أنزل الله ﵎ القرآن الكريم هدي وشفاء للناس كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (^٣).
فبين الله ﷾ أن هذا الكتاب المنزل على نبينا محمد - ﷺ - هدى للناس يهتدون به إلى الطريق القويم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^٤) ويخرجون به من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^٥).
فمن تمسك بهذا الكتاب وسنة المصطفى - ﷺ - المفسرة المبينة له فهو غني عن كل فكر ومنهج، لأن الله ﷾ قد أكمل الدين كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٦).
_________________
(١) سورة البقرة آية (١، ٢).
(٢) سورة فصلت آية (٤٤).
(٣) سورة النحل آية (٦٤).
(٤) سورة الإسراء آية (٩).
(٥) سورة البقرة آية (٢٥٧).
(٦) سورة المائدة آية (٣).
[ ٢٨٢ ]
وقد علم الصحابة ﵃ قدر هذا الكتاب العظيم فتمسكوا به وانكبوا عليه علمًا وعملًا وتعليمًا، وهكذا التابعون لهم بإحسان ولم يعرف عن أحد منهم أنه تكلم بشيء من الطرق الكلامية ولا المسائل الفلسفية (^١).
وبعد انتهاء عصر الصحابة ﵃ ظهر ما يسمى بعلم الكلام وهو الجدال في الأمور الاعتقادية بالعقل بسبب الابتعاد عن الكتاب والسنة والتأثر بالأفكار والديانات القديمة، وازداد الأمر سوءًا في عهد المأمون (^٢) بعد أن عربت كثير من الكتب اليونانية والرومانية إلى العربية (^٣).
وقد قام أئمة الدين وأعلام الهدى بذم علم الكلام وبالغوا في ذمه وذم أهله وتضليلهم، ومنعوا من مجالستهم ومحادثتهم ومجادلتهم، وأمروا بهجرهم، والبعد عنهم، وأجمعوا على أنه من العلوم المحدثة المبتدعة التي كان لها أكبر الأثر في تفريق المسلمين وتشتيت وحدتهم.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "روى ذم الكلام
_________________
(١) انظر: الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٦) وصون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (ص ١٤).
(٢) المأمون أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي أحد خلفاء بني العباس، قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، ودعا إلى القول بخلق القرآن وحمل الناس عليه، وكان يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه، توفي سنة ٢١٨ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٣) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢) وشذرات الذهب (٢/ ٣٩).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٣٦) والتعريفات للجرجاني (١٨٥).
[ ٢٨٣ ]
وأهله عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف (^١) ومحمد وابن مهدي (^٢) وأبي عبيد والشافعي والمزني (^٣) وابن خزيمة، وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى (^٤) ومحمد بن يحيى الذهلي (^٥) وروى
_________________
(١) هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي تلميذ أبي حنيفة، عالم، فقيه، محدث، قال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٨٢ هـ. تاريخ جرجان للسهمي (٤٨٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢) والجواهر المضيئة (٢/ ٢٢٠).
(٢) هو الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل الأزدي، من أعلم الناس بالحديث وعلومه. قال علي بن المديني: لو أخذت، فحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٩٨ هـ. حلية الأولياء (٩/ ٣ - ٦٣) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥).
(٣) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري، تلميذ الشافعي، الإمام الزاهد، العابد، قال الذهبي: كان مجاب الدعوة، ذا زهد وتأله، أخذ عنه خلق من العلماء، توفي سنة ٢٦٤ هـ. طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٢) وطبقات الشافعية لابن هداية (٢٠).
(٤) يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، أبو محمد، رحل إلى المشرق، وسمع من مالك بن أنس وغيره، وكان من أكابر الصحابة، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وإليه انتهت رئاسة الفقه في الأندلس، توفي سنة ٢٣٤ هـ رحمه الله تعالى. جذوة المقتبس (٣٨٢) وترتيب المدارك (٣/ ٣٧٩) ووفيات الأعيان (٥/ ١٩٤).
(٥) محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام الحافظ. =
[ ٢٨٤ ]
السلمي (^١) أيضًا النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد (^٢) وإبراهيم الخواص (^٣) فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين " (^٤).
