قال الإمام البخاري في صحيحه: " باب وفاة موسى وذكره بعد " ثم ساق بإسناده إلى أبي هريرة - ﵁ - قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلما جاءه صكَّه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب؟
ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن. قال: فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال أبو هريرة: فقال رسول الله: لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر] ورواه مسلم أيضًا (١).
قال الحافظ ابن حجر: [وقوله فيه: (رمية حجر) أي قدر رمية حجر أي أدنني من مكان الأرض المقدسة هذا القدر أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر وهذا الثاني أظهر وعليه شرح ابن بطال وغيره حكى ابن بطال عن غيره أن
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٤٥٠، ٧/ ٢٥١ - ٢٥٢، صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ٥١٢.
[ ١٩٢ ]
الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليعمى قبره لئلا تعبده الجهال من ملته] (١).
وقال الإمام العيني: [واختلف أهل السير في موضع قبره فقيل بأرض التيه وهارون كذلك ولم يدخل موسى الأرض المقدسة إلا رمية حجر رواه الضحاك عن ابن عباس وقال: لا يعرف قبره ورسول الله - ﷺ - أبهم ذلك بقوله (إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، ولو أراد بيانه لبيَّن صريحًا وقال ابن عباس لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله.
وقيل: بباب لد بالبيت المقدس.
وقيل: قبره بين عالية وعويلة عند كنيسة توماء.
وقيل: بالوادي في أرض ماء بين بصرى والبلقاء.
وقيل: قبره بدمشق ذكره ابن عساكر عن كعب الأحبار.
والأصح أنه بالتيه قدر رمية حجر من الأرض المقدسة] (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: [وزعم ابن حبان أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبيت المقدس وتعقبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس. قال - أي الضياء -: وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى وأريحاء من الأرض المقدسة] (٣). قلت وظاهر حديث أبي هريرة السابق يرد القول المشهور الذي ذكره الضياء لأن أريحا من الأرض المقدسة وظاهر الحديث أنه لم يدخل الأرض المقدسة وإنما سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة.
قال الحافظ ابن كثير: [وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة.
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٤٥٠.
(٢) عمدة القاري ١١/ ١٤١.
(٣) فتح الباري ٧/ ٢٥٢.
[ ١٩٣ ]
وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين، ومما يدل على ذلك قوله: لما اختار الموت: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر وحانت وفاته ﵇ أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر، رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر] (١).
وقال مجير الدين الحنبلي: [ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه] (٢).
وقال القسطلاني معلقًا على الحديث السابق: [وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشريف ومن ثم حصل الاختلاف فيه فقيل بالتيه وقيل بباب لد ببيت المقدس أو بدمشق أو بواد بين بصرى والبلقاء أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس أو بأريحا وهي من الأرض المقدسة] (٣).
ونقل الشيخ عبد الغني النابلسي عن رسالة لمحمد بن طولون سماها " تحفة الحبيب فيما ورد في الكثيب " ذكر فيها أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم قبالة الكثيب الأحمر في دمشق الشام. ونقل عن ابن عساكر أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم ونقل عن ابن جبير أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم.
ونقل عن أبي إسحاق الفزاري الشافعي مثل ذلك وذكر أن له رسالة اسمها: [
_________________
(١) البداية والنهاية ١/ ٢٩٦.
(٢) الأنس الجليل ١/ ١٩٩.
(٣) إرشاد الساري ٢/ ٤٩٤.
[ ١٩٤ ]
تبيين الأمر القديم المروي في تعيين قبر موسى الكليم] جزم فيها بأن قبر موسى في دمشق الشام في مسجد القدم المذكور (١).
وبعد هذا العرض الموجز لما قاله العلماء في بيان موضع قبر موسى ﵇ يظهر للباحث المنصف أنه لا يعرف على وجه التحديد محل قبر موسى ﵇ وكل ما ذكر في تحديد موضع قبره ظنون ضعيفة ليس لها مستند صحيح ثابت وحديث الصحيحين لا يحدد موضع قبره ﵇، قال الرحالة الهروي: [ والصحيح أن قبره لا يعرف والله أعلم] (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما قبور الأنبياء فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي - ﷺ - فإن قبره منقول بالتواتر وكذلك قبر صاحبيه وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره وأنكر ذلك طائفة، وحكي الإنكار عن مالك وأنه
قال: ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا - ﷺ - ] (٣).
_________________
(١) الحضرة الأنسية ٢/ ٥٤٦ - ٥٥٠.
(٢) الإشارات للهروي ص ١٣ نقلًا عن موسم النبي موسى ص ١٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٤٤.
[ ١٩٥ ]