مال أبو محمد في أول أمره إلا رأي محمد بن إدريس الشافعي ﵀، وهذا خلاف ما عليه جمهور أهل الأندلس. فهم على مذهب الإمام مالك. فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ولكنه لم يستمر على هذا فعدل إلى ما هو أشذ وهو قول أصحاب الظاهر، يقول عن نفسه:
"وذي عذل فيمن سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل؟
فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل" (^٣)
_________________
(١) انظر معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٨.
(٢) انظر ابن حزم الأندلسى. للدكتور زكريا إبراهيم ص ١٥٦.
(٣) سير النبلاء ص ٤٦. ووفيات الأعيان ج ٣ ص ٣٢٧.
[ ٦٤ ]
وكان ﵀ زيادة على ظاهريته. صريحًا لا يعرف المجاملة، وحاد المزاج عنيفًا في مناظراته ومجادلاته.
يقول أبو مروان ابن حيان: "وكان لمجمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، واستناد على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده "لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (^١) فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه متعلقه انشاق الخردل، فنفر عنه القلوب وتوقع به الندوب حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالؤوا على بغضه وردوا أقواله فأجموا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه وطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلدة من بادية لبلة". (^٢)
تلك حصائد طول لسانه الموصوف بأنه شقيق سيف الحجاج باستخفافه بالكبار ووقوعه في أئمة الاجتهاد، وصراحته بما يراه الحق وتعصبه له، وعدم مجاملته للأمراء والحكام، عوامل عديدة أحاطت بابن حزم فقللت من مصاحبته، وهناك عامل دعا علماء عصره إلى التألب ضده غير ما ذكر. الحسد لما كانت عليه حاله من الثراء، ثم مع هذا كثرة تحصيله العلمي. قال عن نفسه:
"أنا العلق (^٣) الذي لا عيب فيه سوى بلدي وأني غير طاري
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٨٧).
(٢) معجم الأدباء لياقوت ج ١٢ ص ٢٤٨.
(٣) العلق بالكسر النفيس من كل شىء وجمعه أعلاق. مختار الصحاح ص ٤٥٠ والقاموس ج ٣ ص ٢٦٧.
[ ٦٥ ]
تقر لي العراق ومن يليها وأهل الأرض إلا أهل داري
طووا حسدًا كل أدب وفهم وعلم ما يشق له غباري
فمهما طار في الآفاق ذكرى فما سطع الدخان بغير نار" (^١)
ومع ما ذكر فقد استمر أبو محمد سالكا طريقته بعزيمة صادقة لا تعرف التردد سائرا في طريقته لا يلتفت إلى من يخالفه يبث علمه فيمن ينتابه من الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة ولا يسمعون أصوات المحذرين عنه لثقتهم به ومعرفتهم بحقيقته.
فممن قرأ عليه وأكثر الرواية عنه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي. (^٢) وابنه الفضل أبو رافع (^٣) وهما أكثر من روى عنه. (^٤) والإمام الوزير أبو محمد بن العربي وقد قرأ عليه أكثر مصنفاته، قال: "صحبت ابن حزم سبعة أعوام وسمعت منه جميع مصنفاته سوى المجلد الأخير من كتاب الفصل وهو من ستة مجلدات، وقرأنا عليه من كتاب الإيصال أربعة مجلدات في سنة ست وخمسين وأربعمائة وهو أربعة وعشرون مجلدًا ولى منه إجازة غير مرة". (^٥)
وقد سمع عليه الفقه أحد شيوخه الذين سمع منهم وهو علي بن سعيد العبدري حين حل ابن حزم جزيرة ميورقة. واتبع - العبدري - المذهب الظاهري، ولما رحل إلى المشرق وحج تركه واعتنق المذهب
_________________
(١) معجم الأدباء لياقوت جـ ١٢ ص ٢٤٦.
(٢) انظر الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٥٣٠. وتذكرة الحفاظ للذهبى ج ٣ ص ١١٤٦.
(٣) ستأتي ترجمته ص ٦٩.
(٤) انظر تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٤٦.
(٥) سير النبلاء ص ٣٧. وتذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١١٥١.
[ ٦٦ ]
الشافعي. (^١)
وممن سمع عليه أيضا محمد بن الوليد الفهري. (^٢) وعبد الباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الأنصاري. (^٣)
وآخر من روى عنه مروياته بالإجازة أبو الحسن شريح بن محمد المقرى. (^٤)
هؤلاء بعض ممن تتلمذ على أبي محمد ولاشك أنه يصعب حصرهم. ومعرفتهم جميعًا خلال الدة الطويلة التي قضاها في سبيل
_________________
(١) انظر الصلة ج ٢ ص ٤٠١، ٤٠٢.
(٢) انظر الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٥٤٥. وبغية الملتمس ص ١٢٥ - ١٢٩. وفيهما هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهرى يكنى أبا بكر ويعرف بابن أبي وندقه صحب القاضي أبا الوليد الباجى، ورحل إلى المشرق وحج ودخل البصرة وبغداد وتفقه على العلماء هناك. وكان عالما زاهدا ورعا توفى بالإسكندرية سنة ٥٢٠ هـ.
(٣) انظر أخبار وتراجم مستخرجة من معجم السفر للسلفى ص ٥٢. وابن بريال: من أهل وادى الحجارة يكنى أبا بكر كان عالما ورعا وشاعرا سكن في آخر عمره المرية وتوفى في مدينة بلنسية سنة ٥٠٢ وكان مولده ٤١٦ من الهجرة. انظر الصلة ج ٢ ص ٣٦٦، ٣٦٧ وبغية الملتمس ص ٣٨٥.
(٤) انظر سير النبلاء ص ٢٢، ٢٣. ولسان الميزان ج ٤ ص ١٩٨. وشذرات الذهب ج ٤ ص ١٢٢. وأرى أن الذي روى عن ابن حزم ليس شريحا وإنما والده محمد. لأن شريح ولد سنة ٤٥١ هـ كما في الصلة ج ١ ص ٢٢٩، ٢٣٠، وشذرات الذهب ج ٤ ص ١٢٢. ووفاة ابن حزم سنة ٤٥٦ هـ فسنه عند وفاة ابن حزم خمس سنوات فلا يمكن أن يأخذ عنه بهذا السن. ومحمد بن شريح الذي رأينا أنه هو الذي روى عن ابن حزم من أهل إشبيلية يكنى أبا عبد الله رحل إلى المشرق وسمع عن الكثير وله كتب منها الكافى في القراءات والتذكرة وكان ثقة توفي سنة ٤٧٦ وكان مولده سنة ٣٩٢ هـ. انظر: الصلة ج ٢ ص ٥٢٣، ٥٢٤.
[ ٦٧ ]
العلم والحرص الشديد على نشره بين الناس قال:
مناى من الدنيا علوم أبثها وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي تناسى رجال ذكرها في المحاضرا (^١)
* * * * *