نشأ ابن رجب رحمه الله تعالى في أسرة علمية عريقة كان لها أثر واضح في تنمية مواهبه ومن ثم أصبح عالمًا تمت شهرته الآفاق، وتجمع المصادر على أن أسرة ابن رجب بغدادية وأنها أسرة علم وطهر وفضل وصلاح، بل عريقة في الإمامة العلمية ومنهم:
أولًا: جده أبو أحمد رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي، واسمه عبد الرحمن ورجب لقبه، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب كان فقيهًا عالمًا له حلقة علمية في بغداد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان، وقد ولد سنة ٦٧٧ هـ وسمع ثلاثيات البخاري وحدث بها وسمع من المعيد ابن المجلح وابن غزال وغيرهما (^١).
وصفه ابن العماد بقوله: "الشيخ الإمام المحدث" (^٢).
وقد أدرك ابن رجب رحمه الله تعالى جده وحضر مجلسه وهو يقرأ عليه قال في الذيل على الطبقات: قرأ على جدي أبي أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي أخبرنا أبو
_________________
(١) انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).
(٢) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
[ ٦٤ ]
الوقت عبد الأول بن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداوودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عبد الله الفربري حدثنا البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (^١) (^٢).
وهذا يدل على أن جده أبا أحمد كان عالمًا ويقرأ الناس عليه وقد توفي في صفر سنة ٧٤٢ هـ (^٣).
ثانيًا: أبوه أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات السلامي البغدادي الحنبلي، نزيل دمشق ولد في بغداد صبيحة يوم السبت الخامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦ هـ (^٤) ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، وطلب الحديث، وخرج لنفسه معجمًا مفيدًا.
قال ابن ناصر الدين (^٥) في وصفه: "الإمام العالم الصالح المقرئ المجود المحدث المفيد. . . قرأ القرآن بالروايات وأخذ عن جماعة من الشيوخ كثيرًا من المرويات وخرج لنفسه مشيخة مفيدة بتراجم ملخصة فريدة، وذكر ابن تيمية بشيخ الإسلام، وأثنى عليه وكان يحبه ويميل بالمودة إليه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم -باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - (١/ ٣٥).
(٢) الذيل على الطبقات (٢/ ٢١٣).
(٣) الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).
(٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١) والرد الوافر (ص ٧٩).
(٥) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين، الحافظ المحدث كان عارفًا بالنسب والرجال، له مؤلفات كثيرة منها: الرد الوافر، وبديعة البيان وشرحها، توفي سنة ٨٤٢ هـ. الضوء اللامع (٨/ ١٠٣) وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).
(٦) الرد الوافر (ص ٧٩).
[ ٦٥ ]
وقال ابن حجر: "ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها وبالقدس وجلس للقراء بدمشق وكان ذا خير ودين وعفاف. . . " (^١).
وقال العليمي: "العالم الصالح المقرئ المحدث شهاب الدين .. " (^٢) مات سنة ٧٧٤ هـ ﵀ (^٣).
وقد أقبل ابن رجب يتتلمذ على أبيه، وينتفع منه، وينهل من معينه وكان أبوه حريصًا على تزويده من مناهل العلوم والمعارف المختلفة فكان يصطحبه معه في السماع على الشيوخ وذكر العليمي أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ فاشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (^٤) فلا ريب أن ابن رجب استفاد من جده المحدث (رجب) ثم من والده الإمام المقرئ لأنه ما دامت أن هذه هي أسرته التي عاش فيها وتلك مكانتها العلمية فلا عجب حين نرى ابن رجب ينشأ وهو محاط بجو علمي ديني تعبدي.
ولا شك أن نشأة ابن رجب في مثل هذه الأسرة قد هيأ له مناخًا مناسبًا لطلب العلم والجد في تحصيله.
تلك هي أسرة ابن رجب رحمه الله تعالى أسرة علم وتقًى وطهارة نالت من العلم حظًا وافرًا.
_________________
(١) إنباء الغمر (١/ ٤٢).
(٢) المنهج الأحمد (٤٧١).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).
(٤) انظر: المنهج الأحمد ورقة (٤٧٠).
[ ٦٦ ]