كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبّوا الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بهم من موت أو تلف مال وربما لعنوه، ويقولون: أبادهم الدهر وأصابتهم قوارع الدهر، ويكثرون من ذكر ذلك
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٧٧).
[ ٤٩٦ ]
في أشعارهم، وكل ذلك في الحقيقة إنما يرجع إلى الله ﷾، لأنه هو المدبّر لهذا الكون والخالق له، والمصرف لهذا الدهر، والدهر ليس له إرادة وإنما هو ظرف مخلوق مسخّر ومدبّر بأمر الله تعالى، فالسبّ والشتم في الحقيقة والتسخّط يعود إلى الله ﷾، واعققاد أن الزمان هو الفاعل حقيقة من عقيدة الجاهلين الذين ينفون الإله ﷾ وينكرونه.
وقد حكى الله ﷾ في القرآن الكريم عقيدتهم هذه وردّ عليهم، فقال ﷿: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ (^١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، أي ما ثم إلّا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة والإلهيون منهم وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرّر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول وكذّبوا المنقول، ولهذا قالوا ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي يتوهمون ويتخيّلون" (^٢).
وقد ورد النهي عن سبّ الدهر في أحاديث كثيرة، لأن في ذلك مشابهة للمشركين، ولأن السبّ في الحقيقة إنما ينصرف إلى من بيده الأمور كلّها، وهو الله ﷾.
_________________
(١) سورة الجاثية، آية (٢٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٠).
[ ٤٩٧ ]
ومما ورد في النهي عن سب الدهر حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" (^١).
ومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما" (^٢).
ومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (^٣).
ومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تسبّوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيّام والليالي لي أجدّدها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك" (^٤).
قال المنذري رحمه الله تعالى: "ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة، وأصابته مصيبة أو مكروه يسبّ الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء، وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن فعل ذلك فعل الأنواء، فكان هذا كاللعن الفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلّا الله تعالى، خالق كل شيء وفاعله،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨/ ١٩٧)، ومسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الريح (٤/ ١٧٦٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: وهذا إسناد جيد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٨).
[ ٤٩٨ ]
فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك" (^١).
وقد وقع بعض المسلمين في عصرنا الحاضر فيما وقع فيه هؤلاء المشركون الدهرية، فما نزال نسمع من الجهلة والمتعلّمين سبابًا للزمان والدهر كلما نزل بهم مكروه أو ضاقت بهم سبل الحياة، وهذا ناتج عن ضعف الإيمان والجهل بالدين، والواجب على السلم أن يرضى بقضاء الله وتدبيره حتى يتمّ له توحيده، ومن وقع في شيء من ذلك فليثب وليستغفر الله من ذلك.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة، فقال: "واعلم أن الذمّ الوارد في الكتاب والسنّة ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللّيل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا وليس الذمّ راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا ومسكنًا، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر، ولا إلى ما بثّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كلّه من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضرّ عاقبته أو لا تنفع؛ كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ (^٢) " (^٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان
_________________
(١) الترغيب والترهيب (٣/ ٤٨٢).
(٢) سورة الحديد آية (٢٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٥٩ - ٣٦١).
[ ٤٩٩ ]
كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كلّه خلق الله تعالى وفيه أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو شؤم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى" (^١).
فسبّ الدهر وشتمه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال سواء اعتقد السابّ أن الزمان والدهر فاعل حقيقة أو لم يعتقد ذلك، لأن الحديث صريح في النهي عن ذلك، قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "والحديث صريح في النهي عن سبّ الدهر مطلقًا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام" (^٢).
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أنّ من سبّ الدهر يقع في ثلاث مفاسد عظيمة، فقال: في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبّه من ليس بأهل أن يسبّ، فإن الدهر خلق مسخّر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلّل لتسخيره، فسابّه أولى بالذمّ والسبّ منه.
الثانية: أن سبّه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضرّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وإشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهّال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السبّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتّبع الحقّ فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فربّ الدهر تعالى هو
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٧٦).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٤٥).
[ ٥٠٠ ]
المعطي المانع الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للربّ تعالى
فسابّ الدهر دائر بين أمرين لابدّ له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبّ من فعله، فقد سبّ الله (^١).
وقوله - ﷺ -: (أنا الدهر)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر ومدبّر الأمور (^٢).
وقال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: "زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدّة زمان الدنيا" (^٤).
وقال شيخنا فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: وقوله: (أنا الدهر) لا يدلّ على أنه تعالى اسمه الدهر، لأنه فسّره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فكونه تعالى بيده الأمر يقلب اللَّيل والنهار هو معنى قوله: (أنا الدهر) (^٥).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤، ٣٥٥).
(٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ١٩٠٤).
(٣) عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي أبو الفضل الحافظ المحدّث الفقيه، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، صنّف كتبًا كثيرة، منها: الشفا في شرف المصطفى، وترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ. الصلة لابن بشكوال (٢/ ٤٥٣)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، ونفح الطيب (٧/ ٣٣٣).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٥٦٦).
(٥) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٣٥١).
[ ٥٠١ ]