لقد حذّر الرسول - ﷺ - أمّته عن اتّخاذ القبور مساجد ونهاهم عن ذلك نهيًا شديدًا، والأحاديث التي تدلّ على النهي عن ذلك كثيرة:
منها حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (^٤).
_________________
(١) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، الشيخ الإمام، كان بصيرًا بعلم الحديث، قال عنه القاضي عياض: "لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه بمذهبهم". توفي سنة ٥٣٦ هـ. وفيات الأعيان (٤/ ٣٨٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٦١).
(٣) فيض القدير (٣/ ٣٣).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).
[ ٤٩١ ]
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قاتل الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١).
ومنها حديث عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، قال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا (^٢).
ومنها حديث عائشة أن أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيّ - ﷺ -، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على تحريم بناء المساجد على القبور، لأن ذلك يفضي إلى الغلوّ فيها وعبادة أهلها من دون الله تعالى.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة وأوضحها وبيّنها في فتح الباري عند شرحه للأحاديث الواردة في البخاري عنها، فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث عائشة السابق: "هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٦).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتّخذ مكانها مساجد (١/ ١١٠)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي من بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٥).
[ ٤٩٢ ]
الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرّم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلّت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري في تفسير سورة نوح من روى هذا من حديث ابن جريج. قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد، أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن نصّبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت" (^١) فإن اجتمع بناء المساجد على القبور مع تصوير صورهم فلا شكّ في تحريمه سواء كانت صورًا متّخذة كالأصنام أو على حائط ونحوه كما تفعله النصارى في كنائسهم والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأمّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها والاستشفاع بها يحرّم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي - ﷺ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزّه بذلك، والتلهّي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التفسير - باب (ودا ولا سواعًا ولا يغوث ولا يعوق ونسرًا) (٦/ ٧٣).
[ ٤٩٣ ]
صفاته ولا في أفعاله ﷾" (^١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكان رسول الله - ﷺ - يحذّر أصحابه وسائر أمّته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلّوا إلى قبور أنبيائهم واتّخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظّمونها وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان رسول الله - ﷺ - يحبّ مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمّته اتّباعهم، ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: "لتتبعنّ سنن الذين كانوا من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه" (^٢)، وكان يحذّر من ذلك في مرض موته كما في حديث جندب أن النبيّ - ﷺ - قال ذلك قبل موته بخمس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلّم به رسول الله - ﷺ -: "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام - باب قول النبيّ - ﷺ -: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (٨/ ١٥١)، ومسلم: كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى (٤/ ٢٠٥٤). كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضمط لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الدارمي في سننه (٢/ ٢٣٣)، والحميدي في مسنده (١/ ٤٦)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٢٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٠٨). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٢٥): رواه أحمد بأسانيد ورجال الطريقين منها ثقات متّصل إسنادهما. وله شواهد سبقت في (ص ٤٩٢).
[ ٤٩٤ ]
وقد روى هذا المعنى عن النبي - ﷺ -، وأنّه قال ذلك في مرض موته من حديث علي وأسامة بن زيد وكعب بن مالك وغيرهم.
وخرّج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ولفظه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "أدخل عليّ أصحابي"، فدخلوا فكشف القناع، ثم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١) " (^٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "اتّخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام بل هو من عمل اليهود وقد لعنهم النبي - ﷺ - على ذلك وقد دلّ القرآن على مثل ما دلّ عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (^٣).
فجعل اتّخاذ القبور مساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتّبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى" (^٤).
ولذلك يقول رحمه الله تعالى: "فالعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجن" (^٥).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: "وفي الجملة فلا شؤم إلّا المعاصي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٤).
(٢) فتح الباري ورقة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).
(٣) سورة الكهف، آية (٢١).
(٤) فتح الباري ورقة (٢/ ٣٩٧).
(٥) لطائف المعارف (ص ٧٧).
[ ٤٩٥ ]
والذنوب، فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط الله على عبده شقى في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة" (^١).
وبهذا نعلم صحة ما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من حرمة البناء على القبور واتّخاذها مساجد، كما قال بذلك سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
وهذا كلّه من سدّ باب الشرك ووسائله، لأن الشارع الحكيم إذا حرّم شيئًا حرّم أسبابه ووسائله، وإذا نهى عن شيء نهى عن كل ما يوصل إليه ويقرب منه ومن ذلك أن الإسلام لما جاء بالنهي عن الشرك، نهى عن أسبابه وسدّ ذرائعه الموصلة إليه والمسبّبة له.
ولذلك كان البناء على القبور ووضع القباب لها واتّخاذها مساجد سببًا في وقوع الشرك، وهذه بلية مشاهدة في بلدان كثيرة وخصوصًا في زماننا هذا، أن هذه المشاهد أصبحت تقصد وتشدّ الرحال إليها ويطلب من أهلها قضاء الحوائج وتحقيق المطالب، ويقع عندها من الشرك والمنكرات ما لا يشكّ معه عاقل من وجوب اقتلاع تلك الأبنية والقباب والمشاهد الوثنية وعدم إبقاء أيّ أثر لها.
والله أسأل أن يبصّر المسلمين بأمور دينهم وأن يردّهم للعمل بكتابه وسنّة رسوله - ﷺ - إنه وليّ ذلك والقادر عليه.