١ - تعريف النفاق:
النفاق مشتق من نافقاء اليربوع، لأن اليربوع له جحران: أحدهما يقال له النَافِقاء، والثاني القَاصِعاء.
فالنافقاء موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق، وهو يكتمه ويظهر غيره فإذا جاءه من قبل القاصعاء الظاهرة ضرب النافقاء برأسه ثم خرج، فهو يظهر القاصعاء ويخفي النافقاء (^١).
وقيل النفاق مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض.
يقول الجوهري: النَّفَق: سرب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان، والنَافِقاء: إحدى جُحَرة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي خرج، والنُفقَة أيضًا مثال الهُمزَة: النافقاء. تقول منه نفق اليربوع تَنْفيقًا نافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين (^٢).
وقال ابن الأثير: قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٠/ ٣٥٩).
(٢) الصحاح (٤/ ١٥٦٠).
[ ٤٠٥ ]
المخصوص به وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النَافِقاء: أحد جُحَرة اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه. وقيل: هو من النفق: وهو السرب الذي يستتر فيه، لستره كفره (^١).
وقال الراغب الأصفهاني: النفق: الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب، والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٣) أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (^٤) (^٥).
فكلمة النفاق تدل على إظهار الإنسان خلاف ما يبطن في شتى الأمور وهو بذلك يتضمن الدخول في الإسلام ظاهرًا وهو لا يؤمن به باطنًا كما يتضمن غير ذلك مما يكون فيه الظاهر مخالفًا للباطن ولذلك يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "سمي المنافق منافقًا لأنه يستر كفره، ويغيبه، فشُبِه بالذي يدخل النفق، وهو السرب فيستتر به " (^٦).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٩٨).
(٢) سورة الأنعام آية (٣٥).
(٣) سورة التوبة آية (٦٧).
(٤) سورة النساء آية (١٤٥).
(٥) المفردات في غريب القرآن (ص ٥٠٢).
(٦) شرح السنة (١/ ٧١، ٧٢).
[ ٤٠٦ ]
والخلاصة أن النفاق في اللغة هو إظهار شيء وإبطان خلافه وفي الشرع: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن النفاق وبيّن أقسامه فقال رحمه الله تعالى في تعريفه وبيان أقسامه: النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
والثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في الأحاديث وهي خمس:
أحدها: أن يحدث بحديث لم يصدق به، وهو كاذب له.
والثاني: إذا واعد أخلف، وهو على نوعين:
أحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يوفي بوعده، وهذا شر الخلق، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كاذبًا وخلفًا.
الثاني: أن يعد، ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.
والثالث: إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب كما
[ ٤٠٧ ]
قال النبي - ﷺ -: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (^١).
وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (^٢).
وقال - ﷺ -: "إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (^٣).
وقال - ﷺ -: "إن من البيان لسحرًا" (^٤).
فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة -سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا- على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، وأخبث خصال النفاق، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "من خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٧/ ٩٥) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله (٤/ ٢٠١٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣/ ١٠١) ومسلم: كتاب العلم، باب في الألد الخصم (٤/ ٢٠٥٤).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (٨/ ١١٢) ومسلم؛ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٣/ ١٣٣٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب إن من البيان لسحرًا (٧/ ٣٠).
(٥) أخرجه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناد صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (٧/ ٢٠٥) وأبو داود: كتاب الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها (٤/ ٢٣) والحاكم (٢/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٩٨) رواه أبو داود والطبراني بإسناد جيد.
[ ٤٠٨ ]
الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (^١).
وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (^٢).
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (^٣).
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" (^٤). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" خرّجه البخاري (^٥).
وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين، إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئًا.
وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها، من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٣٤).
(٢) سورة النحل آية (٩١).
(٣) سورة آل عمران آية (٧٧).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت (٨/ ٦٢) ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر (٣/ ١٣٦١).
(٥) صحيح البخاري: كتاب الديات، باب من قتل ذميًا بغير جرم (٨/ ٤٧).
[ ٤٠٩ ]
الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿، مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه.
الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا أؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١).
وقال النبي - ﷺ -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك" (^٢).
قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (^٣).
فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.
وخاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن
والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا
ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملًا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٨).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٤) وأبو داود: كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (٣/ ٨٠٥) والترمذي: كتاب البيوع (٣/ ٥٦٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي: كتاب البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة (٢/ ١٧٨) والحاكم (٢/ ٤٦) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٣) سورة الأنفال آية (٢٧).
