انصرف أبو محمد بن حزم - بعد انهيار العهد الأموي، أو تفككه - إلى العلم انصرافًا تامًا فأقبل على دراسة العلوم الشائعة في عصره من النقول، والمعقول فلم يترك بابًا من أبواب العلم الإسلامي إلا خاض فيه خوض العارف بمراميه الدرك بمغازيه فيقبل الحق الذي يعتقده حقا، ويرد في عنف ما يراه باطلا. واطلع كذلك على كثير من العلوم الإسلامية، فرد على الفلاسفة، واليهود، والنصارى، وهو بكل هذا يسلك طريقته الصريحة الحرة. وقد ساعده على كل هذا ما وهبه الله تعالى من الحافظة القوية الواعية التي جعلته يستولى على أبواب العلم استيلاء يقل نظيره، ثم طلبه المتواصل، ومثابرته العديمة النظير حتى إنه لشدة حرصه على الحفظ كان يأكل اللبان لاعتقادهم أنه يقوي الحافظة قال الخطاب بن دحية: "كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان وأصابه زمانة". (^١)
وإن الناظر في سيرة ابن حزم - ما جرى عليه من تقلبات الحياة "فبعد أن كان في صباه يلبس الحرير، ولا يرضى من المكان إلا بالسرير" (^٢) وما عقب هذا من الإجلاء عن الأوطان، وتغير الأحوال، ثم يرى مبلغه من العلم ومقدار مصنفاته - يدرك تمام الإدراك أنه صورة للعزيمة الصادقة القوية التي لا تقبل التردد بحال. يروي ياقوت: "أن ابن حزم اجتمع يومًا مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن
_________________
(١) سير النبلاء ص ٣٦. قال الذهبى في نفس الصفحة من السير: "وكذلك كان الشافعي ﵀ يستعمل اللبان لقوة الحفظ فولد له رمى الدم".
(٢) انظر سير النبلاء ص ٢٨، ٢٩. وينسب هذا القول لليسع ابن حزم.
[ ٥٩ ]
خلف بن سعيد بن أيوب الباجى (^١) صاحب كتابي المنتقى، والاستغناء وغيرهما من التواليف وجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سراج الحراس. قال ابن حزم: وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب، والفضة، أراد أن الغنى أضيع لطلب العلم من الفقر". (^٢)
وهذا هو المعروف والواقع المشاهد. ولكن همة ابن حزم كانت أعلى من أن يمنعها الغنى ودواعيه من طلب العلم الذي رأى به العز والرفعة في الدين والدنيا. فنال بالعلم مكانة علمية يندر أن تنال.
قال عنه تلميذه الحميدي: "كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة متفننًا في علوم جمة عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير المالك متواضعًا ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به من العلوم وما رأينا مثله - ﵀ - فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين". (^٣)
_________________
(١) هو أحد علماء الأندلس وحفاظها سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ٤٢٦ من الهجرة تقريبا فبقى في المشرق قرابة ١٣ عاما. وروى عن كثير من الحفاظ ودرس الفقه، ودرسه. وأخذ الكلام عن أبى جعفر التلمسانى بالموصل. وتولى القضاء بعد رجوعه إلى الأندلس. وتوفى سنة ٤٧٤ وكان مولده سنة ٤٠٣ من الهجرة. انظر: وفيات الأعيان ج ٢ ص ٤٠٨، ٤٠٩. وشذرات الذهب ج ٣ ص ٣٤٤، ٣٤٥.
(٢) معجم الأدباء ج ١٢ ص ٢٣٩، ٢٤٠.
(٣) جذوة المقتبس ص ٣٠٨، ٣٠٩. بتصرف، وانظر بغية الملتمس للضبى ص ٤٠٣. ووفيات الأعيان لابن خلكان ج ٣ ص ٣٢٥.
[ ٦٠ ]
وقال عنه القاضي صاعد بن أحمد: "كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار". (^١)
وبمثل ما وصفه الحميدي، وصاعد، وصفه كثير من العلماء، كأبي مروان بن حيان. (^٢) واليسع بن حزم الغافقي، (^٣) والقفطي، (^٤) والذهبي، (^٥) وابن حجر، (^٦) وابن كثير وزاد بأنه طبيب ومتضلع من علم المنطق. (^٧)
شهد لأبي محمد بن حزم من أشرنا إليهم وغيرهم كثير، بكثرة علمه، وسعة آفاقه، حيث إنه طرق أبواب العلوم الكثيرة وتمثلها وصار له في كل منها رأي واجتهاد، وترك في أكثرها تواليف جمة ضخمة تدل على ثروته الواسعة فيها وتمكنه القوي من ناصيتها، وقد وصفه ابن بسام: "البحر لا تكف غواربه ولا يروي شاربه". (^٨)
فهو بحق العالم المحقق المستوعب وقد شهد له أكثر العلماء بالاجتهاد كالحميدي، (^٩) والذهبي وقد قال: "ابن حزم رجل من
_________________
(١) الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٣٩٥.