كما بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن علم الكلام الذي اعتمد عليه المتكلمون من العلوم المذمومة التي فتحت باب شر عظيم على المسلمين في دينهم لأن المتكلمين جاءوا بقضايا منطقية وفلسفية زعموا أنها حجج قطعية وقضايا مسلمة لا تغير ولا تبدل.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: " فأما الدخول
_________________
(١) = قال ابن أبي حاتم: إمام من أئمة المسلمين، وثّقه أبي، وسمعته يقول: هو إمام أهل زمانه. توفي سنة ٢٥٨ هـ. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٥) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٢٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٠).
(٢) محمد بن الحسين بن محمد أبو عبد الرحمن السلمي نسبة إلى قبيلة سليم، شيخ خراسان وكبير الصوفية، قال الذهبي: وللسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ الرواة سؤال عارف، وفي الجملة، ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، توفي سنة ٤١٢ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٨) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٨).
(٣) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي، شيخ الصوفية، لم يرَ في زمانه مثله في العفة والعزوف عن الدنيا، توفي سنة ٢٩٨ هـ. تاريخ بغداد (٧/ ٢٤١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٨).
(٤) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، من أهل سر من رأى، قال الخطيب: أحد شيوخ الصوفية، وممن يذكر بالتوكل وكثرة الأسفار إلى مكة وغيرها، توفي سنة ٢٩١ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ٧ - ١٠).
(٥) فتح الباري (٥/ ١٠١ - ١٠٢).
[ ٢٨٥ ]
مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم.
وكان هو وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة.
وأما ما يوجد في كلام من أحب الكلام المحدث، واتبع أهله من ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إلى الجهل أو إلى الحشو، وإلى أنه غير عارف بالله أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ بالله منه (^١).
كما بين رحمه الله تعالى أن سكوت السلف رحمهم الله تعالى عن الكلام والجدال ليس جهلًا وعجزًا منهم ولكنهم سكتوا عن علم ومعرفة ودراية وتعظيم وخشية لله تعالى. فقال: "فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية لله وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبا للكلام وقلة ورع إلى أن قال رحمه الله تعالى: "وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض.
وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، زيد بن ثابت كيف كانوا وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٩).
[ ٢٨٦ ]
ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل (^١).
وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله من ذلك قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل (^٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل (^٣).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "رأيي ومذهبي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويجلسوا على الجمال ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (^٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء، والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام" (^٥).
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٣، ١٤٤).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٣٦٤).
(٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٧).
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦).
(٥) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٥٣) وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣٦).
[ ٢٨٧ ]
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا علماء الكلام زنادقة" (^٢).
فهذه بعض أقوال أئمة الإسلام، الذين شهد لهم بالفضل والعلم في علم الكلام، وهم أدرى به من غيرهم لأنهم اطلعوا على حقيقته، وعلموا نتيجته، وعاصروا أصحابه وعرفوهم عن قرب، بل أن السلف لم يكتفوا بالتحذير من علم الكلام وأصحابه بالقول. بل ألفوا فيهم مؤلفات تبين ما هم عليه من الضلال، وتحذرهم منه، وممن ألف في ذلك الخطابي (^٣) ألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله، وأبو إسماعيل الهروي (^٤) ألف كتابه المشهور بذم الكلام (^٥).
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ص ٣٦٥).
(٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٣).
(٣) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المحدث، له تصانيف مفيدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، توفي سنة ٣٨٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣) وشذرات الذهب (٣/ ١٢٧).
(٤) شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، كان مظهرًا للسنة داعيًا إليها صنف ذم الكلام والأربعين في دلائل التوحيد وغيرها من الكتب المفيدة النافعة، توفي رحمه الله تعالى سنة ٤٨١ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٠٣) والبداية والنهاية (١٢/ ١٤٥).
(٥) توجد له نسخة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية، وقد قام أخونا عبد الرحمن الشبل بتحقيق جزء منه في مرحلة الماجستير، ويقوم الآن بتحقيق الجزء الآخر في مرحلة الدكتوراه.
[ ٢٨٨ ]
كما اتبعوا القول بالعمل فقد أمر الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح (^١) بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي (^٢) وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا (^٣).
