من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلّها داخلة في مسمّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ".
قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره (^١).
وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرّقون بين العمل والإيمان.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٩٠٣).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان (١/ ٨)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في الإيمان (٤٥)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر. انظر تغليق التعليق (٢/ ١٩ - ٢٠).
[ ٥٠٩ ]
وقد دلّ على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (^١) الآية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ - ﷺ - قال لوفد عبد قيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (^٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٣)، ولفظه لـ"مسلم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" (^٤)، فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلَّا بانتفاء بعض أركان المسمّى أو واجباته (^٥).
_________________
(١) سورة الأنفال، آية (٢).
(٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب أداء الخمس من الإيمان (١/ ٢١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (١/ ٣٥).
(٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الحياء من الإيمان (١/ ١١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب عدد شعب الإيمان (١/ ٤٦).
(٤) صحيح البخاري: كتاب الحدود - باب الزنا وشرب الخمر (٨/ ١٣)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب نقصان الإيمان بالمعاصي (١/ ٧٦).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٦١ - ٦٣)، وانظر فتح الباري (١/ ٥، ٦).
[ ٥١٠ ]
وقال رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: "اللَّهُمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (^١)، قال: أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونيّة، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان (^٢).
ويقول رحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حجّ مبرور" (^٣)، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسَّر النبيّ - ﷺ - الإيمان بذلك في سؤال جبريل وغيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه، كأول سورة البقرة ووسطها وأخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٤) الآية.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
_________________
(١) هذا جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي: باب الذكر بعد الدعاء (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ٤٨).
(٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب من قال أن الإيمان هو العمل (١/ ١٢)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (١/ ٨٨).
(٤) سورة الصف، آية (١٠، ١١).
[ ٥١١ ]
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (^١)، وقد صحَّ عن النبيّ - ﷺ - من غير وجه: "إن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله" (^٢)، فالإيمان المجرَّد تدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصًا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث، فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة واللِّسان والكلام الطيب؛ كما قال النبيّ - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (^٣)، ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبّته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكّل عليه، قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدّقته الأعمال" (^٤).
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (^٥).
فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللِّسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت
_________________
(١) سورة الحجرات، آية (١٥).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٥١١).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ٣١).
(٥) سورة الأنفال، آية (٢ - ٤).
[ ٥١٢ ]
الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حبّ الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمأن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبر فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللّسان ثم يتبعها عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله (^١).
هذا ما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الإيمان عند أهل السنّة والجماعة، وهذا التعريف هو التعريف الذي تضافرت الأدلّة على صحته من الكتاب والسنّة، وهو ما أجمع عليه سلف هذه الأمّة عليهم رحمة الله تعالى.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق بعض الأدلّة من الكتاب والسنّة التي تدل على صحة هذا التعريف، وذكر ما حكاه الشافعي من إجماع الأمّة على ذلك، وقد حكى هذا الإجماع البغوي رحمه الله تعالى، فقال: "واتّفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنّة على أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (^٢)، فجعل الأعمال كلّها إيمانًا" (^٣).
فقول السلف في الإيمان هو القول الحق الذي دلّت عليه الأدلّة الكثيرة الواردة في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله - ﷺ -، وهناك أدلّة أخرى لم يذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٢٣٩ - ٢٤١). وانظر فتح الباري (١/ ٤١ - ٤٢).
(٢) سورة الأنفال، آية (٢، ٣).
(٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٤١).
(٤) سورة البقرة، آية (١٤٣).
[ ٥١٣ ]
ووجه الدلالة من الآية تسميته ﷾ الصلاة إيمانًا كما يدلّ عليه ما ورد في سبب نزولها، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا من الصحابة قبل تحويل القبلة وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله - ﷺ - عنهم، فنزلت هذه الآية (^١).
ومنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (^٢).
ووجه الدلالة من الآية أن لفظ الإيمان إذا ورد في كلام الشارع مطلقًا يراد به ما يراد بلفظ البرّ والتقوى والدين، كما دلّ على ذلك سبب النزول حيث أن الصحابة ﵃ سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية (^٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان (١/ ١٧).
(٢) سورة البقرة، آية (١٧٧).
(٣) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٩)، وفتح الباري (١/ ٥١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن سبب نزول هذه الآية، أخرجه عبد الرزاق وقال: رجاله ثقات.
(٤) سوره العنكبوت، آية (١ - ١١٠).
[ ٥١٤ ]
ذكر هذه الآية أبو عبيد القاسم بن سلام دليلًا على أن الأعمال من الإيمان، وقال: أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأيّ شيء يتبع بعد كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة (^١).
فهذه الأدلّة من الآيات والأحاديث دالّة على أن أعمال الجوارح داخلة في مسمّى الإيمان، وأنه لا ينفع القول والتصديق بدون العمل، وهو القول الحق.
والمؤمن في الحقيقة يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو سنّة رسوله - ﷺ - لكي يعتقد ذلك، فكيف وقد تضافرت الأدلّة الصريحة من كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - على صحة مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٦).
[ ٥١٥ ]