(٢) انظر: معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٧.
(٣) انظر: سير النبلاء للذهبى ص ٢٨.
(٤) انظر: تاريخ الحكماء ص ٢٣٢، ٢٣٣.
(٥) انظر تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٦.
(٦) انظر: لسان الميزان ج ٤ ص ١٩٨.
(٧) انظر: البداية والنهاية ج ١٢ ص ٩٢.
(٨) الذخيرة لابن بسام - القسم الأول - المجلد الأول - ص ١٦٧.
(٩) انظر جذوة المقتبس ص ٣٠٨.
[ ٦١ ]
العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة تقع له المسائل المحررة، والمسائل الواهية"، (^١) وعلى الجملة فهو نسيج وحده، (^٢) وأنه لمن الصعب جدًّا على الدارس، استقصاء ثقافته، وتعيين شتى المجالات العلمية التي برع فيها فهو كما وصفه زكريا إبراهيم: "المفكر الظاهري الموسوعي". (^٣)
ونورد هنا نموذجًا ندرك منه سرعة استحضار ذهنه ومبلغ إحاطته بالعلم والعلماء المصنفين السابقين له وكيفية ترتيبه لهم وهو ما أورده الذهبي في سير النبلاء قال: "ورأيته قد ذكر قول من يقول: أجل المصنفات الموطأ فقال: "بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري، ومسلم، وصحيح ابن السكن، ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي .. (^٤) ثم قال: ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبه، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق، ومسند الطيالسي ومسند الحسن بن أبي سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن أبي شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله ﷺ صرفًا.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥٣، ١١٥٤.
(٢) انظر: نفح الطيب للمقرى ج ٢ ص ٢٨٤.
(٣) ابن حزم الأندلسى للدكتور زكريا إبراهيم ص ١. العنوان.
(٤) يقول الذهبي بعد هذا: "ما ذكر سنن ابن ماجة ولا جامع أبي عيسى فإنه ما رآها ولا دخلا إلى الأندلس إلا بعد موته" سير النبلاء ص ٤١.
[ ٦٢ ]
ثم الكتب التي فيها كلامه، وكلام غيره، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبه، ومصنف بقى بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزى، وكتاب ابن المنذر الأكبر، والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمه، وموطأ مالك بن أنس، وموطأ ابن أبي ذيب، وموطأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي، ومصنف سعيد بن منصور ومسائل أحمد بن حنبل وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور". (^١)
وبحق إن هذا يدل على فرط ذكائه وسعة علومه، وسنتكلم على مؤلفاته قريبا ونرى مكانة بعض هذه المؤلفات عند العلماء وما قالوا عنها. وقد وصفه المستشرقون الأوربيون بمؤسس علم الأديان المقارن من أجل كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل. (^٢)
وبعد أن عرفنا هذه المنزلة العلمية الرفيعة التي احتلها أبو محمد بن حزم بشهادات العلماء من معاصريه، ومن بعدهم إلى عصرنا الحاضر في أنواع العلوم المختلفة، وقلما يؤلف مؤلف بعد ابن حزم في فن من الفنون الكثيرة التي طرقها إلا رجع إلى مؤلفاته واستشهد بأقواله، وكفى بهذا دليلا على منزلته العلمية، فلهذا يصعب علينا ويطول لو حاولنا أن نتعرض، لبيان طريقته في كل ما طرق، ومنهجه في كل ما نهج، ولكننا علمنا بشكل عام منزلته العلمية، عند العلماء الذين أشرنا إلى بعض كلامهم عنه.
وقد وصف لنا ابن حيان، طريقة جدله ومناظراته بعد أن ذكر كثرة علمه: بأنه يحمل هذا العلم ويجادل من خالفه على استرسال في
_________________
(١) سير النبلاء للذهبي ص ٤١، ٤٢.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسي للدكتور عبد الكريم خليفة ص ١٣٥.
[ ٦٣ ]
طباعه وبذل بأسراره، ولم يكن يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج، بل يصك به من عارضه صك الجندل، وينشقه متعلقة انشاق الخردل. (^١)
وكان كل اعتماده في المناقشة والاستدلال على مصدرين:
أولهما: المبادىء العقلية المقررة في أوائل الحس وبدائة العقل.
وثانيهما: النصوص، فيرفض التأويل أو القياس أو التعليل مؤكدا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجهر لا سر تحته كله برهان لا مسامحة فيه، ولم يكن عند الرسول ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه. (^٢)