول الدين ص (٧٥)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ١١٥، ١١٦، ١٥٩). ورسالة الإرادة والأمر ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية (١: ٣٢٦). وضمن المجموع أيضًا رسالة مراتب الإِرادة (٢: ٧٦ - ٧٨). ورسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر ضمن الرسائل والمسائل (٥: ١٥١، ١٥٢). وشفاء العليل لابن القيم ص (١٠٥ - ١٠٨، ٥٦٤، ٥٦٥). والمنتقى من منهاج الاعتدال ص (١٢١). وشرح العقيدة الطحاوية ص (٥٣، ٥٤، ١٩٨ - ٢٠٠). وشرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر ص (٢٠).
[ ٢٤٣ ]
أبو الهذيل العلاف من المعتزلة فيما حكاه عنه الكعبي (^١).
وقول أهل الإِثبات في الإرادة، أنها صفة من صفات الذات المقدسة.
ويقولون: إن الله مريد بإرادة قديمة النوع حادثة الآحاد (^٢) يقول ابن تيمية: "إنه (الله) لم يزل مريدًا بإرادات متعاقبة فنوع الإِرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته" (^٣).
وعلى هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل لقوله سبحانه: " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " (^٤). فلا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله لقوله: " ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ " (^٥). ولقوله: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " (^٦). ولقوله: " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ " (^٧). إلى غير ذلك مما فيه وصف الله تعالى وتفرده بصفات الكمال وتنزهه عن النقائص.
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق ص (١٨٢). والملل للشهرستاني (١: ٥٣، ٧٨). والكعبي هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي كان رأس طائفة من المعتزلة وكان حاطب ليل يدعي في أنواع العلوم خالف البصريين من المعتزلة في أحوال كثيرة توفى سنة ٣١٩ هـ. انظر الفرق بين الفرق ص (١٨١، ١٨٢). والملل (١: ٧٦ - ٧٨). ووفيات الأعيان (٣: ٤٥) وشذرات الذهب (٢: ٢٨١).
(٢) انظر رسالة في تحقيق مسألة علم الله لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص (١٨٢) ومجموع الفتاوى له (١٦: ٣٠٣). وحاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للسفاريني ص (١٢).
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦: ٣٠٣).
(٤) سورة الشورى: آية (١١).
(٥) سورة مريم: آية (٦٥).
(٦) سورة البقرة: آية (٢٢).
(٧) سورة الإِخلاص: آية (٤).
[ ٢٤٤ ]
ولا شك أن من يعمل بإرادة واختيار أكمل ممن يكون العمل لازمًا له، لأن الثاني لا يسمى قادرًا على الفعل.
والإِرادة ينقسم جنسها إلى محمود ومذموم كالعدل، والظلم والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم فأتى ما يوصف الله تعالى به من الإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والرؤوف والحليم ونحو هذا مما يتضمن معنى الإرادة. ونزه نفسه عن بعض أنواعها بقوله: " ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ " (^١). وقوله: " ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ " (^٢). وأثبت إرادته بما فيه الرأفة والرحمة بالعباد بقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ " (^٣). وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ " (^٤) (^٥).