ولا يفهم من موقف السلف من علم الكلام أنهم ينهون عن الأدلة العقلية فلا يعطونها أي وزن أو قيمة: بل إن من طالع كتبهم ونظر في أقوالهم، تبين له أنهم لم ينكروا الاستدلال بالأدلة العقلية على المطالب الآلهية إذا كانت صحيحة، وإنما نهوا وذموا ما خالف الكتاب والسنة (^٤).
كما أنهم لم يذموا علم الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ العرض (^٥) وغير ذلك، ولكن لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات (^٦).
_________________
(١) أبو عمرو الإمام الحافظ عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشافعي، كان من كبار الأئمة، وقد أفتى وجمع وألف كتبًا كثيرة في علوم الحديث والفقه ومن أشهرها ما يعرف بمقدمة ابن الصلاح، توفي سنة ٦٤٣ هـ. تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠) والبداية والنهاية (١٣/ ١٦٠) والنجوم الزاهرة (٦/ ٣٥٤).
(٢) أبو الحسن علي بن محمد بن سالم الثعلبي سيف الدين الآمدي، أصولي متكلم، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، اشتغل بفنون المعقول، صنف كتاب الأحكام في أصول الأحكام، ولباب الألباب وغيرها، توفي سنة ٦٣١ هـ. طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٠٦) والبداية والنهاية (١٣/ ١٣٤) وشذرات الذهب (٥/ ١٤٤).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٢).
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥٣، ١٥٥، ١٦٦).
(٥) العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم به. التعريفات للجرجاني (ص ١٤٨).
(٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٤٤).
[ ٢٨٩ ]
وهكذا كان علماء السلف كلهم ملتزمين بما أنزل الله ﷾ على نبينا محمد - ﷺ - يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يتجاوزونه إلى غيره، ويرون أن فيه الصلاح والهدى والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، لأنه - ﷺ - لم ينتقل إلى ربه ﷿ حتى كمل هذا الدين، فكل ما تحتاج إليه أمته من أمور الدين قد بينه ﵊ بيانًا شافيًا، ولم يترك لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، ولم يرو عنه - ﷺ - في علم الكلام شيء مما يدل دلالة واضحة على أنه بدعة وضلالة.
يقول ابن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين" (^١).
هذا مع أن بطون الكتب حفظت لنا نصوصًا كثيرة في تراجع من اشتغل بعلم الكلام رغم أنهم أمضوا السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا فيه، رغم ذلك عادوا في آخر حياتهم إلى ما عليه السلف، وأوصوا بالبعد عن علم الكلام مما يدل دلالة واضحة على بطلان هذا العلم وما يؤدي إليه من الحيرة والاضطراب، ورجوع من اشتغلوا بعلم الكلام عنه ووصاياهم بالبعد عنه والتمسك بما عليه السلف أمر لا ينكره إلا من هو مكابر ومعاند وغير مريد للحق لأن اعترافاتهم وأقوالهم مسطرة ومنثورة في كتبهم التي ألفوها في آخر حياتهم، وتناقلها العلماء من بعدهم مستدلين بها على صحة منهج السلف وفساد مذهب المتكلمين.
أخرج الخطيب البغدادي بسنده أن الوليد بن أبان الكرابيسي (^٢) لما
_________________
(١) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٥).
(٢) الوليد بن أبان الكرابيسي، معتزلي، من علماء الكلام، من أهل البصرة، له مقالات في الاعتزال، مات سنة (٢١٤ هـ). تاريخ بغداد (١٣/ ٤٤١) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٨) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).
[ ٢٩٠ ]
حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم" (^١).
وكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني (^٢).
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني (^٣) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أوقار عاسن نادم (^٤)
_________________
(١) تاريح بغداد (١٣/ ٤٤١) وتلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).
(٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤، ٨٥) ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٣) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٤).
(٣) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني من كبار أئمة الأشاعرة، له مؤلفات كثيرة منها: الملل والنحل، نهاية الأقدام في علم الكلام، توفي سنة ٥٤٨ هـ. وفيات الأعيان (٤/ ٢٧٣) والعبر (٣/ ٧) وشذرات الذهب (٤/ ١٤٩).
(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٩) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٨) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٥).
[ ٢٩١ ]
وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
وأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -.
وفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.
[ ٢٩٢ ]