عن بعض أصحاب أحمد بن إبراهيم قال: أتينا معروف الكرخي ومعنا فضل بن أخت أسود بن سالم، وكان غلامًا جميلًا، قال: عدنا إلى معروف مرة أخرى، ولم يكن معنا الغلام، قال: فجاء حتى وقف على باب المسجد وقال: أليس كانوا يكرهون أن يمشوا مع الغلام الجميل؟!.
عن أبي علي الروذباري أنه سمع جنيدًا يقول: جاء
[ ٥٣ ]
رجل إلى أبي عبد الله بن محمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ فقال: ابني. فقال أحمد: لا تجيء به معك مرة أخرى، فلما قام قيل له: أيد الله الشيخ إنه رجل مستور وابنه أفضل منه. فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع من سترهما، على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم.
وعنه قال: قال لي أبو العباس أحمد المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث. فقلت له: يا سيدي أنت بهم أعرف، وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور فقال: هيهات يا أبا علي! قد رأينا من كان أقوى إيمانًا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل يفر منه كفراره من الزحف، فإنما ذلك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها، فيأخذها على تصرف
[ ٥٤ ]
الطباع، ما أكثر الخطر، ما أكثر الغلط!!.
عن أبي سعيد الخراز قال: رأيت إبليس في النوم على وسط منطقة حلوية وهو يفر من حلقتنا فقلت: تعال، فقال: أيش أعمل عندكم إنما أخدع الناس بالدنيا، وأنتم قد تركتم الدنيا، فمر قليلًا ثم رجع فقال لي: فيكم لطيفة، فقلت: أيش هو؟ قال: صحبة الأحداث، ثم قال أبو سعيد: ما أقل من سلم منهم.
عن منصور بن إبراهيم قال: كانوا يكرهون مجالسة بني الملوك لأن لهم شهوة كشهوة النساء.
عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين شيخًا كانوا يعتقدون م الأبدال، كلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا: إتق معاشرة الأحداث.
عن محمد بن إبراهيم الصوفي قال: كان أخوص الجرمي من
[ ٥٥ ]
أفضل صوفي رأيته بالرملة، قال: حدثني أبي قال: كان أبو الأسود محمد بن رضوان من بقايا الصوفية المتقدمين، وكان من أحسن الناس كلامًا، وأحضرهم جوابًا، فنظر يومًا إلى رجل في مسجد بصور يقرىء غلامًا جميلًا وهو يضحك إليه، فقام إليه مبادرًا وجلس إلى جانبه فقال له: يا أخي أما سمعت الله تعالى يقول: (ألم يأنِ لِلذين آمنُوا أن تخشَع قُلوبُهم لِذكرِ اللهِ وما نَزَلَ
[ ٥٦ ]
مِن الحَقِّ) قال: بلى، أفما سمعته تعالى ذكره يحذر من فعل قوم اغتروا بحمله، وأنسوا إلى كرمه فقال: (ولا يكُونُوا كالذِين أوتُوا الكِتابِ مِن قبل فَطال عليهم الأمد فَقَسَت قُلوبُهم وكثير مِنهُم فاسِقُون) . قال: بلى، قال: فما بالك لا تخشع عند قوله، ولا ترجع عند تحذيره، وما نزل من كتابه، إني رأيتك مغرقًا في الضحك إلى هذا الذي يقرأ عليك، كأنك لا تسأل عن ضحكك، ولا توقف على فعلك. وبالله الذي لا يحلف المؤمنون بمثله، لئن أخذك على ريب يكرهه ليجعلنك عبرةً للعاقل، ومثلةً للجاهل فنكس الرجل رأسه، وأقبل يبكي فقام وتركه.
عن أبي زهرة الرعيني، أنه نظر إلى رجل يضاحك غلامًا في مجلس عبد الله بن وهب المصري، فألقى كتابه وقصده، وقال: يا أخي، أما لو علمت من أسخطت، ولعقوبة من تعرضت بفعلك هذا لغلت يدك إلى عنقك. كم من ملكٍ كريم قد شهد عليك بما فعلت، وغظته بما صنعت، أتتمرد على من خلقك، وخلق الخلق، وبسط عليك وعليهم الرزق، أما إنه لا يحتاج مع نظره إليك إلى شاهد عليك، فإن أنكرت شيئًا مما حفظه وجحدت فعلًا قد علمه، قال ليديك: انطقى ولرجليك تكلمي، ولعينيك اشهدي فليت شعري ما تكون حجتك عليه وقد نطقت أعضاؤك، وشهدت عيناك نطقت يداك، وتكلمت رجلاك؟، الم تسمع إلى قوله ﷿: (يوم تَشهدُ عَلِيهم ألسِنتُهم الآية) أقام والله عليك خصمًا منك وشهودًا عليك، فأين الاعتذار وقد تقدم الإقرار وخرست فلم تجد سبيلًا إلى الإنكار، فبكى الرجل حتى أبكى أبا زهرة ومن حضره.
[ ٥٧ ]