[ ٤١٠ ]
ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (^١).
وأنزل في اليهود ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ (^٢).
وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي - ﷺ - عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (^٣).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي - ﷺ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله - ﷺ - من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا (^٤).
وفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: "من غشنا فليس منا،
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٧).
(٢) سورة آل عمران آية (١٨٨).
(٣) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ١٣٤٣).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٢).
[ ٤١١ ]
والمكر والخديعة في النار" (^١) (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة في نظرهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (^٣) فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقام والفصاحة حتى أنهم يعجب منظرهم لمن يراهم، ويسمع قولهم من سمعه سماع إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعائبهم مهلكة فلهذا مثلهم بالخشب المسندة التي لا دفع لها ولا إحساس وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (^٤) لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا من الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم وهكذا كل مريب يظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويتحسر عليه (^٥).
فالنفاق داء عضال، ومرض خطير، ولذلك كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة يخافون منه خوفًا شديدًا لعلمهم بدقة وجله، وما يترتب عليه من الآثار السيئة وقد أشار ابن رجب
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) وفي الصغير (١/ ٢٦١) وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٧٣) والقضاعي في مسنده (١/ ١٧٥) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٩) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٧٢) رواه الطبراني في الكبير والصغير بإسناد جيد، وابن حبان في صحيحه. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٦) وأخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن مسعود، والحاكم في المستدرك من حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال: لكن مجموعها يدل على أن للمتن أصلًا.
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٠ - ٣٤٢).
(٣) سورة المنافقون آية (٤).
(٤) سورة المنافقون آية (٤).
(٥) غاية النفع (ص ٢٤).
[ ٤١٢ ]
رحمه الله تعالى إلى ذلك وبين أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخافون من النفاق أشد الخوف.
فقال: "ومن هنا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد جزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، لأن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقلبها كيف شاء" (^١). خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر ﵁ وهو يبكي فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا رجعنا عافسنا (^٣) الأزواج والصبية فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١١٢) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (٤/ ٤٤٨) وقال: هذا حديث حسن.
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣٩).
(٣) عافسنا: المعافسة هي الملاعبة والممارسة، والمعنى اشتغلنا بمعايشنا وأزواجنا وأولادنا. النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٦٣).
[ ٤١٣ ]
فانطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (^١) (^٢)
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة ﵃ وغيرهم تدل على خوفهم من النفاق فقال: "ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه" (^٣).
وسئل أبو رجاء العطاردي (^٤): هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - ﷺ - يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا" (^٥).
وقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة (^٦): "أدركت
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة (٤/ ٢١٠٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه وكيع في الزهد (٣/ ٧٩١) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٧/ ب).
(٤) هو الإمام الكبير عمران بن ملحان التميمي البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي - ﷺ -، وكان خيرًا تلاءً لكتاب الله، وكان ثقة نبيلًا عالمًا عاملًا، توفي سنة ١٠٥ هـ. أسد الغابة (٤/ ١٣٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٥٣) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٤٠).
(٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (ص ٧١) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).
(٦) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي التيمي أبو محمد الإمام الحافظ الحجة، كان عالمًا مفتيًا صاحب حديث وإتقان، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي سنة ١١٧ هـ رحمه الله تعالى. الجرح والتعديل (٥/ ٩٩) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦).
[ ٤١٤ ]
ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه (^١).
ويذكر عن الحسن أنه قال: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق" (^٢).
وروي عن الحسن: "أنه حلف ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن" (^٣).
وكان يقول: "من لم يخف النفاق فهو منافق" (^٤).
وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: "اللهم اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه" (^٥).
والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا (^٦).
وهذا كله يدل على عظم النفاق، وشدة خطره، فإذا كان الصحابة ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة رسوله - ﷺ - والذين رباهم
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧) وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).
(٢) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧).
(٣) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٧٣) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤).
(٤) أخرجه الفريابي فى صفة المنافق (٧٣).
(٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٦٩) والذهبي في السير (٦/ ٣٨٢) وقال: إسناده صحيح.
(٦) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٩، ٣٤٠).
[ ٤١٥ ]
الرسول - ﷺ - كانوا يخافون من النفاق، فما الحال في زمننا هذا الذي قل فيه الإخلاص، والإيمان بالله ﷿، مما لا شك فيه أن خلقًا كثيرًا قد وقعوا في النفاق سواءًا شعروا بذلك أم لم يشعروا، نسأل الله السلامة منه ومن كل ما يحبط الأعمال ويفسدها، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.
[ ٤١٦ ]