يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إليه المبطلون من تمثيل، وتجسيم، وإثبات أصل وفرع، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين، والصابئة (^١) وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة من تولد الملائكة أو العقول، أو النفوس أو بعض الأنبياء، أو غير الأنبياء ودخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره كالذين قالوا في المسيح أنه الله، والذين يقولون في الدجال: أنه الله، والذين يقولون ذلك في علي وغيره.
ودخل ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفو له في شيء من الأشياء، مثل من يجعل له بتشبيهه، أو تجسيمه كفوًا له، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إلى غيره
_________________
(١) الصابئة: الصابئ في اللغة هو التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره. والصابئة: أمة كبيرة، وهم القوم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، هم أهل دعوته، وكانوا بحران، فهي دار الصابئة وهم على قسمين: صابئة حنفاء، وصابئة مشركين والمشركون منهم هم الذين يعبدون الكواكب والبروج ويعظمونها ويصورونها في هياكلهم. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩٠) والملل والنحل (٢/ ٥) وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٤٥).
[ ٢٢٤ ]
كفوًا، فلا كفو له في شيء من صفاته، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته.
فتضمنت هذه السورة تنزيهه، وتقدسيه، عن الأصول والفروع، والنظراء، والأمثال (^١).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص، والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (^٢).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فهذه السورة تتضمن انفراده ووحدانيته وأنه منقطع النظير، وأنه إنما نزه عن أن يكون من أجناس المخلوقات، لأن أفراد كل جنس من هذه الأجناس متكافئة متماثلة، فالذهب يكافىء الذهب والإنسان يكافىء الإنسان ويزاوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (^٣).
فما من مخلوق إلا وله كفو، هو زوجه، ونظيره، وعدله، ومثيله فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس، لكان له كفو وعدل، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل (^٤).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى معنى قوله - ﷺ -: "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها (^٥) فقال: ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء (^٦)
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠، ١٠١).
(٢) المصدر السابق (ص ٩٧).
(٣) سورة الذاريات آية (٤٩).
(٤) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠).
(٥) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٤٢٨).
(٦) سيأتي لفظه وتخريجه (ص ٢٢٨).
[ ٢٢٥ ]
على أنها جزء التوحيد من القرآن، وأنه ثلاثة أجزاء: توحيد وتشريع وقصص (^١).
فهذه السورة العظيمة هي صفة الرحمن ﷾ وكل سور القرآن هي صفة الرحمن ﷾ لأنها كلامه ﷿، وكلامه من صفاته ﵎ ولكن هذه السورة تميزت بأنها خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﷻ (^٢).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى فضائل هذه السورة العظيمة فقال: أما فضائلها فكثيرة جدًا:
منها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي - ﷺ -: أخبروه أن الله يحبه" (^٣).
ومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفًا، ومنه قول ابن مسعود: "من كان يحب القرآن فهو يحب الله" (^٤).
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص (ص ٨٠).
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان (ص ٦١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٣) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٧).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٤٢).
[ ٢٢٦ ]
ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة روى مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن (^١) عن عبيد بن حنين (^٢) قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي - ﷺ -، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: "وجبت، قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة". وأخرجه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك (^٣).
ومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" (^٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا: نعم، قال: إن الله جزأ
_________________
(١) عبيد الله بن عبد الرحمن، يقال اسم جده السائب بن عمير، صدوق من السادسة، رواه له الترمذي والنسائي ومالك. الجرح والتعديل (٥/ ٣٢٣) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠) وتقريب التهذيب (٢٢٦).
(٢) عبيد بن حنين المدني أبو عبد الله، ثقة فاضل، قليل الحديث، مات سنة ١٠٥ هـ. تهذيب التهذيب (٧/ ٦٣) وتقريب التهذيب (٢٢٨).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٠٢) والترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص (٥/ ١٦٨) والنسائي: كتاب الافتتاح، باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢/ ١٧١) والحاكم في المستدرك: كتاب فضائل القرآن (١/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند (١٥/ ١٦٥): إسناده حسن.
(٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤).
[ ٢٢٧ ]
القرآن ثلاثة أجزاء. فقل هو الله أحد ثلث القرآن" (^١).
ومنها: أن قراءتها تكفي من الشر، وتمنعه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قرأها مع المعوذتين، ومسح ما استطاع من جسده (^٢).
وروى أبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب (^٦) عن أبيه (^٧) عن النبي - ﷺ - قال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسى وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل يوم" وصححه الترمذي
ومنها: أن الدعاء بها مستجاب، ففي السنن الأربعة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يصلي يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٦).
(٢) أخرجه البخاري: فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (٦/ ١٠٦).
(٣) سنن أبو داود: كتاب الأدب، باب ماذا يقول إذا أصبح (٥/ ٣٢١).
(٤) سنن الترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٥) سنن النسائي: كتاب الاستعاذة (٨/ ٢٥٠).
(٦) معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المدني، صدوق، ربما وهم، من الرابعة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة. تقريب التهذيب (٣٤٠).
(٧) هو عبد الله بن خبيب الجهني، مدني له صحبة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة. أسد الغابة (٣/ ١٥٠) والإصابة (٢/ ٢٩٤) وتقريب التهذيب (١٧٢).
[ ٢٢٨ ]
يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: "والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" (^١) (^٢).
هذه بعض فضائل هذه السورة العظيمة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عظم هذه السورة وعظم ما اشتملت عليه، فهي سورة خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﵎.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٦٠) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٧) والترمذي: كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات (٥/ ٥١٥) وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم (٢/ ١٢٦٧) والحاكم: كتاب الدعاء (١/ ٥٠٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٧١ - ٨٣).
[ ٢٢٩ ]