يثبت ابن حزم النفس (^٤) لله تعالى لورود النص بذلك: قال تعالى
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦: ٩٨، ٩٩)، رسالة تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال ضمن الرسائل والمسائل لابن تيمية (٥: ٥١، ٥٢).
(٢) الفصل (٢: ١٢٦، ١٢٧).
(٣) انظر ص (١٩٤ - ١٩٨)
(٤) نفس الشئ عينه وحقيقته، تقول: قتل فلان نفسه وأهلك نفسه، أي أوقع الهلاك بذاته كلها وحقيقته. انظر مختار الصحاح (ص ٦٧٢)، لسان العرب (١١٩: ٨).
[ ٢٨٤ ]
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^١). وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (^٢) وقال ابن حزم إن الذات كالنفس ونفس الله تعالى إخبار عنه لا عن شيء غيره أصلًا (^٣).
مذهب ابن حزم في إثبات النفس والذات لله تعالى مذهب صحيح (^٤) فيما نرى. موافق لما ورد بالنص من إثبات النفس له تعالى. ولم تصح عبارة ابن حزم التي يسوقها بعد كل إثبات يدعيه إلا في هذا الموضع وهي "إن هذا إخبار عن الله لا عن شيء غيره". وهذا محلها التي هي له، لا لسائر الصفات الثابتة لله تعالى من العلم والقدرة والكلام ونحو ذلك.
ومن أدلة إثبات النفس لله تعالى زيادة على ما ذكره قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (^٥). وقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٦) ولا يقال إن إطلاق النفس عليه تعالى في الآية الأخيرة من باب المشاكلة، لأنها وردت من غير ذلك كما في الآيات الأولى وفي كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٢).
(٢) سورة آل عمران: آية (٢٨، ٣٠).
(٣) انظر الفصل (٢: ١٧٢).
(٤) انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص ٨).
(٥) سورة طه: آية (٤١).
(٦) سورة المائدة: آية (١١٦).
[ ٢٨٥ ]
العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" (^١).
تلك بعض الأدلة الدالة على إثبات النفس لله تعالى، وعندنا إن ذات الشيء هي نفسه وحقيقته فلا فرق وسنبين أيضًا ما يدل على إثبات الذات. ولكن إثبات ابن حزم للذات يخالف مذهبه إلتزام الظاهر وعدم إثبات شيء لله تعالى من غير ورود النص عليه، وقد أثبت الذات لا على استناد إلى نص وإنما على أنها كالنفس.
ونرى أن مما يصحح إثبات الذات لله تعالى أنها هي نفس الشيء وحقيقته ثم إنها وردت عن العرب منسوبة إلى الله تعالى كما في قول النابغة:
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب (^٢)
وقول خبيب بن عدي ﵁ حين أسره أهل مكة فلما أخرجوه للقتل قال:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع (^٣)
وقول حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ ينشده:
_________________
(١) صحيح الإمام البخاري (٤: ١٩٦)، صحيح مسلم (٤: ٢١٠٨) سُنن الترمذي (٥: ٥٤٩)، سنن ابن ماجه (١: ٦٧)، (٢: ١٤٣٥)، مسند الإمام أحمد (٢: ٣٩٧، ٤٣٣).
(٢) ديوان النابغة (ص ٤٩)، وانظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/ أ).
(٣) انظر صحيح البخاري (٤: ١٩٦)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢: ١٦٨)، رسالة تفصيل الإجمال لابن تيمية ضمن الرسائل والمسائل (٥: ٥٢)، شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/أ) مخطوط.
[ ٢٨٦ ]
وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه يجاهد في ذات الإله ويعدل (^١)
فإن قيل: إن المراد بقول النابغة إن روى قوله "محلتهم" بالحاء المهملة، المنزل المختص بالإله وهو بيت المقدس، وإن روى بالمعجمة فالمراد كتابهم المنزل من عند الله المختص به وهو الحكم والمواعظ الزاجرة عن الفواحش والمنكرات (^٢).
والمراد بقول خبيب: إن ذلك في الخصلة المختصة بالله وهي طاعته.
وبقول حسان: إن أخا الأحقاف يدعو إلى عبادة الله تعالى.
قلنا: تأويلكم هذا لو جاز لنا الأخذ به بالنسبة لقول النابغة لم يجز بالنسبة لقول خبيب وحسان ﵄ فقولهما دليل على إثبات الذات من وجهين:
الوجه الأول: إن كان "لفظ ذات" فيهما حقيقة فالرسول ﷺ لم ينه عنها حين رويت له عن خبيب، كما لم يرو إنكاره على حسان ﵁ قوله. وهو قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فلا يحتمل الأمر غير الجواز.
الثاني: إن كانت فيما وردت فيه مجازًا، فلا يصح استعمالها فيه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم
_________________
(١) ديوان حسان (١: ٢٠٣)، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ٦٦)، شرح الطحاوية (ص ٢٢٩)، فتح الباري لابن حجر (١٣: ٣٨٣).
(٢) انظر شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (ص ١٥/أ)، وانظر التعليق على البيت في ديوان النابغة (ص ٤١٩).
[ ٢٨٧ ]
إلى لازمه.
ويؤيد صحة استعمالها أن الله ﵎ أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، ولا وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات (^١).
وقد ذكر أبوحامد الغزالي أن إطلاق الذات في حق الله تعالى مما وقع الاتفاق عليه يقول: "ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي "المريد، والمتكلم، والشيء، والذات، والأزلي، والأبدي، وأن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق الله تعالى" (^٢).