١ - عقيدته:
تتضح عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى من خلال هذا الموضوع بشكل عام إلا أنني رأيت أن أعطي صورة إجمالية عن عقيدته فهو ﵀ سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث يقول بما قال به الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة المشهورون من أئمة السلف الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانوا لا يألون جهدًا في نشر عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بكتاب الله ﷾، وشهد بها له رسوله ﵊ كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل.
والحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى كباقي أئمة السلف رحمهم الله تعالى لم يشغل نفسه بحشو المتفلسفة والمتكلمين من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن ماثلهم وسار على نهجهم، وإنما كان رحمه الله تعالى حريصًا كل الحرص على اعتماد منهج السلف الصالح في جميع أبواب العقيدة، وكلامه في ثنايا مؤلفاته أكبر شاهد على هذا.
ولم يكن ابن رجب رحمه الله تعالى على معتقد السلف فحسب بل كان من الدعاة إليه.
وسوف أشير إلى نبذة من أقواله التي تدل على معتقده.
[ ١٢٣ ]
١ - يقول رحمه الله تعالى: . . . والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة (^١).
٢ - ويقول رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى ". . . وأما وصف النبي - ﷺ - لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي - ﷺ - به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه. . . " (^٢).
ومما يدل على عقيدته السلفية أيضًا نقده لبعض علماء الحنابلة الذين كان لهم شهرة كبيرة ومع ذلك كان عندهم ميل إلى التأويل في بعض كلامهم كابن الجوزي، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يذكر الوجوه التي تؤخذ على ابن الجوزي ومنها -أي من الوجوه التي تؤخذ عليه-: "وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكرهم عليه في ذلك.
ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان متطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين وبيان فسادها.
وكان معظمًا لأبى الوفاء بن عقيل (^٣) يتابعه في أكثر ما يجد في
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٣٣).
(٢) اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ٤٠، ٤١).
(٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن عبد الله البغدادي الحنبلي، من أئمة الحنابلة، له مؤلفات عديدة منها: الفنون في شتى العلوم في أربعمائة جزء، اتهم ببعض آراء المبتدعة، ويقال: إنه رجع وتاب، توفي سنة ٥١٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) والذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٤٢).
[ ١٢٤ ]
كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون" (^١).
ومراد ابن رجب أن ابن الجوزي يتبع ابن عقيل في آرائه، لأن ابن عقيل ليس هو شيخه المباشر، فابن الجوزي ولد قبل وفاة ابن عقيل بسنة.