جاءت بعض الأحاديث التي ظنّ بعض الناس أنها تدلّ على جواز الطيرة، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدابّة والدار" (^٣)، وفي رواية عند مسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة" (^٤).
وقد ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة وبألفاظ مختلفة، فقد رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وسهل بن سعد وجابر وغيرهم.
وقد تكلّم العلماء رحمهم الله تعالى على هذا الحديث وأجابوا عنه بعدّة أجوبة:
١ - فقال بعضهم: هذا مستثنى من الطيرة المنهي عنها، فإذا كره
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٨٢).
(٢) لطائف المعارف (ص ٧٠، ٧١).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الطيرة (٧/ ٢٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).
(٤) صحيح مسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).
[ ٤٨٧ ]
الرجل دارًا سكنها أو امرأة صحبها أو فرسًا أو خادمًا، فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه فإنها مشؤومة (^١).
٢ - وقال آخرون: لم يجزم النبي - ﷺ - بالشؤم في هذه الثلاثة بل علّقه على الشرط وهو قوله: "إن كان"، وغلطوا الراوي في روايته بالجزم دون الشرط.
قال في تيسير العزيز الحميد: "ولا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدلّ على نفي رواية الجزم" (^٢).
٣ - وقالت طائفة أخرى: إن الشؤم في هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها فيكون شؤمها عليه، أما من توكّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيّر لم تكن مشؤومة عليه، قالوا: ويدلّ عليه حديث أنس: "لا طيرة والطيرة على من تطيّر" (^٣).
٤ - وهناك قول لعائشة ﵂ وهو إنكارها لهذا الحديث، حيث قالت: "والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبى الله - ﷺكان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة"، ثم قرأت عائشة قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^٤) إلى آخر الآية (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦).
(٣) تقدم تخريجه (٤٧٨).
(٤) سورة الحديد، آية (٢٢).
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٤): رجاله رجال الصحيح.
[ ٤٨٨ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها ﵂ اجتهاد في ردّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهي ﵂ لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه وردّه، ولكن الذين رووه ممن لا يمكن ردّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظ الأمة" (^١).
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقته من ذكرنا من الصحابة في ذلك" (^٢).
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعض هذه الأقوال (^٣)، ثم قال: "والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث أن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه كما في حديث عمرو (^٤) ابن شعيب
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٤).
(٢) فتح الباري ابن حجر (٦/ ٦١).
(٣) انظر حكاية هذه الأقوال في مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٧)، وطرح التثريب (٨/ ١٢٠ - ١٢٣)، وفتح الباري (٦/ ٦١، ٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٤) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي، اضطرب قول أئمّة الجرح والتعديل فيه، وغالبهم على توثيقه، وإنما أنكروا عليه بعض رواياته عن أبيه عن جدّه، وهو ثقة في نفسه، قال ابن حجر في التقريب: "صدوق"، أخرج له الأربعة. توفي سنة ١١٨ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨)، وميزان الاعتدال (٣/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٨)، وتقريب التهذيب (ص ٢٦٠).
[ ٤٨٩ ]
عن أبيه (^١) عن جدّه (^٢) عن النبي - ﷺ - الذى أخرجه أبو داود (^٣) وغيره، وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر النبيّ - ﷺ - قومًا سكنوا دارًا فقلّ عددهم وقلّ مالهم أن يتركوها ذميمة" (^٤)، فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابّة غير منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحوّل عنه (^٥).
بهذا يتبيّن أن الشؤم موجود في بعض الأشياء لكن التشاؤم بهذه الأشياء هو الممنوع، فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، ولا مانع من أن يبتعد عن الأعيان المشؤومة حقًا، لا ما يتوهمه أو يوسوس له الشيطان فيه، لأن الاسترسال في ذلك يفتح له أبوابًا من الشيطان تفسد عليه دينه وحياته.
أمّا وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، فقيل: إن الحصر فيها بالنسبة
_________________
(١) أبوه هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن حجر: "صدوق، ثبت سماعه من جدّه". الجرح والتعديل (٤/ ٣٥١)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (ص ١٤٦).
(٢) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الصحابي الجليل.
(٣) أخرجه أبو داود: كتاب النكاح - باب في جامع النكاح (٢/ ٦١٦)، وابن ماجه: كتاب النكاح - باب ما يقول الرجل إذا دخلت على أهله (١/ ٦١٧)، والحاكم (٢/ ١٨٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٤٨)، وقال العراقي: إسناده جيّد. تخريج الإحياء (١/ ٣٢٨).
(٤) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب في الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والبخاري في الأدب المفرد - باب الشؤم في الفرس (ص ٣٠٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٧٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤١١)، وقال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٢): إن إسناد عبد الرزاق صحيح.
(٥) لطائف المعارف (ص ١٥٧).
[ ٤٩٠ ]
إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة، وقيل: إنما خصّت بالذكر لطول ملازمتها.
وقال المازري (^١): مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاثة أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها (^٢).
وقال صاحب فيض القدير: وخصّ الثلاثة بالذكر لكونها أعمّ الأشياء التي يتداولها الناس (^٣).