قال ابن رجب رحمه الله تعالى: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:
١ - فهي كلمة التقوى كما قال عمر ﵁ من الصحابة، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك. . . ولأجلها خلق الحلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^١) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ (^٣).
٢ - . . . وهي ثمن الجنة. . . وجاء مرفوعًا: ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة (^٤).
٣ - وهي نجاة من النار: سمع النبي - ﷺ - مؤذنًا يقول: "أشهد أن لا
_________________
(١) سورة الذاريات آية (٥٦).
(٢) سورة الأنبياء آية (٢٥).
(٣) سورة النحل آية (٢).
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣) وأبو داود: كتاب الجنائز، باب التلقين (٣/ ٤٨٦) والحاكم (١/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٣١٠ ]
إله إلا الله" فقال: "خرج من النار" أخرجه مسلم (^١).
٤ - وهي توجب المغفرة: وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه يومًا: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله - ﷺ - يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم" (^٢).
٥ - وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذر: قلت يا رسول الله علمني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها، قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات" (^٣).
٦ - وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة (^٤) وقد خرجه أحمد، والنسائي، والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (١/ ٢٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨١) رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٣) وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٣١) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٦١).
(٤) حديث البطاقة هو حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده =
[ ٣١١ ]
٧ - وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله ﷿: وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر" (^١).
٨ - وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاءه، خرج النسائي (^٢) في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي - ﷺ - قال: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه لسانه، إلا فتق له (أبواب) السماء، حتى ينظر الله إلى قائلها، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله".
٩ - وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها: كما أخرج النسائي
_________________
(١) = ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٢/ ١٤٣٧) والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٥/ ٢٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والحاكم (١/ ٥٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) سنن الترمذي كتاب الدعوات (٥/ ٥٧٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٤٧) والألباني كما في صحيح الجامع (٢/ ٩٨٧).
(٣) عمل اليوم والليلة (ص ١٥٥)، ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن عبد الله بن ميمون، ويعقوب بن عاصم، قال ابن حجر في كل منهما "مقبول". انظر: تقريب التهذيب (ص ٣٠٦)، (٣٨٦).
[ ٣١٢ ]
والترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذ قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي وكان يقول: "من قالها في مرضه، ثم مات لم تطعمه النار" (^١).
١٠ - وهي أفضل ما قاله النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة (^٢).
١١ - وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (^٣)
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما يقول العبد إذا مرض (٥/ ٤٩٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله (٢/ ١٢٤٦) وابن حبان كما في موارد الظمآن (٥٧٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٥١) والحاكم (١/ ٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(٢) وهو قوله - ﷺ -: "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٢) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (٥/ ٥٧٢) والبغوي في شرح السنة (٧/ ١٥٧) وقال الألباني بعد أن ذكر هذا الحديث وما له من شواهد: وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٨).
(٣) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (٥/ ٤٦٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩) والحاكم (١/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٣١٣ ]
١٢ - وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان: كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحي عنه مئة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك" (^١).
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" (^٢). . .
١٣ - ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة، ويدخل من أيها شاء كما في حديث عمر عن النبي - ﷺ - فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم (^٣).
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (^٤). . .
_________________
(١) و(^٢) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل (٧/ ١٦٧) وصحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٤/ ٢٠٧١).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (١/ ٢١٠) ولفظه: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ويدخل من أيها شاء".
(٣) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٤/ ١٣٩) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٧).
[ ٣١٤ ]
١٤ - ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها: وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: "لا إله إلا الله" (^١) (^٢) وقال رحمه الله تعالى أيضًا: فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار" (^٣).
هذه بعض فضائل لا إله إلا الله التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى، ولو تتبعنا فضائل هذه الكلمة لصارت في مجلد كبير، فهي سند متين ومستمسك قوي لمن جاء يوم القيامة بها مستكملًا لشروطها وعاملًا بمقتضاها.
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٨/ ٢٠٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٤).
(٢) كلمة الإخلاص (ص ٥٢) وما بعدها بتصرف يسير.
(٣) لطائف المعارف (ص ٢٢٨).
[ ٣١٥ ]