يذهب أبو محمد بن حزم إلى إثبات ما ورد إثباته لله تعالى بالخبر من العز (^٢). والعزة (^٣)، والكبرياء (^٤). لما روى بسنده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا جميعًا: قال رسول الله ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" (^٥). يعني الله تعالى.
ولما روى أيضًا بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ - في حديث خلق الله تعالى الجنة والنار - أن جبريل عليه
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص (٨٧، ٨٨)، مجموع الفتاوى له (٦: ٨٩، ٩٠)، نهاية الإقدام للشهرستاني ص (٣٤٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص (٩٨)، مناهج الأدلة لابن رشد ضمن فلسفة ابن رشد ص (٧٤).
(٢) العز: خلاف الذل. انظر لسان العرب (٧: ٢٤١).
(٣) العزة: هي الرفعة. لسان العرب (٧: ٢٤١).
(٤) الكبرياء: الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، وقيل ذي الكبرياء المتعالي عن صفات الخلق. وقيل هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود ولا يوسف بها إلا الله. مختار الصحاح ص (٥٦١)، واللسان (٦: ٤٣٩)، القاموس المحيط (٢: ١٢٤).
(٥) صحيح الإمام مسلم (٤: ٢٠٢٣)، وانظر مسند الإمام أحمد (٢: ٢٤٨)، (٦: ١٩).
[ ٢٨٠ ]
السلام قال لله تعالى: "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" (^١). وهذه العزة غير العزة المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^٢) لأن الأخيرة مربوبة فهي مخلوقة بلا شك، وكذا العزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٣). غير موجبة أنها لم تزل لأنها مثل قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (^٤). وهذا غير موجب أن الشفاعة غير مخلوقة.
وأما العزة التي أقسم بها جبريل ﵇ فغير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء إذ لوكان شيء من ذلك غيره لكان إما لم يزل، وإما محدثًا فلو كان لم يزل لكان مع الله تعالى أشياء غيره لم تزل وهذا شرك مجرد ولو كان محدثًا لكان تعالى بلا عز ولا كبرباء قبل أن يخلق كل ذلك وهذا كفر (^٥).
إثبات ابن حزم للعزة لا يختلف عن باقي ما يثبت لله تعالى من العلم والقدرة والقوة - أي إثبات صوري لا حقيقة له.
ويقسم العزة إلى قسمين: مخلوقة وغير مخلوقة.
فالمخلوقة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
_________________
(١) انظر سُنن أبي داود (٤: ٢٣٦، ٢٣٧)، سُنن الترمذي (٤: ٣٩٣، ٣٩٤)، وقال حديث حسن صحيح. ومسند أحمد (٢: ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٥٤، ٣٧٣)، سند الحديث "حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بشر ثنا محمد بن عمرو ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة. قال أحمد شاكر في تحقيق المسند (١٤: ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩)، هذا الإسناد صحيح.
(٢) سورة الصافات: آية (١٨٠).
(٣) سورة فاطر: آية (١٠).
(٤) سورة الزمر: آية (٤٤).
(٥) انظر المحلى لابن حزم (١: ٤٢)، الفصل له (٢: ١٧١).
[ ٢٨١ ]
عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (^١). فهي هنا مخلوقة لأنها مربوبة كما ذكر هذا ابن حزم والقول بأن هناك عزة مخلوقة قول صحيح لأن الله ﵎ جعلها مربوبة في هذه الآية. وأثبتها سبحانه لنفسه ولرسوله وللمؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
أي له العزة والغلبة.
يقول ابن حيان (^٣) عند تفسير قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ "ختم الله تعالى هذه السورة بتنزيهه عما يصفه به المشركون وأضاف الرب إلى نبيه ﵇ تشريفًا له بإضافته وخطابه، ثم إلى العزة وهي العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء ﵈ والمؤمنين" (^٤).
وإن حملت الإضافة في قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ على الاختصاص بها أي كأنه قيل "ذو العزة" أي أن الله تعالى هو المختص بها وحده كما يقال مثلًا فلان صاحب صدق لاختصاصه بذلك (^٥). فلا يقال إن العزة هنا مخلوقة بل صفة لله تعالى.
_________________
(١) سورة الصافات: آية (١٨٠).
(٢) سورة المنافقون: آية (٨).
(٣) ابن حيان: هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي الجياني. الشهير بابن حيان من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات له مصنفات كثيرة تنقل في بلاد الأندلس وفي غيرها وأقام بالقاهرة وبها توفي سنة (٧٤٥ هـ) بعد ما كف بصره وكان مولده سنة ٦٥٤ هـ. انظر الرد الوافر للإمام ابن ناصر الدمشقي ص (٦٢، ٦٣)، شذرات الذهب (٦: ١٤٥، ١٤٦)، والأعلام للزركلي (٧: ١٥٢).
(٤) النهر الماد من البحر لابن حيان هامش البحر المحيط (٧: ٣٧٨)، وانظر البحر المحيط له (٧: ٣٨٠).
(٥) انظر الكشاف للزمخشري (٣: ٣٥٧)، والبحر المحيط (٧: ٣٨٠).
[ ٢٨٢ ]
واستدلال ابن حزم على العزة غير المخلوقة وعلى العز والكبرياء بقول الرسول ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" وقول جبريل ﵇ لله تعالى "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" دليل صحيح على إثبات العز والكبرياء والعزة لله ﵎.
ويدل أيضًا على إثبات العزة لله قول إبليس لربه ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^١) حيث أقسم هنا بعزة الله تعالى (^٢). ولو كانت مخلوقة لما صح أن يقسم بها جبريل ﵇، وإبليس لعنه الله.
لكن ابن حزم بعد أن أثبت لله تعالى عزة غير مخلوقة، وعزًا وكبرياء لم يقف على هذا الإثبات ملتزمًا لما يدل عليه ظاهر تلك النصوص بل أرجع ذلك إلى الله تعالى فقال: إن هذه العزة غير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء (^٣).
وهو بهذا المذهب موافق لأبي الهذيل العلاف موافقة تامة يقول أبو الحسن الأشعري: "وأما "أبو الهذيل" من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه، وقال: هي الباري كما قال في العلم والقدرة" (^٤).
وفي هذا المذهب نفي للصفة عن الله تعالى وإثبات لذات مجردة عن الصفات، ووجود ذات في الخارج مجردة عن الصفات محال بل وجود الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها وإنما
_________________
(١) سورة ص: آية (٨٢).
(٢) انظر البحر المحيط لابن حيان (٧: ٤١٠).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٧١)، المحلى (١: ٤١، ٤٢).
(٤) مقالات الإسلاميين للأشعري (١: ٢٥٦).
[ ٢٨٣ ]
يعرض للذهن ذات وصفة كل وحدة ويستحيل تحقق ذلك في الخارج (^١).
والقول الصحيح، أن العزة والعز والكبرياء من صفات الله ﵎ حقيقة.
وعلى قول ابن حزم: "لو كان شيء من ذلك غير الله لكان إما لم يزل وإما محدثًا. . . الخ".
نقول: إذا لم تكن العزة والعز والكبرياء قديمة ولا محدثة فماذا تكون؟
قال عند كلامه على العلم "ليس هو غير الله ولا نقول هو الله". (^٢)
وقد بينا عند نقد مذهبه في الصفات أن نفي القول بأنه الله تعالى صحيح. أما كون ذلك ليس غير الله فلفظ "الغير" مجمل ونفيه يوهم معنى فاسدًا وكذا إثباته فيجب الاستفصال عن المقصود، ولا داعي لإعادة ما سبق فليراجع هناك (^٣).