أشكل على العلماء قوله - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة" (^٣)، مع قوله - ﷺ -: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" (^٤)، وقوله: "لا يورد ممرض على مصح" (^٥)، ونهيه - ﷺ - عن الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها (^٦)، وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة:
١ - فطائفة منهم ردّت حديث أبي هريرة: "لا عدوى"، وقالوا: إن أبا هريرة ﵁ رجع عن ذلك، والأحاديث الدالّة على الاجتناب أكثر، فالمصير إليها أولى.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب استحباب التزوّج والتزويج في شوال (٢/ ١٠٣٩).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٤، ٧٥).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب لا صفر (٧/ ١٩)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧).
(٥) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).
(٦) سبق إيراد هذا الحديث وتخريجه (ص ٣٤٩).
[ ٤٨١ ]
٢ - وطائفة أخرى عكست القول، وأخذوا بحديث: "لا عدوى"، وتركوا الأخذ بالأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالاجتناب، وأعلّوا بعضها بالشذوذ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وأن عائشة ﵂ أنكرته وقالت: "ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأوّل".
وهذان القولان لا يسلمان من المآخذ.
أمّا الأول: فقولهم إن أبا هريرة راوي حديث "لا عدوى" رجع عنه فإن هذا لا يضرّ؛ لأن الحديث قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة لا يضرّ.
وأمّا القول الثاني: فقولهم بإعلال حديث "فر من المجذوم"، فان ذلك لا يضرّ لأن أحاديث الاجتناب الأخرى ثابتة.
٣ - وقالت طائفة أخرى: إن أحاديث النفي مخاطب بها قوى الإيمان، وأحاديث الإثبات مخاطب بها ضعيف الإيمان.
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "وهذا القول فيه نظر" (^١).
٤ - وقال طائفة: إن قوله - ﷺ -: "لا عدوى" نفي لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من إضافة الفعل لغير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدى بطبعها وإلا قد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح للمريض سببًا لحدوث المرض وانتقاله إلى الصحيح.
ولعلّ القول الأخير هو أرجح الأقوال وأحسنها، وقد رجّحه طائفة من العلماء (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٢).
(٢) انظر: حكاية هذه الأقوال في فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧١ - ٣٧٤).
[ ٤٨٢ ]
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، وذكر بعض أقوال العلماء فيها ورجح القول الأخير، فقال: "وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر"، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرحل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "فمن أعدى الأوّل" (^١).
أمّا العدوى فمعناها أن المرض يتعدّى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحّاء، فيمرض بذلك، وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النبي - ﷺ -: "فمن أعدى الأول"، ومراده أن الأوّل لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: "لا عدوى"، مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا يورد ممرض على مصح" (^٢)، والممرض صاحب الإبل المريضة، والمصح صاحب الإبل الصحيحة. والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة، ومثل قوله - ﷺ -: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" (^٣)، وقوله - ﷺ - في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها" (^٤)، ودخول النسخ في هذا كما تخيّله بعضهم لا معنى له، فإن معنى قوله: "لا عدوى" خبر محض لا يمكن نسخه، إلا أن يقال هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها،
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٨١).
(٢) لقدم تخريجه (ص ٤٨١).
(٣) تقدم تخريجه (٤٨١).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٤٩).
[ ٤٨٣ ]
ولكن يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله: "لا عدوى"، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على ذلك قوله: "فمن أعدى الأول"، يشير إلى أن الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده، خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - فقال: "لا يعدى شيء شيئًا" (قالها ثلاثًا)، فقال أعرابي: يا رسول الله النُّقْبة (^١) من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلّها، فقال رسول الله - ﷺ -: "فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها" (^٢).
فأخبر أن ذلك كلّه بقضاء الله وقدره؛ كما دلّ عليه قوله تعالي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٣)، فأمّا نهيه - ﷺ - عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب
_________________
(١) النقبة: بضم النون وسكون القاف، قال ابن الأثير: أوّل شيء يظهر من الجرب وجمعها نقب بسكون القاف، لأنها تنقب الجلد أي تخرقه. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٠١).
(٢) مسند أحمد (١/ ٤٤٠)، وسنن الترمذي: كتاب القدر -باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (٤/ ٤٥٠). وقد سبق حديث أبي هريرة (ص ٤٨١)، وهو بمعناه.
(٣) سورة الحديد، آية (٢٢).
[ ٤٨٤ ]
التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلّها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها ولا خالق غيره ولا مقدّر غيره.
وأمّا إذا قوي التوكّل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لاسيما إذا كان فيه مصلحة عامّة أو خاصة.
وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرّجه أبو داود والترمذي أن النبي - ﷺ - أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: "كل باسم الله ثقة بالله وتوكّلًا عليه" (^١)، وقد أخذ به الإمام أحمد، وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃، ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني (^٢) بالجيوش على متن البحر فهذا كلّه لا
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والترمذي: كتاب الأطعمة - باب الأكل مع المجذوم (١٨١٨)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه: كتاب الطب - باب الجذام (٣٥٤٢)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٢) أبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني الداراني، قال العجلي: "تابعي ثقة، من كبار التابعين وعبادهم"، وقال ابن عبد البر: "أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبيّ - ﷺ - ولم يرَ رسول الله - ﷺ -، وهو معدود من كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات وفضائل". توفي ﵀ تعالي سنة ٦٢ هـ. =
[ ٤٨٥ ]
يصلح إلّا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكّلهم عليه وثقتهم به (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإن جميع النعم من الله وفضله؛ كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٢)، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٣)، ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسبّبها ومقدّرها؛ كما في الحديث عن النبيّ - ﷺ - أنه صلّى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة"؟ قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا الكافر فقال: مطرنا بنوء (^٤) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (^٥).
_________________
(١) = تاريخ الثقات للعجلي (ص ٥١١)، والاستيعاب لابن عبد البرّ (٤/ ١٧٥٧)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٧).
(٢) لطائف المعارف (ص ٦٧ - ٦٩).
(٣) سورة النساء، آية (٧٩).
(٤) سورة النحل، آية (٥٣).
(٥) نوء: جمعها أنواء وهي منازل القمر وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، سورة يس، آية (٣٩). وكانت العرب في الجاهلية تقول: إذا سقط منها نجم، وطلع آخر لابدّ أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل مطر يكون عند ذلك إلى النجم، ويقولون: مطرنا بنوء كذا. وإنّما سمّي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا أي نهض وطلع. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٢).
(٦) أخرجه البخاري: كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية (٥/ ٦٢)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (١/ ٨٣).
[ ٤٨٦ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر" (^١)، وهذا يدلّ على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة. ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع من الشرك الخفي (^٢).